فلسطين

السّبت 16 أغسطس 2025 7:57 صباحًا - بتوقيت القدس

جامعات الغرب بعد حرب غزة.. تحولات عميقة في الموقف الأكاديمي

منذ اندلاع حرب الإبادة ضد غزة في أكتوبر 2023، تحولت الجامعات الغربية إلى ساحات مواجهة سياسية وقانونية وأخلاقية. لم تعد القضية مجرد تضامن رمزي مع الفلسطينيين، بل أصبحت اختبارًا لبنية الحوكمة الجامعية: كيف توازن بين حرية التعبير، والنظام العام، وضغوط المموّلين؟ الأرقام والوقائع خلال 2024 و2025 تشير إلى أن الأمر تجاوز الاحتجاجات العابرة، ودخل مرحلة إعادة صياغة القواعد.

في الولايات المتحدة، كان المشهد أكثر حدة وتنوعًا، بين مواجهات أمنية مباشرة واتفاقات تفاوضية مبتكرة. شهد ربيع 2024 ذروة الحراك الطلابي، مع أكثر من 3,000 حالة اعتقال في أكثر من 60 جامعة. جامعات كولومبيا وتكساس وكاليفورنيا كانت بؤرًا رئيسية، حيث فُضّت مخيمات بالقوة وسط تغطية إعلامية واسعة. لكن جامعات أخرى، مثل براون ونورث وسترن، اختارت التفاوض بدل الصدام.

في فرنسا، كانت استجابة الدولة والجامعات أكثر حزمًا وسرعة، لكن رمزية مواقع الاحتجاج جعلت أثرها السياسي كبيرًا. اعتصامات السوربون وSciences Po في مايو 2024 انتهت بسرعة بتدخل الشرطة وتوقيف نحو 88 طالبًا، إضافة إلى إخلاء محتجين في 23 مؤسسة تعليمية في يوم واحد. هذا النمط حافظ على انتظام الدراسة، لكنه نقل المعركة من الحرم الجامعي إلى الساحة السياسية والإعلامية.

أما في ألمانيا، فقد تداخل القانون مع الأمن لتقليص مساحة الاحتجاج إلى الحد الأدنى. في مايو 2024، فضّت الشرطة اعتصام جامعة برلين الحرة واعتقلت 79 شخصًا خلال ساعات، وفتحت أكثر من 150 تحقيقًا لاحقًا. البيئة القانونية، خاصة تعريفات معاداة السامية، جعلت الجامعات تميل إلى التدخل الشرطي السريع، ما خلق تأثير التجميد على الحرية الأكاديمية.

في إيطاليا، انتقل الحراك الطلابي خطوة أبعد، فحوّل الضغط الميداني إلى قرارات رسمية داخل الجامعات. شهدت مدن جامعية كبرى مثل تورينو وبولونيا وفلورنسا موجة اعتصامات في النصف الأول من 2024. الأبرز كان ما حدث في مجلس جامعة تورينو في مارس، حين صوّت على إنهاء اتفاقية بحثية مع مؤسسات إسرائيلية.

عند مقارنة التجربتين الأمريكية والأوروبية، نكتشف أن الخلاف لا يقتصر على درجة التسامح، بل يمتد إلى فلسفة إدارة الجامعات نفسها. في الولايات المتحدة، الشرعية تُبنى على حرية التعبير والحوكمة المالية، بينما في فرنسا وألمانيا، تقوم الشرعية على حفظ النظام العام حتى لو قلص ذلك من مساحة الاحتجاج.

الأحداث الأخيرة ترسم أمام الجامعات أربعة مسارات محتملة: التطبيع المؤسسي، التشدد الأمني، التدويل البديل، والإنهاك والركود. قد تختار الجامعات دمج الاحتجاجات ضمن قنوات رسمية، أو تشديد المراقبة على الأنشطة الطلابية، أو البحث عن شراكات مع مؤسسات في مناطق أخرى.

ختامًا، ما جرى في جامعات الغرب منذ بداية الحرب على غزة ليس مجرد رد فعل ظرفي، بل إعادة تشكيل للعقد الاجتماعي الأكاديمي. خلال العامين المقبلين، سيتحدد ما إذا كانت الجامعات ستحتوي السياسة عبر مأسستها، أم ستدفعها خارج أسوارها عبر الأمن والتشريعات.

دلالات

شارك برأيك

جامعات الغرب بعد حرب غزة.. تحولات عميقة في الموقف الأكاديمي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.