أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:17 صباحًا - بتوقيت القدس

لبنان في معادلات الصراع الإقليمي

يحتل لبنان موقعًا محوريًا في التفاعلات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، حيث تتداخل على أرضه المصالح المحلية والإقليمية والدولية بصورة معقدة. وقد أدى موقعه الجغرافي على الحدود مع إسرائيل، إلى جانب تركيبته السياسية والطائفية الخاصة، إلى جعله ساحة مهمة للتنافس الاستراتيجي بين القوى الإقليمية. وفي هذا السياق، برزت إيران وإسرائيل بوصفهما من أبرز الأطراف المؤثرة في المشهد اللبناني، الأمر الذي جعل لبنان عنصرًا مهمًا في حسابات الأمن والسياسة الإقليمية.

شهد الدور الإيراني في لبنان تطورًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، حيث عززت طهران حضورها من خلال علاقاتها السياسية والاستراتيجية مع قوى لبنانية مؤثرة، وعلى رأسها حزب الله. وقد مكّن هذا الحضور إيران من امتلاك أدوات تأثير تتجاوز الحدود اللبنانية لتشمل ملفات إقليمية أوسع. وتنظر طهران إلى لبنان باعتباره جزءًا من منظومة إقليمية تهدف إلى تعزيز النفوذ السياسي والعسكري ومواجهة الضغوط الخارجية، وخاصة تلك المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.

في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الساحة اللبنانية من منظور أمني بالدرجة الأولى. فوجود قوى مسلحة على حدودها الشمالية يمثل، من وجهة نظرها، تحديًا استراتيجيًا دائمًا. لذلك، تتابع إسرائيل التطورات اللبنانية عن كثب، وتحرص على منع أي تغيرات قد تؤدي إلى تعزيز القدرات العسكرية للقوى المعادية لها. كما تستخدم الملف اللبناني في حواراتها مع الولايات المتحدة والقوى الغربية لتأكيد أهمية الدعم السياسي والعسكري لمواجهة ما تعتبره تهديدات متزايدة على حدودها.

وتزداد أهمية لبنان في فترات التوتر الإقليمي، حيث يصبح جزءًا من منظومة الرسائل السياسية والعسكرية المتبادلة بين الأطراف المختلفة. ففي أوقات الأزمات، قد يُستخدم التصعيد المحدود أو التهديد به كوسيلة للضغط وتحسين شروط التفاوض في ملفات أخرى، مثل الملف النووي الإيراني أو الترتيبات الأمنية في المنطقة. ومن هنا، لا يمكن فهم التطورات اللبنانية بمعزل عن السياق الإقليمي الأشمل.

مع ذلك، فإن النظر إلى لبنان باعتباره مجرد أداة في يد القوى الخارجية يتجاهل حقيقة وجود عوامل داخلية مؤثرة. فالأزمة الاقتصادية المستمرة، والانقسامات السياسية، والتحديات الاجتماعية، كلها عناصر تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الواقع اللبناني. كما أن الدولة اللبنانية والقوى السياسية المحلية تسعى، بدرجات متفاوتة، إلى حماية مصالحها الوطنية والتعامل مع الضغوط الخارجية بما يخدم أولوياتها الداخلية.

علاوة على ذلك، فإن التوازنات الإقليمية والدولية تجعل من الصعب على أي طرف فرض إرادته بشكل كامل على الساحة اللبنانية. فهناك شبكة معقدة من المصالح المتداخلة تشمل قوى عربية ودولية متعددة، الأمر الذي يحد من قدرة أي جهة على التحكم الكامل بمسار الأحداث. ولذلك، يبقى لبنان مساحة للتفاعل والتأثير المتبادل أكثر من كونه مجرد ساحة خاضعة لطرف واحد.

وفي الختام، يمثل لبنان نموذجًا بارزًا لتشابك العوامل المحلية والإقليمية في تشكيل السياسات والأحداث. فبين النفوذ الإيراني، والهواجس الأمنية الإسرائيلية، والمصالح الدولية المختلفة، يظل لبنان جزءًا أساسيًا من معادلات الشرق الأوسط. ويعتمد مستقبله إلى حد كبير على قدرته في تعزيز مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار الداخلي، بما يسمح له بالتعامل مع التحديات الخارجية من موقع أكثر قوة واستقلالية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:16 صباحًا - بتوقيت القدس

من سايكس بيكو إلى بلفور: حين صارت الخريطةُ وعداً وصار الوعدُ نكبةً



في السادس عشر من مايو 1916، لم تكن بريطانيا وفرنسا ترسمان حدود الشرق الأوسط على ورق فحسب، بل كانتا تعيدان اختراع المشرق بوصفه غنيمة سياسية مؤجلة. كانت الحرب العالمية الأولى تلتهم الإمبراطوريات القديمة، وكانت الدولة العثمانية تتراجع، فيما كانت قناة السويس تؤرق لندن كما لو أنها شريان الإمبراطورية الأخير. في تلك اللحظة لم ينظر العقل الاستعماري إلى العرب بوصفهم شعوبا تنتظر حقها في الاستقلال، ولا إلى فلسطين بوصفها وطنا لشعب قائم في أرضه، بل بوصفهما مادة قابلة للتقسيم وساحة قابلة لإعادة الترتيب.

هكذا ولدت سايكس بيكو: لا كاتفاق حدودي فقط، بل كفلسفة استعمارية كاملة. فلسفة ترى أن خرائط النفوذ أصدق من ذاكرة الشعوب، وأن مصير المجتمعات يمكن أن يقرره رجال يجلسون في غرف مغلقة بعيدا عن تراب البلاد وأسماء أهلها. وما إن فتحت هذه الخرائط السرية حتى صار وعد بلفور ممكنا. لم يكن بلفور انحرافا عن سايكس بيكو، بل نتيجتها الأشد قسوة؛ فإذا كانت سايكس بيكو قد جزأت المشرق إلى مناطق نفوذ، فإن بلفور انتزع فلسطين من معناها الوطني والإنساني والتاريخي، وحولها من أرض لشعبها إلى وعد يمنحه من لا يملك لمن لا يستحق.

بين سايكس بيكو ووعد بلفور لا نقف أمام حدثين متجاورين، بل أمام منطق واحد: تحويل المنطقة من فضاء حضاري متصل إلى خرائط نفوذ مجزأة، ومن شعوب تطلب الاستقلال إلى جماعات ممزقة تدار بالوعود والانتداب. لقد كان وعد بلفور ثمرة مرة لشجرة سايكس بيكو؛ الشجرة التي زرعت التقسيم في الأرض، ثم منحت الغريب حقا فوقها، وفتحت قرنا كاملا من الاحتلال، من الانتداب إلى الاستيطان.

لم تكن الخديعة عابرة. ففي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تخاطب الشريف حسين بلغة الاستقلال العربي، كانت تتفاوض سرا مع فرنسا على تقسيم المشرق، وتتقدم في الوقت نفسه نحو الحركة الصهيونية لتمنحها وعدا في فلسطين. هكذا استدعي العرب إلى الحرب باسم التحرر لا باسم الشراكة، واستعملت الثورة العربية أداة لتفكيك الجسد العثماني، لا لتأسيس دولة عربية مستقلة. أما فلسطين، فأخرجت من سياقها الطبيعي ومن علاقتها العضوية بأهلها ومحيطها، لتصبح فضاء مؤجلا لوظيفة استعمارية أكبر: حماية طريق الإمبراطورية، وتثبيت موطئ قدم دائم في قلب المشرق.

والأكثر مأساوية أن العرب لم يخرجوا من عباءة الإمبراطورية إلى فضاء السيادة، بل إلى غرف الانتداب. كانت السلطنة قد شاخت وتحتاج إلى إصلاح عميق، لكن إسقاط الرابطة السياسية القديمة لم يرافقه بناء رابطة جديدة قادرة على حماية الأرض والقرار. لذلك لم يولد الاستقلال الموعود، بل ولدت كيانات تحت الوصاية، وحدود مرسومة بمسطرة الخارج، ودول مبكرة الهشاشة، تحمل جرح النشأة وقلق الشرعية.

ولا يمكن فهم سايكس بيكو وبلفور بعيدا عن الحسابات الجيوسياسية الكبرى. فقد نظر الأوروبيون إلى الدولة العثمانية طويلا بوصفها حاجزا أمام الاندفاع الروسي نحو المياه الدافئة وطرق الهند. دعموها حين كانت سدا نافعا، ثم قرروا وراثتها حين بات سقوطها محتوما. لم يكن الشرق في المخيال الإمبراطوري ذاتا سياسية، بل ممرا وحاجزا وخزانا للموارد ومسرحا للتوازنات الكبرى.

غير أن الخديعة الكبرى لا تكمن فقط في أن بريطانيا وعدت العرب بما لم تف به، بل في أنها أعادت تعريف المنطقة كلها من خلال عدسة استعمارية تعتبر التنوع علة، والمجتمعات الشرقية عاجزة عن إنتاج الدولة، والغرب وصيا طبيعيا على خرائطها. لم تكن هذه القراءة وصفا بريئا، بل أداة حكم؛ فحين يصنف الخارج المجتمع إلى طوائف وقبائل وأقليات، يصبح تدخله ضرورة، وتصبح الحدود المفروضة حلا.

منذ ذلك الحين تحركت أحجار الدومينو. سقوط السلطنة فتح باب الانتداب، والانتداب فتح باب المشروع الصهيوني، والمشروع الصهيوني فتح باب النكبة، والنكبة فتحت باب اللجوء والحروب والانقلابات، والنكسة فتحت باب الاحتلال الطويل، والاحتلال فتح باب الاستيطان بوصفه سياسة يومية. في هذا المسار لم تكن فلسطين هامشا، بل المختبر الأكثر كثافة لفكرة السيطرة: كيف يتحول شعب كامل إلى “مشكلة”، والمحتل إلى طرف أمني، والحق إلى ملف تفاوض بلا نهاية.

أخطر ما في سايكس بيكو أنها لم تنته بانتهاء لحظتها التاريخية، بل تحولت إلى قابلية مستمرة لإعادة الإنتاج. فالمؤامرات الراهنة ليست نسخة كربونية من اتفاق 1916، لكنها تعمل بروحه ذاتها: تفكيك المجال العربي، تحويل الدولة إلى جزر متنازعة، إضعاف الروابط الوطنية، وإعادة بناء المنطقة حول مصالح الخارج لا إرادة شعوبها. الجميع يلعن سايكس بيكو في الخطاب، لكن كثيرا من القوى يمارسها في الواقع حين يقبل بتقسيم المجتمع إلى طوائف ومناطق ومليشيات، وحين يستدعي الخارج ضد الداخل.

بهذا المعنى، لا تبدو حروب اليمن والسودان وليبيا والعراق منفصلة عن سؤال الخرائط. إنها تجليات متأخرة لمنطق سايكس بيكو وقد عاد أكثر شراسة: ليس عبر موظف بريطاني وفرنسي يرسمان الحدود فوق طاولة، بل عبر انهيار الدولة من داخلها، وتعدد الجيوش، وتنازع الشرعيات، وصعود المليشيات، وتحول السيادة إلى سلعة تتقاسمها العواصم الإقليمية والدولية. هنا لا ترسم الخريطة من الخارج وحده، بل من الداخل أيضا، حين تفشل الدولة في احتكار العنف المشروع.

لذلك فإن القول إن سايكس بيكو انتهت قول شديد التبسيط. لقد انتهت كوثيقة، لكنها بقيت كمنهج. بقيت حين تحولت الدولة العربية إلى كيان هش يحرسه نظام مستبد أكثر مما يحرسه عقد اجتماعي. وبقيت حين حمت القوى الكبرى أنظمة قمعية باسم الاستقرار، وهي تعلم أن هذا الاستقرار ليس سوى تجميد مؤقت للانفجار. لقد احتاجت خرائط سايكس بيكو إلى أنظمة قوية على شعوبها وضعيفة أمام الخارج؛ أنظمة تمنع المواطنة، وتؤجل الإصلاح، وتكسر المجتمع المدني، وتحتكر الجيش والقانون والثروة.

من هنا تبدو اللحظة الراهنة امتدادا لذلك التاريخ. فخطابات “الشرق الأوسط الجديد”، ومشاريع إعادة تشكيل المنطقة بالقوة والصفقات والتطبيع، ليست مجرد عناوين سياسية عابرة؛ إنها محاولة لمنح سايكس بيكو حياة جديدة بأدوات مختلفة. لم تعد الخريطة ترسم بالحبر وحده، بل بالصواريخ، والممرات الاقتصادية، وصفقات السلاح، واتفاقات التطبيع. ولم تعد فلسطين وحدها هي المستهدفة، بل معنى المنطقة كلها: أن تصبح إسرائيل مركز النظام، وأن تتحول الدول العربية إلى هوامش أمنية واقتصادية حولها.

تغيرت الأسماء وبقيت البنية. بالأمس: سايكس بيكو، بلفور، الانتداب، الحماية، مناطق النفوذ. واليوم: الشرق الأوسط الجديد، الاتفاقات الإبراهيمية، الممرات الاقتصادية، الأمن الإقليمي، مكافحة الإرهاب، حماية الملاحة، وإعادة هندسة الدولة الوطنية. ليست هذه المفاهيم متطابقة، ولا يجوز اختزالها كلها في مؤامرة واحدة، لكنها تتحرك، في كثير من استعمالاتها، ضمن منطق قديم: ترتيب المنطقة من خارجها، وتكييف خرائطها مع مصالح القوى الكبرى.

غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نحول الخارج إلى قدر مطلق، ولا الداخل إلى ضحية بريئة تماما. فقد نجحت سايكس بيكو لأنها وجدت هشاشة عربية، ونجح بلفور لأنه جاء في لحظة غياب قوة فلسطينية وعربية قادرة على فرض نفسها. وما تزال مخططات اليوم تجد طريقها لأن الدولة العربية ضعيفة، والمجتمع منقسم، والنخب مأخوذة بمصالحها، والقانون مطوع للسلطة، والذاكرة مثقلة بالشعارات أكثر من المؤسسات.

لذلك فإن قراءة سايكس بيكو لا ينبغي أن تتحول إلى مرثية طويلة، بل إلى نقد مزدوج: نقد للاستعمار الذي جزأ، ونقد للذات التي لم تبن قوة تمنع التجزئة من التحول إلى مصير. فليس المطلوب أن نبكي السلطنة العثمانية كما لو كانت فردوسا ضائعا، ولا أن نمجد الثورة العربية كما لو كانت خلاصا محققا، بل أن نفهم مأساة الانتقال: كيف سقط فضاء سياسي قديم قبل أن يولد فضاء عربي حديث؟

في هذا المعنى، تكون فلسطين مرآة المشرق كله. فما حدث لها كان أكثر كثافة مما حدث لغيرها، لكنه ليس منفصلا عنه. هي المكان الذي تجمعت فيه خرائط سايكس بيكو، ووعد بلفور، والانتداب، والاستيطان، وفشل النظام العربي، وتواطؤ القوى الكبرى، وعجز القانون الدولي عن حماية الحق حين يصطدم بالقوة. والفلسطيني لم يفقد وطنه لأنه عجز عن التعدد أو الحداثة، بل لأن قوة استعمارية أعادت تعريف وطنه دون رضاه، ثم حمت مشروعا استيطانيا حول الحق الأصلي إلى عبء تفاوضي.

مواجهة سايكس بيكو الجديدة لا تكون بالشعارات وحدها، بل بإغلاق الشروط التي تمنحها الحياة: بناء دولة مواطنة لا دولة غلبة، جيش وطني لا جيوش متنافسة، قانون لا مزاج حاكم، عدالة انتقالية لا انتقام، ومجتمع مدني قادر على ملء الفراغ بين الدولة والناس. فحين تفشل الدولة في حماية مواطنيها، يأتي الخارج باسم الحماية. وحين تفشل النخب في إنتاج تسوية وطنية، يأتي المبعوث الدولي بخريطة طريق. وحين ينهار العقد الاجتماعي، تعود سايكس بيكو لا بوصفها اتفاقا قديما، بل بوصفها قدرا يوميا يصنعه العجز الداخلي بقدر ما تصنعه الأطماع الخارجية.

من سايكس بيكو إلى بلفور، ومن الانتداب إلى الشرق الأوسط الجديد، يتكرر الدرس القاسي: الجغرافيا التي لا تحرسها قوة تتحول إلى غنيمة، والحق الذي لا تسنده مؤسسة يتحول إلى عاطفة، والذاكرة التي لا تنتج مشروعا تتحول إلى بكاء. الرد الحقيقي على سايكس بيكو ليس تمزيق الخرائط بالكلمات، بل بناء دولة عادلة لا تخاف مواطنيها. والرد الحقيقي على بلفور ليس استعادة اللعنة فقط، بل استعادة فلسطين كقضية حق وسيادة وعدالة. هكذا فقط يمكن أن تتحول الذكرى من طقس حزن إلى بداية وعي، ويمكن أن يتحول الألم إلى مشروع، والذاكرة إلى سياسة، وفلسطين من جرح مفتوح إلى معيار أخلاقي لتحرير المنطقة من قرن كامل من الخديعة.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:15 صباحًا - بتوقيت القدس

مشاريع مياه الشرب تتوقف...قطاع غزة مُهدد بالعطش والنازحون يلجأون للبحر مُجددًا

خاص ب "القدس" - صلاح سكيك- تعصف أزمة جديدة بقطاع غزة، تضاف إلى سلسلة الأزمات التي تضرب القطاع منذ أكتوبر 2023، حيث إن المنطقة الساحلية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، ستتحول إلى صحراء بلا مياه شرب خلال صيف 2026.

مؤخرًا، توقفت بعض مشاريع توزيع مياه الشرب على مخيمات النازحين في عدد من مناطق القطاع، والمشروع عبارة عن 30 شاحنة مياه وكل شاحنة تحمل 15 كوبًا، وهذه الكمية تغطي حوالي 300 مخيم يوميًا.

 ومع دخول فصل الصيف، فإن حاجة النازحين لمياه الشرب تتضاعف مقارنة بفصل الشتاء الذي كانت فيه أيضًا أزمة مياه الشرب، وحاليًا يتم الاعتماد على شاحنات المياه التي يرعاها بعض المبادرين ولا تلبي 10‎%‎ من الاحتياج اليومي للنازح، ما يعني أننا أمام كارثة جديدة تضاف إلى كوارث حرب الإبادة.


مياه البحر ليست حلًا


أم رامي، تقف أمام جالوناتها منتظرة قدوم شاحنة المياه والتي كانت تأتي يوميًا، وبسبب نقص المياه باتت تزور مخيمهم مرتان أسبوعيًا، ما يعني أنها ستضطر أن تخفض كمية استهلاك الماء في طهي الطعام، والاستحمام، وغسل الملابس.

وقالت أم رامي في حديث لصحيفة "ے": إنها ستلجأ إلى ما كانت تفعله قبل عام وهي تعبئة جالوناتها من مياه البحر، وهي مياه مالحة ولا تصلح للشرب أو الاستحمام والغسل؛ مستدركة "لكنني رغم ذلك مضطرة أن استخدم مياه البحر في الاستحمام وغسل الملابس والأواني".

وأوضحت أن أبنائها الثلاثة يسيرون مسافة طويلة حتى الوصول إلى شاطئ البحر وهذه العملية تتكرر يوميًا خمس أو ست مرات، داعية دول العالم للتخفيف من حجم الكوارث الإنسانية في قطاع غزة، وأول وأهم هذه الكوارث أزمة المياه.


المياه والمجاعة الثالثة


بدوره، قال حسام حمدان، وهو مزارع نازح في منطقة المواصي: إن أزمة المياه التي تعصف بقطاع غزة ستؤثر على ري الخضروات والفواكه، ما يعني أن أزمة المياه، ستولد أزمة طعام حيث يعتمد الغزيون في طعامهم على الخضروات نظرًا لغلاء بقية الأطعمة وشح الكثير منها.

وأشار حمدان في حديث مع "ے" إلى أن الخضروات بحاجة دائمة للري، ونظرًا لشدة الحرارة في قطاع غزة هذا العام وعدم توفر المياه الكافية، فإن الكثير من المحاصيل ستهلك وستتحول بيئة القطاع إلى بيئة "متصحرة"، دون أي تدخل دولي لحماية السكان أو البيئة، محذرًا من حدوث مجاعة ثالثة بسبب هذا الواقع.


لا نريد أن يتحكم بنا مستوطن حقير


أما محمود الغندور، أكد أنه بسبب أزمة المياه فإن دول الجوار مطالبين إما الضغط على إسرائيل لحل مشكلة المياه وتحديدًا مياه "الماكروت"، أو مد أنابيب المياه إلى القطاع، مضيفًا: "نحن لا نريد بترولًا ولا غازًا.. نريد أن نشرب مياه يا عرب، دون أن يتحكم بنا مستوطن حقير يغلق صنبور المياه كلما أراد".

وأضاف الغندور لصحيفة "ے" أن إسرائيل تريد إبقاء هذه الوضعية في قطاع غزة، واختلاق الأزمات بعد الإبادة والمجاعة، حتى يبدأ الغزيون بالتفكير بالهجرة لدول الخارج، وهذا ما قاله وزير المالية المستوطن بتسئيل سموتريتش قبل أيام.

ودعا في نهاية حديثه المنظمات الدولية العاملة في قطاع غزة، لاستمرار تنفيذ مشاريع مياه الشرب، وعلى رأس هذه المنظمات برنامج الأمن المتحدة الإنمائي "UNDP" والتي تعنى بتوفير مياه الصالحة للشرب للسكان، منذ بداية حرب الإبادة.

ووفق تقرير نشرته الأمم المتحدة، فإن نحو 75% من النازحين في قطاع غزة يعتمدون على المياه التي يتم نقلها عبر الشاحنات، في ظل تدهور حاد للبنية التحتية واستمرار الأزمة الإنسانية الناتجة عن الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.

وأشارت الأمم المتحدة إلى أنه بعد أكثر من عامين ونصف على اندلاع حرب الإبادة، لم تعد الخيام المنتشرة في أرجاء القطاع مجرد ملاجئ مؤقتة للنازحين، بل تحولت إلى واقع يومي قاسٍ يختزل معاناة مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين فقدوا بيوتهم وأمانهم وكل تفاصيل حياتهم السابقة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:14 صباحًا - بتوقيت القدس

لبنان على صفيح ساخن...تصعيد متواصل وحسابات تتجاوز الميدان

خليل شاهين: الطروحات المتداولة بشأن مبادرة أمريكية لوقف التصعيد لا تبدو سوى تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة من العمليات العسكرية

محمد جودة: من المرجح استمرار التصعيد ضمن حدود معينة بحيث تتواصل العمليات العسكرية والضغوط المتبادلة دون مواجهة شاملة

نعمان توفيق العابد: التصعيد في لبنان يندرج ضمن مخططات استراتيجية وأمنية تسعى حكومة الاحتلال لتحقيقها في إطار رؤيتها الأوسع للمنطقة

عدنان الصباح: ما يجري جنوب الليطاني يهدف إلى إفراغ المنطقة من سكانها وتحويلها إلى منطقة استراتيجية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية

سليمان بشارات: أهداف التصعيد تتجاوز سلاح حزب الله أو إنشاء منطقة عازلة وتتعلق بمستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب اللبناني

نهاد أبو غوش: أي توسع للعدوان سيحمل تحديات عسكرية وسياسية كبيرة لإسرائيل وتعزيز موقف حزب الله وإحراج الحكومة اللبنانية



رام الله- خاص بـ"القدس"-

يتجه المشهد في لبنان نحو مزيد من التصعيد، في ظل مؤشرات على أن التحركات العسكرية الجارية لا تنفصل عن مساعٍ لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض واقع أمني جديد على الأرض، مع استمرار العمليات واتساع نطاقها بشكل تدريجي، بما ينسجم مع أطماع وأهداف أيدلوجية إسرائيلية في الإقليم.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذه التطورات واتساع التصعيد الإسرائيلي على لبنان يتقاطع مع حسابات سياسية وإقليمية أوسع، حيث ترتبط الجبهة اللبنانية بملفات تفاوضية حساسة مع إيران وتوازنات دولية معقدة، ما يجعلها جزءاً من مشهد إقليمي غير مستقر وقابل للتغير.

ويشيرون إلى أن المرحلة المقبلة تبقى مفتوحة على احتمال استمرار التصعيد أو احتوائه عبر تسويات سياسية ودبلوماسية، في ظل هشاشة ميدانية تجعل مسار الأحداث رهناً بتطورات متسارعة على أكثر من مستوى.




تكريس واقع أمني جديد


يحذر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين من أن التطورات الميدانية المتسارعة في لبنان تشير إلى اتجاه إسرائيلي نحو توسيع نطاق العمليات العسكرية وتكريس واقع أمني جديد يتجاوز فكرة المناطق العازلة التقليدية، في ظل تعثر الجهود السياسية واستمرار حالة الاستنزاف المتبادل بين جيش الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله.

ويوضح شاهين أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة في جنوب لبنان، رغم اتساعها وتعمقها، لم تحقق الأهداف التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها توفير الأمن للمستوطنات الشمالية وإعادة الاستقرار إليها.


حالة استنزاف متبادلة


ويرى شاهين أن نمط المواجهة القائم حالياً يعكس حالة استنزاف متبادلة يصعب على إسرائيل تحمل تبعاتها على المدى الطويل، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الداخلية الموجهة إلى حكومة بنيامين نتنياهو والجيش الإسرائيلي بسبب العجز عن إيجاد حلول حاسمة للتحديات الميدانية المتصاعدة.

ويشير شاهين إلى أن حزب الله نجح في تطوير أساليب المواجهة من خلال تغيير تكتيكاته القتالية والانتقال من الوحدات الثابتة إلى أسلوب حرب المجموعات القائم على حرب العصابات، إلى جانب استخدام وسائل قتالية جديدة، الأمر الذي حدّ من قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق إنجازات ميدانية حاسمة.

ويشير شاهين إلى أن توسيع حزب الله لدائرة الاستهداف لتشمل مناطق مثل صفد وعكا وكرميئيل وطبريا أدى إلى عودة مظاهر النزوح في بعض المستوطنات الشمالية، وهو ما يمثل تحدياً إضافياً للحكومة الإسرائيلية.


إسرائيل أمام خيارات محدودة


ويرى شاهين أن إسرائيل تجد نفسها أمام خيارات محدودة، إذ لا تستطيع التراجع أو القبول بوقف إطلاق النار في الظروف الحالية خشية اعتبار ذلك فشلاً جديداً يضاف إلى إخفاقاتها في مواجهة إيران، وإلى عجزها عن تحقيق أهدافها المعلنة في قطاع غزة بعد سنوات من الحرب.

ولذلك يرجح شاهين أن تتجه حكومة نتنياهو نحو المزيد من التصعيد والسعي للحصول على دعم أمريكي لتوسيع العمليات العسكرية، بما في ذلك تكثيف الاستهدافات في الضاحية الجنوبية لبيروت وتنفيذ عمليات نوعية واغتيالات جديدة.


تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة


ويعتبر شاهين أن الطروحات المتداولة بشأن مبادرة أمريكية لوقف التصعيد لا تبدو سوى تمهيد سياسي لمرحلة أكثر حدة من العمليات العسكرية، خاصة أنها تقوم على اشتراط وقف كامل لأنشطة حزب الله مقابل امتناع إسرائيل عن استهداف بيروت والضاحية الجنوبية.

ويؤكد أن ما يجري حالياً يعكس تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يقوم على إنشاء ما تسميه إسرائيل "مناطق دفاع" بدلاً من المناطق العازلة التقليدية.

ووفق شاهين، تقوم هذه الاستراتيجية على تدمير البنية العمرانية ومظاهر الحياة في المناطق المستهدفة، وإقامة قواعد ومنشآت عسكرية دائمة تضمن بقاء الجيش الإسرائيلي لفترات طويلة، كما يحدث في أجزاء من قطاع غزة وبعض المناطق الحدودية في جنوب لبنان.

ويوضح شاهين أن المخططات الإسرائيلية قد تتطور نحو فرض السيطرة الكاملة على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، ثم التوسع شمالاً باتجاه الزهراني والأولي وإقليم التفاح، وصولاً إلى فرض ضغوط مباشرة على العاصمة بيروت عبر حصار بري وبحري دون الحاجة إلى احتلالها أو تدميرها بشكل مباشر.

ويعتقد شاهين أن التصعيد سيبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً ما لم يتم التوصل إلى تفاهم أمريكي ـ إيراني شامل يتضمن وقفاً لإطلاق النار في لبنان.


أي اتفاق محتمل لن ينهي الأزمة بصورة كاملة


ومع ذلك، فإن شاهين يوضح أي اتفاق محتمل لن ينهي الأزمة بصورة كاملة، إذ يتوقع أن تحتفظ إسرائيل بالمناطق التي عززت وجودها العسكري فيها، وأن تستخدمها كورقة ضغط خلال أي مفاوضات مستقبلية مع الدولة اللبنانية، سعياً لفرض أجندة أمنية تتصدرها قضية نزع سلاح حزب الله، على غرار الشروط التي تطرحها في مفاوضاتها المتعلقة بقطاع غزة.


مسار متواصل من التصعيد في المنطقة


يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن التطورات الجارية على الجبهة اللبنانية تندرج ضمن مسار متواصل من التوتر والتصعيد الذي تشهده المنطقة منذ فترة، في ظل سعي إسرائيل إلى تعزيز مواقعها الميدانية وتحقيق أهداف أمنية وعسكرية تعتبرها ضرورية، مقابل اعتبار الجانب اللبناني هذه التحركات اعتداءً على السيادة اللبنانية ومحاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة.

ويوضح جودة أن المشهد الحالي لا يقتصر على الجانب العسكري المباشر، بل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية أوسع ترتبط بموازين القوى وقواعد الاشتباك السائدة بين الأطراف المختلفة.


تحسين المواقع التفاوضية وتعزيز أوراق القوة


ويشير جودة إلى أن التحركات الميدانية الجارية يمكن فهمها أيضاً في إطار محاولات متبادلة لتحسين المواقع التفاوضية وتعزيز أوراق القوة استعداداً لأي تفاهمات أو ترتيبات سياسية وأمنية محتملة خلال المرحلة المقبلة.

ويلفت جودة إلى أنه من المبكر تحديد ما إذا كانت التحركات الإسرائيلية الحالية تعكس استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إحداث تغييرات دائمة على الأرض، أم أنها ترتبط بظروف ميدانية وسياسية مؤقتة فرضتها التطورات الأخيرة، إلا أنها تعكس بصورة واضحة استمرار هشاشة الوضع الأمني على الحدود اللبنانية وإمكانية تجدد التوتر في أي وقت.


استمرار التصعيد ضمن حدود معينة


وحول السيناريوهات المتوقعة، يوضح جودة أن المعطيات الحالية ترجح استمرار التصعيد ضمن حدود معينة، بحيث تتواصل العمليات العسكرية والضغوط المتبادلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة أو حرب واسعة النطاق، وهو السيناريو الذي يبدو الأقرب في المدى المنظور.

ويلفت جودة إلى وجود احتمال آخر يتمثل في نجاح الجهود الدبلوماسية والوساطات الدولية في احتواء التوتر القائم والتوصل إلى تفاهمات أو ترتيبات أمنية من شأنها خفض مستوى التصعيد وإعادة قدر من الاستقرار النسبي إلى المناطق الحدودية.

ولم يستبعد جودة احتمال حدوث تصعيد أوسع إذا طرأت تطورات ميدانية أو سياسية من شأنها تغيير حسابات الأطراف المعنية، لكنه يؤكد أن المؤشرات المتوافرة حتى الآن تدل على إدراك مختلف الأطراف لحجم الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي قد تنجم عن أي مواجهة واسعة.

ويعتقد جودة أن المرحلة المقبلة ستظل مفتوحة على عدة احتمالات، وأن مسار الأحداث سيتحدد بدرجة كبيرة وفق التطورات الميدانية ومدى نجاح المساعي السياسية والدبلوماسية الرامية إلى منع انزلاق الأوضاع نحو مستويات أعلى من التصعيد.


أبعاد إسرائيلية استراتيجية وأمنية


يرى الكاتب والباحث السياسي والمختص بالعلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل في لبنان لا يمثل رد فعل ظرفياً على التطورات الميدانية، بل يندرج ضمن مخططات معدة مسبقاً تستند إلى أبعاد استراتيجية وأمنية تسعى حكومة الاحتلال إلى تحقيقها في إطار رؤيتها الأوسع للمنطقة.

ويوضح العابد أن البعد الاستراتيجي يتمثل في الأفكار التي تروج لها حكومة اليمين الإسرائيلي بشأن إعادة تشكيل خرائط الشرق الأوسط وتوسيع رقعة النفوذ والاحتلال، فيما يرتبط البعد الأمني باعتقاد المؤسسة الإسرائيلية أن الحلول العسكرية وإنشاء المناطق العازلة والتوغل داخل الأراضي اللبنانية والفلسطينية يمكن أن توفر حماية طويلة الأمد للمستوطنات الإسرائيلية، وخاصة في المناطق الشمالية.


جزء من مسار المفاوضات الإيرانية الأمريكية



ويشير العابد إلى أن التطورات على الجبهة اللبنانية لا يمكن فصلها عن مسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، لافتاً إلى أن إسرائيل تنظر بقلق إلى إمكانية التوصل إلى تفاهمات إقليمية قد تفرض تهدئة على جبهات المواجهة المختلفة.

ويرى العابد أن أحد أهداف التصعيد الحالي يتمثل في محاولة التأثير على هذه المفاوضات أو تعطيلها، إلى جانب السعي لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب العسكرية وضرب البنية التحتية العسكرية لحزب الله قبل الوصول إلى أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار.

ويلفت العابد إلى أن المشهد الداخلي الإسرائيلي يشكل عاملاً مؤثراً في مسار التصعيد، سواء من خلال الحسابات المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية، أو من خلال الضغوط السياسية والقضائية التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ما يدفع الحكومة إلى التركيز على تحقيق إنجازات ميدانية يمكن استثمارها داخلياً.

ويعتقد العابد أن إسرائيل باتت تتعامل مع المفاوضات القائمة مع الجانب اللبناني من موقع القوة، وتسعى إلى فرض شروطها وانتزاع تنازلات عبر الضغط العسكري المباشر، معتبراً أن هذا النهج يعكس حالة من التغول ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض قبل الانتقال إلى طاولة التفاوض.

ويرى العابد أن نجاح المفاوضات الأمريكية الإيرانية قد يفضي إلى تهدئة نسبية على الجبهة اللبنانية، لكنه لا يضمن وقفاً شاملاً ومستداماً لإطلاق النار، خصوصاً في ظل استمرار إسرائيل في فرض وقائع ميدانية جديدة.

أما في حال فشل تلك المفاوضات أو استبعاد الملف اللبناني من أي تفاهمات إقليمية، فإن العابد يرى أن احتمالات التصعيد العسكري ستبقى قائمة، وقد تمتد إلى توغلات أوسع داخل الأراضي اللبنانية وربما الوصول إلى المدن الرئيسية والعاصمة بيروت بهدف استهداف البنية التحتية لحزب الله وقياداته.

ويعتبر العابد أن فرص نجاح المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تبقى محدودة، وأن إسرائيل ستسعى في مختلف السيناريوهات إلى استثمار تفوقها العسكري والدعم الأمريكي لفرض رؤيتها وشروطها السياسية والأمنية، ما يجعل مستقبل المشهد اللبناني مفتوحاً على احتمالات تتراوح بين السيئ والأسوأ.


مشروع استراتيجي مرتبط بالعقيدة الصهيونية


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن ما تتعرض له دولة لبنان من اعتداءات إسرائيلية متواصلة لا يمكن فصله عن مشروع استراتيجي قديم يرتبط بالعقيدة الصهيونية القائمة على البحث عن حدود وحواجز طبيعية توفر الحماية لدولة الاحتلال وتمنحها عمقاً جغرافياً وأمنياً، مؤكداً أن التطورات الجارية في جنوب لبنان تتجاوز إطار الردود العسكرية أو تداعيات السابع من أكتوبر 2023، لتندرج ضمن رؤية تاريخية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة.

ويوضح الصباح أن الفكر الصهيوني نظر منذ بداياته إلى عناصر طبيعية مثل نهر الأردن ونهر الليطاني وجبل الشيخ وهضبة الجولان وصحراء سيناء باعتبارها حواجز استراتيجية يمكن أن تؤمن حدوداً طبيعية لدولة الاحتلال. ويشير الصباح إلى أن مشروع السيطرة على المنطقة الممتدة بين قمة جبل الشيخ ومصبي الليطاني والزهراني ليس مشروعاً مستجداً، بل يعود إلى ما قبل قيام إسرائيل، مشيراً إلى أن الحركة الصهيونية سعت خلال فترة الانتدابين البريطاني والفرنسي إلى ضم هذه المنطقة إلى نطاق النفوذ البريطاني تمهيداً لإلحاقها بالدولة التي كانت تخطط لإقامتها، إلا أن ذلك قوبل بالرفض من الجانب الفرنسي آنذاك.

ويرى الصباح أن الإصرار الإسرائيلي على البقاء في مناطق جنوب لبنان يعكس أهدافاً تتجاوز نهر الليطاني، معتبراً أن التحركات الميدانية تشير إلى محاولة دفع حدود السيطرة والنفوذ باتجاه مناطق أبعد شمالاً.

ووفق الصباح، فإن وجود أي قوى مقاومة على حدود إسرائيل يمثل تهديداً استراتيجياً بالنسبة لها، خاصة بعد تجربة السابع من أكتوبر 2023، التي أظهرت محدودية الوسائل الأمنية التقليدية في منع الهجمات.


إفراغ جنوب الليطاني من السكان


ويعتقد الصباح أن ما يجري جنوب الليطاني يهدف إلى إفراغ المنطقة من سكانها وإلغاء الوجود البشري فيها، بما يؤدي إلى تحويلها إلى منطقة استراتيجية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، مع إقامة مناطق عازلة تمتد تدريجياً نحو الشمال.

ويشير الصباح إلى أن الانشغال الدولي بملفات إقليمية، وفي مقدمتها المفاوضات المرتبطة بإيران والملف النووي والتوترات في الخليج، يوفر هامش حركة أوسع لإسرائيل لتكثيف عملياتها في لبنان وقطاع غزة.

ويحذر الصباح من أن استمرار غياب الضغوط الدولية الفاعلة، إلى جانب الانقسامات الداخلية في عدد من دول المنطقة، يمنح الاحتلال فرصة أكبر لتحقيق أهدافه.

ويؤكد الصباح أن التحدي الأبرز الذي تواجهه المنطقة لا يقتصر على الاحتلال الإسرائيلي أو السياسات الأمريكية، بل يتمثل أيضاً في حالة الانقسام السياسي والجغرافي التي تعاني منها عدة ساحات عربية وإقليمية، ما يضعف القدرة على مواجهة تلك المخططات.


إسرائيل لم تتوقف عن العدوان على لبنان


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن قراءة التطورات الجارية على الساحة اللبنانية تستدعي الانطلاق من حقيقة أساسية تتمثل في أن إسرائيل لم توقف عملياتها العسكرية في لبنان رغم الإعلان عن هدنة برعاية أمريكية وفتح مسار تفاوضي مع الدولة اللبنانية، بل واصلت عملياتها الميدانية وعملت على تكريس واقع جديد في الجنوب اللبناني.

ويوضح بشارات أن إسرائيل أبقت على وجودها العسكري وواصلت عمليات التدمير الواسعة للمنازل والبنية الجغرافية في مناطق الجنوب، إلى جانب منع سكان عشرات القرى الحدودية من العودة إلى منازلهم، الأمر الذي أدى إلى استمرار حالة النزوح القسري.

ويوضح بشارات أن حزب الله حرص على الإبقاء على مستوى من المواجهة يمنع ترسيخ صورة الضعف ويحافظ على قدر من معادلة الردع في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.

ويشير بشارات إلى أن إسرائيل حاولت من خلال الجمع بين استمرار العمليات العسكرية والانخراط في المسار التفاوضي تحقيق هدفين رئيسيين؛ الأول فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات والاتصالات الإقليمية المتعلقة بالعلاقة بين إيران والولايات المتحدة، والثاني إضفاء شرعية على وجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانية وتحويله إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه مستقبلاً حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية أو أمنية.


إعادة إنتاج نموذج الوجود العسكري


ويوضح بشارات أن التصعيد الأخير يحمل عدة دلالات سياسية واستراتيجية، أبرزها أن إسرائيل باتت تتعامل مع لبنان كملف مستقل تسعى من خلاله إلى إعادة إنتاج نموذج الوجود العسكري الذي كان قائماً في جنوب لبنان قبل انسحابها عام 2000، بما يضمن استمرار حضورها الميداني داخل الأراضي اللبنانية لفترات طويلة.


الملف اللبناني كورقة ضغط


ويشير بشارات إلى أن هناك تنسيقاً أمريكياً إسرائيلياً يهدف إلى استخدام الملف اللبناني كورقة ضغط إضافية في مواجهة إيران وفي سياق المفاوضات الجارية معها، بما يسمح بتوظيف التطورات اللبنانية ضمن معادلات إقليمية أوسع.

ويشير بشارات إلى أن التصعيد يرتبط بالحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، في ظل الجدل المتصاعد حول الانتخابات المقبلة ومحاولات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعزيز موقعه السياسي من خلال استمرار خيار الحرب والتصعيد.

ويلفت بشارات إلى وجود توجه إسرائيلي أمريكي لحصر الملف اللبناني في إطار تفاوضي ثنائي بين لبنان وإسرائيل، وإبعاده عن التأثيرات الإقليمية والدولية التي لعبت فيها أطراف عربية وأوروبية أدواراً مهمة خلال السنوات الماضية.


مسار التصعيد المدروس والمتدرج


ويرجح بشارات أن يبقى مسار التصعيد المدروس والمتدرج هو الاحتمال الأقرب، مع سعي إسرائيل لتحقيق أهداف أمنية وسياسية وعسكرية تحت غطاء ودعم أمريكي.

ويشير بشارات إلى أن هذا التصعيد قد يهدف أيضاً إلى استفزاز إيران ودفعها للانخراط بصورة أكبر في المواجهة بما يسمح بتحميلها مسؤولية التوتر المتصاعد.

ويلفت بشارات إلى وجود سيناريو آخر يقوم على احتواء التصعيد وإعادة تفعيل المسار السياسي والتفاوضي بعد تحقيق بعض الأهداف المرحلية، إلا أنه يعتبر هذا الاحتمال أقل ترجيحاً في الوقت الراهن.

ويؤكد بشارات أن الأهداف الإسرائيلية المطروحة تتجاوز مسألة سلاح حزب الله أو إنشاء منطقة عازلة، وتمتد إلى ترتيبات استراتيجية أعمق تتعلق بمستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان.


العجز عن تحويل الإنجازات العسكرية لمكاسب سياسية


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش أن إسرائيل، رغم امتلاكها تفوقاً عسكرياً كبيراً ودعماً أمريكياً مفتوحاً، تواجه مأزقاً حقيقياً يتمثل في عجزها عن تحويل إنجازاتها العسكرية إلى مكاسب سياسية حاسمة على مختلف الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، مشيراً إلى أن مسار التصعيد الحالي في لبنان يرتبط بحسابات إسرائيلية وأمريكية متشابكة تتجاوز حدود الميدان اللبناني.

ويوضح أبو غوش أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان لم تتوقف فعلياً رغم الإعلان عن هدنة برعاية أمريكية وفتح قنوات تفاوض مع الدولة اللبنانية، بل استمرت من خلال عمليات التدمير الواسعة والتهجير القسري في مناطق جنوب الليطاني، مع إبقاء عشرات القرى الجنوبية خارج نطاق العودة لسكانها. ويرى أبو غوش أن إسرائيل سعت من خلال ذلك إلى فرض وقائع ميدانية جديدة وترسيخ وجود طويل الأمد في الجنوب اللبناني، مع استمرار اعتمادها على الضوء الأخضر الأمريكي الذي يحدد سقوف التحرك الإسرائيلي واتجاهاته.


حزب الله يفاجئ إسرائيل


ويشير أبو غوش إلى أن إسرائيل فوجئت بعودة حزب الله إلى المواجهة بعد فترة طويلة من ضبط النفس، وبنجاحه في إعادة تنظيم قدراته واستعادة جزء من جاهزيته العسكرية، إضافة إلى استخدام وسائل قتالية جديدة، أبرزها المسيّرات الصغيرة العاملة بالألياف الضوئية، والتي شكلت تحدياً أمنياً وتقنياً للجيش الإسرائيلي.

ويلفت أبو غوش إلى أن تل أبيب تنظر بقلق إلى قدرة حزب الله على التأثير في المشهد السياسي اللبناني وإعاقة أي ترتيبات أو مفاوضات تسعى الحكومة اللبنانية إلى المضي بها بدعم أمريكي وإقليمي.

ويشير أبو غوش إلى أن العدوان الإسرائيلي يترافق مع محاولات لعزل حزب الله سياسياً وشعبياً عبر استهداف بيئته الحاضنة ومؤسساته الاقتصادية والخدمية والتعليمية، إلا أن هذه السياسة لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن، بل أسهمت في بروز مواقف وقوى لبنانية جديدة ترفض الضغوط الإسرائيلية وتدعو إلى التمسك بخيار المقاومة.


انقسام إسرائيلي متزايد


ويوضح أبو غوش أن الساحة الإسرائيلية تشهد انقساماً متزايداً بين أصوات تدعو إلى مواصلة التصعيد والحسم العسكري، وأخرى تحذر من الانزلاق مجدداً إلى "المستنقع اللبناني" وتكرار تجربة الاحتلال السابقة التي استمرت حتى عام 2000، كما تتصاعد الانتقادات الموجهة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يُتهم بتوظيف الحرب لتحقيق مكاسب سياسية داخلية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

ويتوقع أبو غوش أن أي توسع إضافي للعدوان على لبنان سيحمل تحديات عسكرية وسياسية كبيرة لإسرائيل، إذ سيؤدي إلى استنزاف أكبر للقوات الإسرائيلية، وزيادة الحاجة إلى التحصينات والموارد العسكرية، فضلاً عن تعزيز موقف حزب الله وإحراج الحكومة اللبنانية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.


التصعيد وارتباطه بالتفاهمات الأمريكية الإيرانية


ويعتقد أبو غوش أن مستقبل التصعيد يبقى مرتبطاً أيضاً بمسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية، مشيراً إلى أن طهران لا تزال تتمسك بربط أي اتفاق تهدئة أو وقف إطلاق نار شامل بالوضع في لبنان، الأمر الذي يجعل الجبهة اللبنانية جزءاً أساسياً من التوازنات الإقليمية الجارية ويصعب فصلها عن المسارات السياسية الأوسع في المنطقة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:13 صباحًا - بتوقيت القدس

انتخابات الكنيست المقبلة

أنهت الأحزاب العربية الفلسطينية الثلاثة مفاوضاتها، وتم التوصل إلى اتفاق فيما بينها لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، انتخابات الكنيست الاسرائيلي، بقائمة واحدة، إن لم يتمكنوا من التوصل إلى اتفاق مع الحزب الرابع "القائمة الموحدة" برئاسة منصور عباس، لخوض الانتخابات ضمن "القائمة المشتركة".

الأحزاب الثلاثة: 1- الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة برئاسة يوسف جبارين، 2- الحركة العربية للتغيير برئاسة احمد الطيبي، 3- التجمع الوطني الديمقراطي برئاسة سامي أبو شحادة، وعبر هذا التحالف يمكنهم تحقيق النجاح المضمون للأحزاب الثلاثة، بعد أن خاضوا الانتخابات السابقة الخامسة والعشرين التي جرت في الأول من شهر تشرين الثاني نوفمبر 2022، بقائمتين منفصلتين واحدة للجبهة الديمقراطية مع الحركة العربية للتغيير وحصلت على خمسة مقاعد، بينما أخفق التجمع الوطني الديمقراطي من تجاوز نسبة الحسم وخسر موقعه في الكنيست، وذهبت أصواته الانتخابية وخسر المقاعد الاربعة لصالح حزب الليكود الأكبر عدداً، وفق قوانين الانتخابات الإسرائيلية.

في الانتخابات السابقة حصلت الجبهة الديمقراطية مع العربية للتغيير على 193 ألف صوت، وعلى خمسة مقاعد، بينما فقد التجمع الأصوات التي حصل عليها وهي 138 ألف صوت، ولو خاضوا الانتخابات بقائمة موحدة بين الأحزاب الثلاثة لحصلت على ثمانية مقاعد على الاقل.

القائمة الثالثة العربية الفلسطينية التي خاضت انتخابات الكنيست السابقة، هي "القائمة الموحدة" و حصلت على 178 ألف صوت، وخمسة مقاعد وبذلك حصلت الأحزاب العربية الفلسطينية على عشرة مقاعد فقط، بينما في الانتخابات التي سبقتها حينما شكلت قائمة موحدة من الأحزاب الأربعة فقد حصلت على 15 مقعداً، مما يدلل على أهمية التحالف والوحدة والعمل المشترك بين الأحزاب الأربعة، بل ثمة مشاركة يمكن أن تتم بتوسيع حجم الائتلاف والتحالف لضم الحزب الديمقراطي العربي برئاسة النائب السابق المحامي طلب الصانع وبعض الشخصيات الوطنية البارزة مثل علي بشير رئيس بلدية سخنين السابق، أو مازن غنايم رئيس بلدية سخنين الحالي، رئيس لجنة رؤساء المجالس المحلية العربية، وغيرهم من الشخصيات الأكاديمية، أو رؤساء البلديات، أو الشخصيات العامة.

حسمت الأحزاب الثلاثة موقفها وقرارها، وباقي التوصل إلى ائتلاف مع "القائمة الموحدة" ليكونوا معاً في قائمة مشتركة، وثمة خلافات بينهم، على الأرجح سيتوصلوا إلى تجاوزها وهي:

1- تشكيل القائمة المشتركة ووضع الأسماء حسب الأولويات وخاصة من يكون رئيس القائمة، وثمة اقتراح لتبادل الموقع بالتناوب بين يوسف جبارين رئيس كتلة الجبهة الديمقراطية مع منصور عباس رئيس كتلة "القائمة الموحدة" لمدة سنتين لكل منهما.

2- أن يبقى التحالف مقتصراً على الانتخابات، ويعطي المجال لحرية الاختيار في التعامل السياسي لكل حزب بعد الانتخابات، حيث ترى القائمة الموحدة ضرورة التحالف مع الأحزاب الصهيونية المشاركة في الحكومة، من أجل تحقيق مكاسب مختلفة لصالح الأوضاع المعيشية والمالية والوظائفية للمجتمع العربي الفلسطسني في إدارات المؤسسات المدنية الإسرائيلية، وهو توجه هام إضافة إلى أنه يُحقق مكاسب عملية للمجتمع العربي الفلسطيني أبناء مناطق 48، أبناء الكرمل والجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، فهو يكسر حلقة الفهم الصهيوني على أن "الدولة" هي "دولة يهودية" حيث يشغل الفلسطينيون حوالي 20 بالمائة من عدد السكان، وبذلك يحققوا مفهوم الشراكة، وإنهاء واقع وفلسفة "يهودية الدولة" بالتدرج.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

الشبكات الاجتماعية الرقمية.. الأرضية الخصبة لجريمة مستحدثة

في عصرٍ باتت فيه الهواتف الذكية امتداداً لأيدي البشر، وتحولت فيه الشبكات الاجتماعية الرقمية إلى جزءٍ أصيلٍ من تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد العالم كما كان من قبل. فهذه المنصات التي جاءت لتختصر المسافات، وتُسهّل التواصل، وتنقل الأخبار والمعرفة بسرعة الضوء، حملت معها وجهاً آخر أكثر ظلمةً وخطورة؛ وجهاً جديداً للجريمة لم يكن معروفاً في الأزمنة السابقة، إنها الجريمة الإلكترونية التي ولدت من رحم التطور الرقمي، وترعرعت في بيئة افتراضية مفتوحة بلا حدود.

لقد أحدثت الشبكات الاجتماعية الرقمية ثورةً هائلة في الإعلام والاتصال، حتى أصبحت منابر للرأي، وساحات للنقاش، ووسائل للتأثير والتوجيه، غير أن هذا الاتساع الكبير في الاستخدام ترافق مع ظهور ممارسات خطيرة استغلها ضعاف النفوس والمحتالون والمجرمون الإلكترونيون، الذين وجدوا في جهل بعض المستخدمين بالتقنيات الرقمية ثغرةً ينفذون منها لارتكاب جرائمهم المتنوعة؛ من سرقة البيانات الشخصية، والابتزاز الإلكتروني، والاحتيال المالي، إلى اختراق الحسابات، ونشر الشائعات، وتدمير السمعة الاجتماعية والنفسية للأفراد.

إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في سوء استخدامها، وفي غياب الوعي الرقمي لدى قطاع واسع من المستخدمين الذين يمنحون معلوماتهم الشخصية طواعية، أو يقعون ضحيةً لأساليب احتيالية متطورة تُدار باحترافية عالية. فكثيرون يضغطون على روابط مجهولة، أو يشاركون بياناتهم الحساسة دون إدراك لحجم الخطر المحدق بهم، فيتحول الحساب الشخصي إلى بوابةٍ مفتوحةٍ للمجرمين الإلكترونيين الذين يتخفّون خلف أسماء وهمية وصور مزيفة وشعارات براقة.

ولأن الجريمة الإلكترونية باتت من أخطر الجرائم الحديثة وأكثرها انتشاراً وتعقيداً، فإن مواجهتها لم تعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل أصبحت مسؤوليةً جماعية تتشارك فيها المؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، والأسرة، والمجتمع بأكمله. فالمعركة اليوم ليست معركةً تقليدية، بل معركة وعيٍ ومعرفةٍ وأمنٍ رقمي.

إن وسائل الإعلام تتحمل دوراً وطنياً وأخلاقياً بالغ الأهمية في نشر الثقافة الرقمية، وتوعية المواطنين بخطورة الاستخدام العشوائي للشبكات الاجتماعية، وتعريفهم بآليات الحماية والأمان الرقمي. فالإعلام لم يعد مجرد ناقلٍ للخبر، بل أصبح خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل والاحتيال والجرائم الرقمية العابرة للحدود. ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإطلاق حملات توعوية مستمرة تُبسط المفاهيم التقنية للمواطن العادي، وتوضح له كيف يحمي بياناته، وكيف يميز بين الحقيقة والخداع، وبين الرابط الآمن والفخ الإلكتروني.

ومن أهم الخطوات التي يجب العمل عليها لمواجهة هذه الجريمة المستحدثة:

أولاً : بناء نظام تعليمي قائم على التوعية الرقمية

إن بناء جيلٍ واعٍ رقمياً يبدأ من المدرسة والجامعة، عبر إدخال مفاهيم الأمن الرقمي والثقافة الإلكترونية ضمن المناهج التعليمية، وتعليم الطلبة كيفية الاستخدام الآمن للإنترنت، وخطورة مشاركة المعلومات الشخصية، وطرق اكتشاف الاحتيال الرقمي. فالتعليم هو السلاح الأقوى في مواجهة الجريمة الإلكترونية، وهو الاستثمار الحقيقي لحماية المجتمعات مستقبلاً.

ثانياً : وضع ضوابط ومحددات للاستخدام الصحيح للشبكات الاجتماعية

فالحرية الرقمية لا تعني الفوضى، والانفتاح الإلكتروني لا يعني غياب المسؤولية. لذلك، لا بد من وجود تشريعات وقوانين رادعة تحمي المستخدمين، وتجرّم الابتزاز والاختراق والتشهير الإلكتروني، إلى جانب وضع سياسات واضحة تنظم استخدام هذه الشبكات، وتحفظ الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ثالثاً: نشر آليات مكافحة الجريمة الإلكترونية عبر وسائل الإعلام

من الضروري أن تتحول وسائل الإعلام التقليدية والرقمية إلى منصات تثقيفية تُعرّف المواطنين بوسائل الحماية، وتعرض قصصاً حقيقية عن ضحايا الجرائم الإلكترونية، وتسلط الضوء على الطرق الحديثة التي يستخدمها المحتالون، لأن المعرفة المسبقة بالخطر تُسهم في الوقاية منه.

إن العالم الرقمي، رغم ما يحمله من تطورٍ وإيجابيات، أصبح ساحةً مفتوحةً لحروبٍ جديدة لا تُستخدم فيها الأسلحة التقليدية، بل تُستخدم فيها البيانات والمعلومات والعقول. ولذلك، فإن المجتمعات التي لا تمتلك وعياً رقمياً كافياً ستبقى أكثر عرضةً للاستهداف والانهيار المعنوي والاقتصادي والاجتماعي.

لقد أصبحت حماية الإنسان في العصر الحديث لا تقتصر على حماية جسده وممتلكاته فقط، بل تمتد لحماية بياناته وخصوصيته وهويته الرقمية. ومن هنا، فإن بناء ثقافة رقمية واعية لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية ومجتمعية لحماية الأفراد والأوطان من جريمةٍ تتطور كل يوم، وتتخفى خلف شاشة صغيرة، لكنها قادرة على إحداث خسائر كبيرة وآثار مدمرة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن التكنولوجيا سلاحٌ ذو حدين؛ فمن أحسن استخدامها حصد المعرفة والتقدم، ومن أساء التعامل معها وقع فريسةً سهلةً في شباك الجريمة الإلكترونية. لذلك، فإن الوعي الرقمي لم يعد خياراً، بل أصبح خط الدفاع الأول في زمنٍ أصبحت فيه الشبكات الاجتماعية الرقمية الأرضيةَ الخصبةَ لجريمةٍ مستحدثة تتوسع كل يوم بصمتٍ مخيف.

* المتحدث  باسم الشرطة

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:11 صباحًا - بتوقيت القدس

"فتح" أمام امتحان التجدد لا نبوءة الانشقاق و"الثوري" في قلب المعادلة

ليست كل قراءة قلقة لمستقبل فتح عداءً لها، وليست كل مقالة متشائمة بلا أساس. في السياسة، الخطر لا يكمن في النقد، بل في تحويل النقد إلى نبوءة جاهزة، كأن الحركة التي صنعت جزءا كبيرا من التاريخ الوطني الفلسطيني لم تعد قادرة إلا على التراجع أو الانشقاق أو التحلل. وهذا تقدير متعجل، لأنه يقرأ مظاهر الأزمة، لكنه لا يقرأ عمق البنية الفتحاوية ولا قدرتها التاريخية على امتصاص الصدمات والعودة من حافة الانكسار.

انعقاد المؤتمر الثامن بحد ذاته ليس تفصيلًا إداريا. في زمن الحرب المفتوحة على الشعب الفلسطيني، وفي ظل الانقسام الجغرافي والسياسي، وتراجع الثقة العامة، وضغط الإقليم والعالم، يصبح مجرد انتظام المؤسسة حدثا سياسيا لا يجوز التقليل من قيمته. فالحركات التي لا تعقد مؤتمراتها تتحول تدريجيًا إلى ذاكرة، أما الحركات التي تجازف بعقد مؤتمراتها، حتى وسط النقد والاحتجاج والتباين، فهي ما تزال تمتلك قابلية الحياة.

نعم، لم يكن المؤتمر مثالياً. ولا يجوز التعامل مع الملاحظات التي رافقته بمنطق الدفاع الأعمى. هناك أسئلة مشروعة حول التمثيل، وحول من غاب ومن حضر، وحول شعور قطاعات فتحاوية بأن حضورها التاريخي أو الفكري أو التنظيمي لم يترجم بما يكفي في المخرجات. وهناك قلق حقيقي من أن تتحول الانتخابات الداخلية إلى ميزان نفوذ لا إلى ميزان كفاءة، ومن أن تتقدم الحسابات المناطقية والشخصية على الحاجة إلى إنتاج عقل سياسي جديد للحركة.

لكن بين الاعتراف بهذه المخاوف وبين إعلان وفاة فتح مسافة كبيرة. فتح ليست حزبا عاديا نشأ حول برنامج انتخابي محدود، بل حركة وطنية واسعة، حملت داخلها منذ البداية تناقضات المجتمع الفلسطيني كله: الداخل والخارج، البندقية والسياسة، المخيم والمدينة، التنظيم والسلطة، التاريخ والمستقبل. لذلك كانت أزماتها دائمًا أكبر من أزمات الأحزاب، لكنها كانت أيضًا أقدر من غيرها على البقاء لأنها ليست مجرد جهاز، بل ذاكرة شعبية وشبكة انتماء وطنية عميقة.

المقالات المتشائمة تصيب حين تحذر من خطر التآكل الداخلي، لكنها تخطئ حين تتعامل مع التململ وكأنه انشقاق ناجز. الانشقاق لا يولد من الغضب وحده. الانشقاق يحتاج إلى: ( قيادة بديلة، وقاعدة منظمة، وتمويل، وسند إقليمي، وخطاب سياسي قادر على إقناع الناس بأن الخروج من المركز أكثر جدوى من إصلاحه ). وهذه العناصر ليست مكتملة اليوم، لكنها قد تتشكل إذا أُهملت الجروح، وإذا جرى التعامل مع المعترضين باعتبارهم عبئا لا رصيدًا، أو مع المختلفين باعتبارهم خصومًا لا شركاء في البيت نفسه.

المطلوب اليوم ليس الاحتفال بالمؤتمر كأنه أنجز كل شيء، ولا جلد الذات كأن المؤتمر لم ينجز شيئًا. المطلوب قراءة مركبة: انعقاد المؤتمر كان ضرورة وطنية وتنظيمية، لكنه ليس نهاية الأزمة. هو بداية امتحان جديد. فإذا بقيت مخرجاته حبيسة الأسماء والمواقع، سنكون أمام إعادة إنتاج للمشكلة. أما إذا تحول إلى لحظة مراجعة عميقة، فقد يصبح مدخلًا لإعادة بناء الحركة على قاعدة أكثر وضوحًا وصرامة وانفتاحًا.

في هذا السياق، يقع العبء الأكبر على المجلس الثوري الجديد. فالمجلس الثوري ليس جائزة ترضية، ولا قاعة تصفيق، ولا إطارًا بروتوكولياً ينتظر دعوات الاجتماعات. إنه برلمان الحركة وضميرها الرقابي والسياسي. وإذا أراد أن يكون بمستوى اللحظة، فعليه أن يمارس دوره في مراقبة الأداء، وفتح النقاش الحقيقي، ومساءلة المفوضيات، وصوغ مراجعة تنظيمية شاملة، وإعادة وصل الحركة بقواعدها في الأقاليم والمخيمات والشتات والجامعات والنقابات. المجلس الثوري الجديد يستطيع أن يكون جسرًا بين القيادة والقاعدة، أو أن يتحول إلى شاهد صامت على اتساع الفجوة. والفرق بين الدورين هو الفرق بين حركة تتجدد وحركة تكتفي بإدارة الزمن.

إن الخطر الأكبر على فتح اليوم ليس وجود منتقدين، بل غياب آلية لاستيعاب النقد. وليس الخطر أن يخسر بعض القادة مواقعهم، بل أن يشعر من خسر بأنه خرج من الحركة لا من موقع انتخابي. وليس الخطر أن تظهر تيارات وتباينات، فهذه طبيعة الحركات الكبرى، بل أن تتحول هذه التباينات إلى جزر مغلقة تبحث عن سند خارج البيت الفتحاوي.

لذلك تحتاج فتح بعد المؤتمر إلى ثلاث خطوات واضحة: مصالحة فتحاوية داخلية لا تقوم على المجاملة بل على الاعتراف المتبادل. مجلس استشاري وخلية تفكير استراتيجية تضم العقول والخبرات التي غابت أو أُبعدت أو لم تجد موقعها. وبرنامج سياسي وتنظيمي يجيب بصراحة عن سؤال المرحلة: ما وظيفة فتح اليوم؟ هل هي حزب سلطة فقط؟ أم حركة تحرر وطني تجدد أدواتها داخل واقع سياسي شديد القسوة؟

فتح قادرة على لملمة نفسها، ليس لأنها بلا أزمات، بل لأنها عاشت أزمات أكبر وبقيت. لكنها هذه المرة لا تحتاج إلى ترميم سطحي، بل إلى مراجعة جذرية تعيد تعريف ذاتها:

حركة وطنية ديمقراطية، واسعة، عاقلة، مقاومة سياسيا وشعبيا، قادرة على استيعاب أبنائها لا طردهم إلى الهوامش، وعلى إنتاج قيادة لا تكتفي بالشرعية التاريخية بل تصنع شرعية الأداء.

المؤتمر الثامن يجب ألا يكون خاتمة نقاش، بل افتتاح ورشة إنقاذ. وفتح، إذا امتلكت شجاعة الاعتراف وشجاعة الإصلاح معًا، تستطيع أن تحول القلق الراهن من نذير انشقاق إلى فرصة تجدد. أما تجاهل الأسئلة الصعبة، فهو الطريق الأقصر إلى تحويل النقد إلى تيارات، والتيارات إلى أطر، والأطر إلى انشقاقات.

فتح اليوم ليست أمام نبوءة سقوط. هي أمام لحظة اختبار. ومن يعرف تاريخ هذه الحركة يدرك أنها لا تموت حين تختلف، بل تضعف حين تكابر. وقوتها القادمة لن تأتي من إنكار الجروح، بل من القدرة على فتحها أمام ضوء المراجعة، ثم خياطتها بخيط وطني جامع، قبل أن تتحول الندوب إلى حدود فاصلة داخل الجسد الواحد.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:10 صباحًا - بتوقيت القدس

منظمة التحرير الفلسطينية: من التأسيس إلى تثبيت الهوية الوطنية

في مسار التاريخ الفلسطيني الحديث، تبرز منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها أكثر من مجرد إطار سياسي نشأ في سياق إقليمي مضطرب؛ إنها بنية تأسيسية أعادت صياغة مفهوم الهوية الوطنية الفلسطينية، وحوّلت الشعب الفلسطيني من حالة التشتت الجغرافي والسياسي إلى كيان رمزي ومؤسساتي قادر على التعبير عن ذاته في المحافل الدولية. ومن هنا، فإن قراءة مسيرة المنظمة لا تنفصل عن فهم التحولات العميقة في بنية الهوية الفلسطينية ذاتها، بوصفها هوية تشكلت تحت ضغط النفي الاستعماري، ثم أعادت إنتاج نفسها عبر فعل سياسي منظم.

تأسست منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 في سياق عربي وفلسطيني بالغ التعقيد، عقب انعقاد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس، واستناداً إلى قرارات القمم العربية التي سعت إلى بلورة إطار يمثل الفلسطينيين سياسياً. لم يكن هذا التأسيس مجرد استجابة إجرائية لفراغ تمثيلي، بل كان إعلاناً ضمنياً عن انتقال القضية الفلسطينية من مستوى التبني العربي العام إلى مستوى الفعل الوطني الفلسطيني المستقل نسبياً، بما يحمله ذلك من دلالات على تشكل الذات السياسية الفلسطينية.

وقد اضطلع أحمد الشقيري بدور تأسيسي محوري في بناء هذا الكيان الناشئ، من خلال بلورة الميثاق القومي والنظام الأساسي، عقب سلسلة مشاورات واسعة مع الفلسطينيين في الدول العربية. وقد تُوِّج هذا الجهد بانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في القدس، حيث أُعلن رسمياً عن قيام منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها التعبير السياسي الجامع عن الإرادة الوطنية الفلسطينية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت تتبلور ملامح “التمثيل” بوصفه فعلاً سياسياً وليس مجرد توصيف قانوني.

غير أن التحول الأعمق في بنية المنظمة ووظيفتها السياسية جاء بعد عام 1967، حيث أعادت النكسة تشكيل الوعي الفلسطيني على نحو جذري، ودفعته نحو إعادة تعريف أدواته التنظيمية. في هذه المرحلة الانتقالية، تولى يحيى حمودة رئاسة اللجنة التنفيذية بشكل مؤقت، قبل أن يدخل ياسر عرفات عام 1969 إلى قيادة المنظمة، في لحظة مثّلت إعادة تموضع جذري للمشروع الوطني الفلسطيني، وربطاً مباشرا بين الكفاح المسلح والهوية السياسية الوطنية. لقد أصبحت المنظمة في هذه المرحلة ليست فقط إطاراً تمثيلياً، بل بنية نضالية تعكس تحولات الهوية من خطابها التقليدي إلى خطاب التحرر الوطني.

ومع انتقال القيادة إلى الرئيس محمود عباس عام 2004، بعد استشهاد ياسر عرفات، دخلت منظمة التحرير مرحلة جديدة من إعادة إنتاج دورها السياسي ضمن سياقات دولية أكثر تعقيداً، حيث تزايدت التحديات المرتبطة بتوازنات الإقليم، وبنية النظام الدولي، والتحولات الداخلية الفلسطينية. ومع ذلك، بقيت المنظمة الإطار المرجعي الوحيد المعترف به دولياً بوصفه ممثلا شرعياً للشعب الفلسطيني، وهو ما يعكس استمرار مركزيتها في بنية النظام السياسي الفلسطيني.

إن أهمية منظمة التحرير الفلسطينية لا تكمن فقط في كونها مؤسسة سياسية، بل في كونها “بنية هوية” أعادت تشكيل الذات الفلسطينية ضمن إطار جامع، وحمتها من التفكك في سياقات اللجوء والاحتلال والتجزئة. فهي لم تكن مجرد مؤسسة، بل مشروع وطني طويل المدى لإنتاج وحدة رمزية وسياسية لشعب موزع جغرافياً، ومواجهاً لمحاولات مستمرة لإعادة تعريفه خارج سياقه الوطني.

وفي الذكرى الثانية والستين لتأسيسها، تبرز المنظمة اليوم أمام اختبار تاريخي مركب، يتداخل فيه السياسي بالوجودي. فالمشهد الفلسطيني الراهن، بما يحمله من حرب إبادة في غزة، وتصعيد استيطاني في الضفة الغربية، واستهداف متواصل للقدس، لا يمثل مجرد أزمة سياسية، بل محاولة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني نفسه. وفي هذا السياق، تصبح منظمة التحرير الفلسطينية ليست خياراً سياسياً ، بل ضرورة بنيوية لاستمرار الفعل الوطني.

ومن منظور تحليلي، يمكن القول إن التحدي الأهم الذي يواجه المنظمة اليوم يتمثل في قدرتها على إعادة تجديد شرعيتها الداخلية عبر توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتطوير بنيتها المؤسساتية بما يتناسب مع تحولات الواقع. فاستمرار المنظمة بوصفها اطارا جامعاً يتطلب انتقالها من وظيفة التمثيل الرمزي إلى وظيفة الفعل السياسي المنتج، القادر على مواجهة التحديات الوجودية للمشروع الوطني الفلسطيني.

وفي هذا السياق، يبقى التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية تمسكاً بالهوية ذاتها، وبالذاكرة السياسية التي صنعت وجود الفلسطينيين على الخريطة السياسية العالمية. فهي ليست فقط تاريخاً يُستعاد، بل مستقبل يُبنى على قاعدة من الشرعية النضالية والتمثيل الوطني الجامع، وصولاً إلى تحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:09 صباحًا - بتوقيت القدس

شواهد هوية تحولت إلى رماد

بينما تنشغل شاشات التلفزة بإحصاء الخسائر البشرية والمادية في قطاع غزة، هناك حرب صامتة تدور رحاها ضد التاريخ نفسه، حرب لا تستهدف الحاضر فقط، بل تمتد مخالبها إلى عمق الماضي لتجريف الجذور، ومحو الشواهد التي تثبت حكاية الأرض والإنسان منذ آلاف السنين.

فلم تكن غزة يوماً مجرد بقعة جغرافية عابرة، بل كانت حلقة الوصل بين قارات العالم القديم، وممراً إلزامياً للقوافل والتجارة بين مصر والشام، تعاقبت عليها الحضارات من الكنعانيين والفلستيين، وصولاً إلى العهود البيزنطية والإسلامية بمختلف عصورها، هذا المزيج الحضاري الفريد تجسد في أزقة بلدتها القديمة، التي تحولت اليوم إلى مساحات من الغبار والركام.

الدمار الذي طال الآثار في غزة لم يكن هامشياً، بل أصاب في مقتل معالم كانت تعد بمثابة "البطاقة الشخصية" للمدينة: المسجد العمري الكبير؛ ذاكرة غزة الدينية والثقافية، الذي تدرج عبر العصور من معبد وثني إلى كنيسة بيزنطية ثم مسجد إسلامي، انهارت مئذنته وجدرانه التي صمدت لقرون. كنيسة القديس برفيريوس التي احتمى أهل غزة بظلها عبر مئات السنين باعتبارها ثالث أقدم كنيسة في العالم، نالت نصيبها من القصف لتمتزج دماء النازحين داخلها بحجارتها البيزنطية العريقة. المتاحف والمكتبات مثل: متحف قصر الباشا ومكتبة ناشيونال، التي كانت تضم مخطوطات نادرة وعملات أثرية تعود للعصور اليونانية والرومانية، نُهبت أو تحولت إلى ركام تحت الأنقاض.

فلسفة الإبادة الثقافية: لماذا يُستهدف التاريخ؟ إن تدمير المعالم التاريخية في غزة ليس مجرد "أضرار جانبية" للحرب، بل هو جزء من إستراتيجية تُعرف في القانون الدولي بـ "الإبادة الثقافية" (Cultural Genocide). الهدف منها هو قطع الصلة بالأرض، تجريد الفلسطيني من أدلته المادية التي تربطه جغرافياً وتاريخياً بالمكان.

تدمير الذاكرة الجماعية: تحويل المدينة إلى مساحة بلا هوية أو معالم، مما يسهل عملية كي الوعي وإحباط الأجيال القادمة. اغتيال السياق الحضاري: تصوير غزة للعالم كبقعة معزولة من البؤس، وتجريدها من عمقها الإنساني والثقافي الذي ساهم في صياغة تاريخ البشرية.

صمود الذاكرة الرقمية والترميم المؤجل رغم أن المعالم الأثرية قد دُمرت مادياً، إلا أن هناك حراكاً فلسطينياً ودولياً خجولاً يحاول توثيق هذه الخسائر.

الدمار لم يكن عشوائياً، بل صاحَبته استراتيجيات ممنهجة لسلب الهوية حيث يرى خبراء الآثار الدوليون أن حجم الدمار في غزة فاق أي صراع آخر جرى توثيقه في العصر الحديث، إذ لم يتبقَ من شواهد الحضارات البيزنطية، والإسلامية، والرومانية سوى الغبار والأعمدة المحطمة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:08 صباحًا - بتوقيت القدس

النكبة والشعر الفلسطيني من رثاء الأرض إلى تأسيس المعنى

يمكن للمرء أن يصف النكبة الفلسطينية على أنها حادثة تاريخية وقعت في عام 1948 ثم انتهت، لكنها  وفي جوهرها العميق لحظة انهيار كونيّ للمعنى العربي نفسه. وما الشعر العربي الحديث، منذ السيّاب حتى محمود درويش، إلا محاولة طويلة لترميم اللغة بعد أن تصدّعت تحت أقدام اللاجئين. لقد خرج الفلسطيني من أرضه، نعم، بيد أنّ الكارثة الأشد فداحة كانت خروج الكلمات من يقينها المعهود، بحيث لم تعد اللغة قادرة على تسمية الأشياء كما كانت من قبل. صار الخبز مرادفًا للحصار، والبرتقال مرادفًا للمنفى، والحبيبة مرادفًا لفلسطين، وصارت القصيدة نفسها خيمةً لغويةً تؤوي شعبًا كاملًا من الضياع.

من هنا، فإن قراءة النكبة في الشعر الفلسطيني لا يمكن اختزالها بالبعد السياسي أو التوثيقي وحده، لأن الشعر الفلسطيني تجاوز  نشرة الأخبار عالية البلاغة، وصار في أعمق تجلياته  محاولةً ميتافيزيقية لفهم الكارثة وتوصيفها.

 لقد أدرك الشعراء الفلسطينيون، مبكرًا، أن الاحتلال لا يسرق الأرض فقط، إنه يسرق التاريخ أيضًا. ولذلك تحوّلت القصيدة إلى مقاومة ضد المحو، وتعدت كونها دفاعًا عن الجغرافيا لتكون دفاعًا عن الذاكرة، عن أسماء القرى، عن رائحة الزعتر، عن صوت المؤذن في الفجر، عن ظلّ التين على التراب الرطب، وعن تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو تافهة في أعين الإمبراطوريات، لكنها تشكّل روح الشعوب.

في الشعر الجاهلي كان الشاعر يقف على الأطلال لأن الحبيبة رحلت. أمّا الفلسطيني فقد وقف على الأطلال لأن الوطن نفسه رحل. هنا حدث الانقلاب الهائل في بنية المرثية الفلسطينية،  ولم يعد الرثاء متعلقًا بفردٍ أو قبيلة، حيث تحوّل لرثاء للمكان كاملًا ذلك المكان الذي اختُطف من الزمن.

 ومن هذه اللحظة بالتحديد وُلدت القصيدة الفلسطينية الحديثة باعتبارها "أنطولوجيا فقدان".

إن المتأمل في تجربة شعراء فلسطين يدرك أن الأرض عندهم حالة وجودية. وقد نقلوا القضية من الخطاب السياسي إلى سؤال الكينونة. ولهذا فإن الشاعر الفلسطيني لم يقل "أحب فلسطين" بقدر ما أعاد عجنها داخل اللغة. كانت القصيدة عنده أشبه بطقس صوفيّ يحاول استدعاء البلاد من غيابها، كما يستدعي المتصوفُ رحمة الله عبر الذكر. ولهذا تكثر في شعره مفردات الغياب والحضور، الفناء والبقاء، الجسد والظلّ، الأرض والسماء. لقد تحوّل الوطن عند ذلك الشاعر إلى "حقيقة باطنية"، ولم يقف عند حدودٍ على الخارطة.

ولعلّ هذا ما جعل الشعر الفلسطيني قريبًا من التجربة الصوفية العربية في جوهرها العميق.

فالمتصوفة الكبار من الحلاج إلى ابن عربي كانوا يدركون أن الفقدان لا يعني نهاية العلاقة بالأشياء، بقدر ما يعني بدايتها الأسمى. حين قال الحلاج: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا»، وبقوله يلغي المسافة بين الذات والمطلق. والفلسطيني، في لحظته الشعرية القصوى، فعل الشيء نفسه مع وطنه. ونقل فلسطين من موضوع خارجي يُكتب عنه، فصارت كيانًا يسكن الشاعر من الداخل. ولذلك فإن المنفى الفلسطيني لا يعني الخيمة، إنهُ اغترابٌ روحي؛ اغتراب الكائن عن صورته الأولى.

ولعلّ أخطر ما فعلته النكبة أنها حوّلت الفلسطيني من إنسان يعيش في التاريخ إلى إنسان يعيش ضدّ التاريخ. فالعالم الحديث، الذي بشّر بالحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وقف متواطئًا بالصمت أو بالفعل  أمام اقتلاع شعب كامل من أرضه. وهنا فقدت اللغة السياسية قدرتها على التعبير، فدخل الشعر كملاذ أخير للحقيقة. ولهذا لا يُنظر إلى الشعر الفلسطيني بوصفه ترفًا ثقافيًا، إنه ضرورة وجودية مرتبطة بوجود الفلسطيني في هذا الكوكب. وصارت القصيدة وثيقة تثبت أن الفلسطيني لم يتحول بعد إلى رقم في سجلات الأمم المتحدة.

وقد استطاع الشعر الفلسطيني أن يحقق معجزة نادرة في الأدب العربي الحديث: أن يجمع بين المحلي والكونيّ. فقصائد درويش وسميح القاسم  ومعين بسيسو  وراشد حسين وصالح هواري ومراد السوداني وعبدالله عيسى  وغيرهم الكثير ممن اعتلوا صهوة الحرف، تنطلق من تجربة فلسطينية خالصة، تمسّ جوهر البشر أينما كانوا. لأن المنفى، في النهاية، لم يقتصر الفلسطيني وحده، وأصبح تجربة البشرية كلها منذ خروج آدم الأول من الجنة. وربما لهذا السبب يبدو اللاجئ الفلسطيني، في الشعر العظيم، شبيهًا بشخصيات الملاحم القديمة: يحمل بيته على كتفيه، ويسير في صحراء العالم باحثًا عن معنى العدالة.

غير أن أخطر تحولات القصيدة الفلسطينية حدثت بعد الهزائم العربية المتتالية، حين بدأ الشعراء يشككون حتى في قدرة البلاغة نفسها على الوصف. لقد أدركوا أن اللغة العربية بكل فخامتها الكلاسيكية يمكن أن تتحول أحيانًا إلى ستار يخفي العجز. ولهذا اتجهت القصيدة الحديثة نحو البساطة الجارحة، نحو اليوميّ والهامشيّ، نحو التفاصيل الصغيرة. فطفل يحمل مفتاح البيت صار أبلغ من خطب كاملة عن التحرير. وأمّ تنتظر ابنها عند المحسوم ( الحاجز) صارت تختصر تاريخًا عربيًا من الهزائم.

في هذا السياق، لا يمكن تعريف الشعر الفلسطيني على أنه أدب مقاومة بالمعنى التقليدي، لقد صار نقدًا جذريًا لفكرة القوة ذاتها. فالمحتلّ يمتلك الطائرات والدبابات، لكن الفلسطيني يمتلك القدرة الأخطر: القدرة على سردية الرواية الكاملة. والتاريخ في النهاية، لا يكتبه الأقوى عسكريًا دائمًا، إنما يكتبه الأكثر قدرة على تحويل ألمه إلى رواية إنسانية خالدة.

إن النكبة في الشعر الفلسطيني تحولت إلى لحظة إعادة تشكيل للوجدان العربي الحديث. فمن خلالها اكتشف العرب هشاشتهم التاريخية، واكتشفوا أيضًا أن الشعر قد يكون دربًا للبقاء. وربما لهذا ظلّت فلسطين، رغم كل شيء، حيّةً في القصيدة العربية أكثر مما هي حيّة في البيانات السياسية. فالدول قد تهزم، والجيوش قد تنهار، لكن القصيدة العظيمة تمتلك قدرة غامضة على النجاة من الخراب.

ولهذا يبدو الشعر الفلسطيني، في جوهره الأخير، محاولةً مستمرة لهزيمة الموات الرمزي. إن اللاجئ الذي يحمل مفتاح بيته بعد أكثر من سبعين  عامًا يعرف أنّ الباب ربما يتغير، لكنه يرفض موت الذاكرة. والشعر فعل الرفض الأعلى، رفض أن يتحول الإنسان إلى منفى نهائي داخل العالم.

وفي النهاية، يمكن القول إن النكبة لم تُنتج أدبًا ليقتصر على الجغرافيا والأرض ، لكنها أعادت تعريف وظيفة الشعر العربي نفسه. لقد جعلته أقلّ زخرفة وأكثر حقيقة، أقلّ خطابة وأكثر إنسانية، أقلّ يقينًا وأكثر قلقًا وجوديًا. ومن بين الركام، خرجت القصيدة الفلسطينية الحديثة بوصفها واحدة من أعظم التجارب الشعرية في القرن العشرين، لأنها لم تُكتب عن شعبٍ غاب وغُيّب، إنما كُتبت عن الإنسان حين يُقتلع من معنى وجوده ذاته، وها هو يتحدى اللغة بنص العودة الباقي.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:07 صباحًا - بتوقيت القدس

محمد شايطة وتوفيق ومان… حين يكتب الشعر فلسطين من جرحٍ جزائري ويصافح القدس

في امتداد المشهد الشعري الجزائري، حيث تتقاطع الذاكرة الوطنية مع الوجدان العربي، يبرز اسم محمد شايطة بوصفه صوتاً شعرياً ينتمي إلى تلك السلالة التي لم تفصل بين القصيدة والقضية، ولا بين الجمال والالتزام. إنه شاعر يكتب من تخوم التجربة، حيث لا تكون الكلمات زينة لغوية، بل شظايا معنى، تنبع من إحساس عميق بأن الشعر موقف قبل أن يكون بناء.

ليست الكتابة عند شايطة فعلاً معزولاً عن سياقه، بل هي استجابة لقلق تاريخي وثقافي، جعل من فلسطين حضوراً ثابتاً في نصوصه، لا بوصفها موضوعا طارئا، بل باعتبارها امتداداً طبيعياً لذاكرة المقاومة الجزائرية. فالعلاقة بين الجزائر وفلسطين لم تكن، في وعيه الشعري، مجرد تضامن عابر، بل تماهيا وجدانيا، حيث تتكرر الأسئلة ذاتها: الحرية، الكرامة، والحق في الأرض.

في هذا السياق، تأتي قصائد شايطة لتؤكد هذا الامتداد، حيث تتحول فلسطين في نصه إلى مرآة يرى فيها الشاعر ذاته، وتغدو القصيدة مساحة يتداخل فيها الخاص والعام، الذاتي والقومي. لا يكتب عن فلسطين كغائب، بل كحاضر في اللغة، في الصورة، في الإيقاع. إنها ليست "هناك"، بل "هنا"، تسكن القصيدة كما يسكنها الألم.

ومن خلال قراءة دواوينه ونصوصه ، يتضح أن شايطة يميل إلى لغة مشحونة بالدلالة، كثيفة الإيحاء، تعتمد على الرمز أكثر من المباشرة. فهو لا يقول "الاحتلال" بصيغة تقريرية، بل يرسمه في صورة جدار صامت، أو مدينة محاصرة، أو ظل ثقيل يخيم على التفاصيل. ولا يذكر "المقاومة" كشعار جاهز، بل يجعلها تنبثق من الهامش: حجر صغير، طفل يبتسم رغم الركام، أم تنتظر عودة لا تأتي. هذه التقنية تمنح نصه بعدا إنسانيا، يتجاوز الشعارات إلى عمق التجربة.

إن فلسطين في شعره ليست فقط أرضا محتلة، بل هي حالة وجودية، وسؤال مفتوح عن العدالة، وعن معنى أن يكون الإنسان في مواجهة القهر. ولذلك، فإن قصائده لا تقف عند حدود التضامن، بل تتجاوزه إلى نوع من التماهي، حيث يصبح الشاعر شاهداً وشريكاً في آن واحد، يكتب الألم كأنه يعيشه، ويصور الفقد كأنه فقده الخاص.

ومن اللافت أن شايطة، في تعامله مع هذه القضية، لا ينفصل عن التراث الشعري العربي، بل يحاوره ويعيد إنتاجه. يمكن أن نلمح في بعض نصوصه أصداء لتجارب شعرية التزمت بالقضية الفلسطينية، حيث تتحول القصيدة إلى مساحة مقاومة، ويغدو الحرف فعلا أخلاقيا قبل أن يكون جماليا. غير أن خصوصيته تكمن في قدرته على صهر هذه المرجعيات في تجربة ذاتية، تمنحه صوته الخاص، وتجنبه الوقوع في التكرار.

أما من الناحية الفنية، فإن شعره يقوم على توتر دائم بين الصورة والإيقاع. فالصورة عنده ليست تزيينا بل أداة كشف، والإيقاع ليس زخرفا بل نبض داخلي يعكس حالة النص. وغالباً ما تتسم قصائده بنبرة حزينة، لكنها ليست استسلامية، بل تحمل في طياتها بذور الأمل، وكأن الشاعر يراهن على المستقبل، حتى وهو يكتب عن الألم.

وفي عمق هذه التجربة، يمكن القول إن محمد شايطة ينتمي إلى جيل من الشعراء الذين أدركوا أن فلسطين ليست مجرد موضوع شعري، بل معيار أخلاقي. فمن يكتب عنها، إنما يختبر صدق لغته، وعمق التزامه، وقدرته على تحويل الجرح إلى معنى، والوجع إلى رؤية.

هكذا، لا يمكن قراءة شايطة بمعزل عن هذا البعد، لأنه يشكل جوهر مشروعه الشعري. إنه شاعر لا يكتفي بأن يرثي، بل يسائل، ولا يكتفي بأن يتعاطف، بل ينخرط، ولا يكتفي بأن يكتب، بل يشهد.

وفي زمن تتكاثر فيه النصوص وتتنافس الأصوات، يبقى صوته مختلفا، لأنه لا يبحث عن الصدى، بل عن الحقيقة، ولا عن الانتشار، بل عن الأثر. شاعر يدرك أن القصيدة، حين تلامس فلسطين، لا تعود مجرد كلمات، بل تصبح موقفا، وذاكرة، ووعدا مؤجلا بالحرية.


توفيق ومان..

في زوايا المشهد الثقافي الجزائري، حيث تتجاور الفصحى بوقارها مع العامية بعفويتها، يبرز اسم توفيق ومان بوصفه تجربة فنية تتحدى التصنيفات الجاهزة، وتعيد الاعتبار للكلمة الشعبية باعتبارها حاملة لذاكرة الناس، لا مجرد أداة للتسلية أو الارتجال. غير أن هذا الصوت، وهو ينحاز إلى اليومي والهامشي، لم يغفل القضايا الكبرى للأمة، بل جعلها تتسرب إلى نصوصه بذكاء فني، حيث تحضر فلسطين لا كشعار، بل كجرح مفتوح في الذاكرة، وتلوح القدس كرمز روحي يتجاوز الجغرافيا إلى المعنى.

لا يمكن الاقتراب من تجربة ومان دون الانتباه إلى هذا التوتر الخلاق بين البساطة والعمق. فالزجل عنده ليس خطاباً سطحياً، ولا تعبيراً عابراً، بل هو بناء دلالي مركب، يشتغل على الإيقاع كما يشتغل على المعنى، ويزاوج بين الحكمة الشعبية والتصوير الشعري. وحين يلامس موضوع فلسطين، فإنه لا يقع في فخ الخطابة المباشرة، بل يعيد صياغة القضية عبر تفاصيل إنسانية: أم تنتظر، طفل يسأل، بيت مهدد، فيغدو الألم أكثر صدقاً، وأشد تأثيراً.

في قصائده، تتكلم الشوارع، وتبوح الأزقة، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى شواهد على زمن متغير. وهنا، لا يكون الوطن مفهوما محليا ضيقا، بل يمتد ليشمل كل الجراح العربية، حيث تتقاطع ذاكرة الجزائر مع ذاكرة فلسطين، ويتماهى المنفى مع المقاومة، ويغدو الإنسان هو القضية الكبرى. إن ومان، وهو يكتب بالعامية، ينجح في أن يجعل من لغته جسرا بين المحلي والقومي، بين الحي الشعبي والمدينة المقدسة.

أما حضور القدس في نصوصه، فهو حضور رمزي بامتياز. ليست مجرد مدينة، بل فكرة، وامتحان للضمير. تظهر أحيانا كحلم مؤجل، وأحيانا كأيقونة للصمود، وأحيانا كمرآة تعكس خيبات الأمة. لكنه، في كل ذلك، لا يسقط في اليأس، بل يترك نافذة للأمل، ولو كانت ضيقة، لأن الشعر، في جوهره، فعل مقاومة، لا استسلام.

ومن اللافت في تجربة ومان هذا الحضور القوي للبعد الاجتماعي، الذي يتقاطع مع الهم القومي. فهو لا يفصل بين معاناة الفرد في حيه الشعبي، ومعاناة الإنسان في أرض محتلة، بل يرى في الاثنين وجها لواقع واحد، عنوانه القلق، ومحوره الكرامة. لذلك، تأتي قصائده وكأنها نسيج واحد، تتداخل فيه الأصوات، وتتقاطع فيه الحكايات، دون أن تفقد وحدتها الفنية.

الإيقاع، بدوره، يلعب دوراً مركزياً في حمل هذه المعاني. فالزجل، بطبيعته، يعتمد على الموسيقى الداخلية، على ذلك النبض الذي يجعل النص قابلا للإنشاد. وتوفيق ومان يوظف هذا الإيقاع ليمنح القضايا الكبرى بعدا وجدانيا، حيث تتحول الكلمات إلى نغم، والنغم إلى إحساس، والإحساس إلى موقف. وهنا، يلتقي الجمال بالالتزام، دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

كما أن البعد الرمزي يظل حاضراً بقوة، خاصة حين يتعلق الأمر بفلسطين والقدس. فالرمز يسمح له بأن يقول الكثير دون أن يقول كل شيء، وأن يفتح النص على تأويلات متعددة، تجعل القارئ شريكا في إنتاج المعنى. وهذا ما يمنح شعره تلك الحيوية التي تتجاوز اللحظة، وتبقى قابلة للقراءة في سياقات مختلفة.

في سياق أوسع، يمكن قراءة تجربة ومان بوصفها مساهمة في إعادة الاعتبار للثقافة الشعبية، وفي الوقت ذاته في إعادة وصلها بالقضايا الكبرى. فالزجل، في يده، لا ينحصر في المحلي، بل ينفتح على الإنساني، ولا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى مساءلته. ومن هنا، فإن حضوره لفلسطين والقدس ليس إضافة عرضية، بل امتداد طبيعي لرؤية ترى في الشعر أداة للوعي، لا مجرد تعبير.

إن توفيق ومان يكتب ليؤكد أن الكلمة، مهما كانت بسيطة، يمكن أن تحمل قضية، وأن العامية، مهما بدت يومية، قادرة على احتضان القضايا الكبرى. لقد جعل من قصيدته مساحة يلتقي فيها صوت الحي الشعبي مع صدى القدس، وتتعانق فيها ذاكرة الجزائر مع وجع فلسطين، فكان بذلك صوتا شعريا يعبر الحدود، دون أن يغادر جذوره.

هكذا، يبقى ومان شاعراً يكتب من الداخل، من قلب التجربة، حيث تتحول الكلمة إلى موقف، والقصيدة إلى شهادة. وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات، يظل صوته مختلفا، لأنه لا يسعى إلى الضجيج، بل إلى المعنى، ولا إلى العابر، بل إلى ما يبقى: الإنسان، وقضيته، وحقه في أن يحلم، حتى في أكثر اللحظات قسوة.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:06 صباحًا - بتوقيت القدس

ليلى جهجاه.. الطفولة التي عبرتْ من بين الرصاص

ثمةَ أوطانٌ يُولد فيها الأطفال وهم يعرفون أسماء الزهور،

وثمة أوطانٌ أخرى يتعلّم فيها الأطفال، باكرًا، كيف يميّزون بين صوت الرصاصة وصوت الباب.

أما نحن الفلسطينيين، في هذه البلاد المعلّقة بين الخوف والنجاة المؤقتة، فقد أصبحنا نعيش زمنًا أكثر وحشية من الموت نفسه: زمنَ الاعتياد عليه.

وهذا هو الخراب الحقيقي؛ ليس أن يُقتل الناس، بل أن يتآكل الذهول، وأن تفقد الفاجعة قدرتها على إيقاظنا.

الطفلة ليلى جهجاه، ابنة الأعوام السبعة، لم تكن تعرف شيئًا عن الشجارات، ولا عن الثأر، ولا عن فائض الكراهية الذي يتجوّل في الشوارع محمولًا على أكتاف الرجال.

كانت تعرف، على الأرجح، أشياء صغيرة فقط: لون حقيبتها المدرسية، يد أمها، طعم الحلوى، وخوف الليل.

لكنّ الرصاص لا يسأل الأطفال عمّا يعرفونه.

الرصاص، حين يشيخ داخل مجتمعٍ ما، يصبح أعمى.

لهذا لا تبدو ليلى، في موتها، ضحية شجار عابر، بل ضحية زمنٍ كامل.

زمنٍ انكسرت فيه هيبة الإنسان، حتى صار الدم حدثًا يوميًا، وصار القتيل رقمًا سريعًا في شريط الأخبار، وصارت الأمهات يدفنَّ أبناءهنّ فيما العالم يواصل يومه بشكل طبيعي، كأنّ شيئًا لم يحدث.

ما الذي يجعل مجتمعًا كاملًا يقف على هذا الحدّ الهشّ بين الحياة والهاوية؟

كيف يتحوّل الخوف المتراكم داخل الناس إلى عنفٍ يتغذّى من أجسادهم هم؟

وكيف يصبح الفلسطيني، المثقل أصلًا بتاريخٍ طويل من الاقتلاع والقهر، خائفًا من ابن حارته بقدر خوفه من العالم؟

ليست الجريمة هنا حادثة منفصلة عن سياقها، ولا الرصاصة مجرّد معدن خرج من سلاح.

الرصاصة، في حقيقتها، هي اللحظة الأخيرة فقط من سلسلة طويلة من التصدّعات: تصدّع العائلة، تصدّع المعنى، تصدّع الأمان، وتصّدع العلاقة بين الإنسان ونفسه.

في المجتمعات المتعبة، لا يظهر العنف فجأة. إنه ينمو ببطء، مثل العفن على الجدران الرطبة.

يبدأ حين يشعر الإنسان أنّ حياته بلا قيمة كافية، وأنّ العدالة بعيدة، وأنّ أحدًا لا يسمعه، ثم يتحوّل الغضب تدريجيًا إلى لغة، والخوف إلى سلوك يومي، والقسوة إلى شيء عادي تمامًا.

وهكذا يصبح السلاح أكثر إقناعًا من العقل، وأكثر حضورًا من القانون، وأكثر قدرة على فرض الهيبة من الأخلاق.

لكنّ الكارثة الأكبر ليست في وجود القتلة فقط، بل في تلك المساحة الرمادية التي نصنعها حول الجريمة كي نستطيع احتمالها.

نسأل عن اسم العائلة، وعن خلفية الشجار، وعن التفاصيل الصغيرة، بينما الحقيقة الوحيدة التي تستحق الوقوف أمامها هي أنّ طفلةً خرجت من الحياة قبل أن تفهمها.

أيُّ خرابٍ هذا الذي يجعل طفولةً كاملة تسقط برصاصة طائشة؟

الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين كتب يومًا أنّ "كل وثيقة حضارة هي، في الوقت نفسه، وثيقة بربرية".

وأحيانًا يبدو أنّنا نعيش هذه البربرية في أكثر صورها قسوة؛ لا لأنّنا شعب يحبّ الموت، بل لأنّنا شعبٌ أُنهك طويلًا حتى اختلطت داخله الحدود بين النجاة والعطب.

الفلسطيني في الداخل يعيش اليوم بين عنفين:

عنف البنية السياسية التي همّشته عقودًا، وعنف الداخل الذي يتكاثر كندبة مفتوحة في الروح الجماعية.

وحين يُحاصر الإنسان بالخوف من الخارج والخوف من الداخل معًا، يصبح البيت نفسه مكانًا مؤقتًا للنجاة، لا مكانًا للحياة.

ومع ذلك، لا شيء يبرّر الرصاصة.

لا الفقر، ولا التهميش، ولا الغضب، ولا التاريخ الثقيل.

لأنّ المجتمعات التي تفقد قداسة الطفل، تفقد آخر ما تبقّى من إنسانيتها.

ليلى جهجاه ليست خبرًا حزينًا فقط. إنها سؤال أخلاقي كامل.

سؤال معلّق فوق هذا المجتمع كلّه: كيف وصلنا إلى مرحلةٍ لم يعد فيها الأطفال يموتون في الحروب وحدها، بل في الشوارع، قرب البيوت، وبين الناس الذين يشبهونهم؟

ربما لأنّ الموت، حين يبقى طويلًا بين البشر، يتعلّم أسماءهم. ثم يبدأ، بهدوء، بأخذ الأطفال أولًا.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:05 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين: بين التحوّلات الدولية وأزمة القيادة

تشهد القضية الفلسطينية، للمرة الأولى منذ عقود طويلة، تحولات نوعية في الرأي العام العالمي، لم تعد تقتصر على التعاطف الإنساني مع الضحايا، بل أخذت تتبلور باعتبارها قضية تحرر وطني وحقوق سياسية وأخلاقية، ورمزًا للعدالة الإنسانية، في مواجهة مشروع عنصري استعماري إحلالي بات أكثر انكشافًا وعنفًا أمام العالم.

فالحرب المفتوحة على قطاع غزة، بما حملته من جرائم إبادة جماعية وتجويع وتهجير وتدمير شامل، والإرهاب المنظم الذي ترتكبه عصابات المستوطنين بدعم من حكومة الفاشية في تل أبيب، لم تؤدِّ فقط إلى كشف زيف الصورة الأخلاقية التي سعت إسرئيل منذ نشأتها إلى تكريسها في الوعي الدولي، بل دفعت قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية، بما فيها أوساط أكاديمية وثقافية وإعلامية، وفي المجتمعات اليهودية نفسها، إلى إعادة النظر في الرواية الصهيونية التي هيمنت على مفاصل الإعلام وصناع القرار الدولي لعقود طويلة.

فقد بات واضحًا أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري الهائل، تخسر تدريجيًا معركة السردية والشرعية الأخلاقية والسياسية، فيما تتوسع عزلتها الشعبية، وحتى الرسمية، في بعض عواصم الغرب.

غير أن هذا التحول، على أهميته التاريخية، لا يفضي تلقائيًا إلى إنجاز سياسي، ما لم تتبلور مجددًا قيادة فلسطينية قادرة على التقاط اللحظة، وإعادة بناء المشروع الوطني على أسس كفاحية وديمقراطية جامعة، وفق رؤية وطنية واقعية تتجاوز الانقسام والتكلس وارتهان القرار الوطني لحسابات البقاء السلطوي والفئوي، أو للرهانات الخارجية الخاسرة على حساب المصالح الوطنية العليا.

وهنا تكمن المفارقة القاسية؛ فبينما تتقدم القضية الفلسطينية في الوعي العالمي، تتراجع البنية السياسية الفلسطينية إلى مستويات غير مسبوقة من العجز وفقدان البوصلة والمبادرة.


تحوّلات كبرى وغياب الاستجابة الفلسطينية


لقد أصبح المشهد الفلسطيني مأزومًا على نحو بنيوي؛ إذ لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل تحوّل إلى نظام مصالح فئوية وأنانية ضيقة، وخطابات متناحرة تتغذى على استمرار الواقع المتردي أكثر مما تعمل على إنهائه. كما ويتواصل التعامل مع التحولات الدولية الكبرى بعقلية الانتظار أو الرهان على متغيرات إقليمية ودولية، بدلًا من العمل الجاد، بكل ما يتطلبه ذلك من مراجعة، من أجل تحويل تلك التحولات إلى عناصر قوة في خدمة واستنهاض مشروع وطني متجدد.

والأخطر من ذلك أن القيادة السياسية ما تزال تراهن، بصورة مباشرة أو مواربة، على أدوار أميركية أو إقليمية ثبت عمليًا أنها منخرطة في إدارة التصفية أكثر مما تعمل لفرض حل عادل. فالمشكلة لم تعد فقط في اختلال موازين القوى، بل في غياب الإرادة السياسية القادرة على التحرر من أوهام التسوية العقيمة، ومن تحويل السلطة إلى غاية بحد ذاتها بدلًا من أن تكون أداة لتعزيز الصمود والتحرر الوطني.

لقد شكّل العمل الأهلي والصمود الشعبي، والمبادرات المجتمعية، عبر مختلف مراحل ما بعد النكبة وسنوات الاحتلال، رافعة أساسية لقدرة الفلسطينيين على البقاء ومواجهة محاولات الاقتلاع والتفكيك. ففي أصعب المراحل، لم تكن قوة الفلسطينيين نابعة من مؤسسات سلطوية أو من وفرة الإمكانات، بل نشأت دومًا من حيوية المجتمع نفسه؛ من اللجان الشعبية، والنقابات، والاتحادات، والمراكز الثقافية، والمبادرات التطوعية، على صعيد الرعاية الصحية والتعليم وسبل التكافل الاجتماعي، وكذلك من مساحة الحرية التي أنتجت الوعي والمقاومة والقدرة على الاحتمال والصمود.

أما اليوم، فإن المشهد يبدو معكوسًا بصورة مقلقة. فلا يكاد يُرى أثر جدي لسياسات تهدف إلى تعزيز صمود الناس اقتصاديًا واجتماعيًا ومعنويًا، أو إلى تحفيز المبادرات الأهلية وتوسيع مشاركتها في مواجهة الكارثة الوطنية المتفاقمة. وعلى العكس من ذلك، تتزايد القيود على المجال العام، وتُغلق تدريجيًا مسامات الحريات العامة، بما فيها الحق في التعبير والرأي والإبداع والمبادرة المجتمعية.

وفي كثير من الأحيان، لا يجري التعامل مع العمل الأهلي بوصفه شريكًا وطنيًا في حماية المجتمع وتعزيز صموده، بل باعتباره مساحة ينبغي ضبطها أو محاصرتها أو إخضاعها، فيما يتعرض ناشطون ومثقفون وأصحاب رأي لحملات تضييق مباشرة أو غير مباشرة، في لحظة يُفترض أن تكون فيها وحدة النسيج المجتمعي وتماسكه، والانفتاح الديمقراطي، شرطين أساسيين للصمود الوطني.


المجتمع بوصفه رافعة للتحرر الوطني


إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حركة تحرر ليس فقط عدوانية عدوها، بل تآكل حيوية مجتمعها الداخلي، وتحول السلطة من أداة لخدمة الناس وتعزيز قدرتهم على الصمود والبقاء والمقاومة، إلى عبء يستهلك طاقاتهم أو يقيّد مبادراتهم.

فالمجتمعات الواقعة تحت الاحتلال لا تستطيع الصمود عبر الأجهزة البيروقراطية وحدها، بل عبر توليد الأمل واستنهاض الهمم وإطلاق طاقات الناس، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وفتح المجال أمام المبادرة الحرة والتنظيم الأهلي والنقد والمساءلة الشعبية. وحين تُغلق هذه المساحات، تتآكل المناعة الوطنية تدريجيًا، حتى لو بقي الخطاب السياسي مرتفع النبرة.

إن ما تحققه القضية الفلسطينية اليوم من حضور عالمي غير مسبوق يحتاج إلى ما هو أبعد من الاحتفاء الخطابي أو الاستثمار الإعلامي، أو ادعاء البطولات الفردية في تحقيقه؛ بل يحتاج إلى انتقال فعلي من موقع رد الفعل إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة، تستند إلى عدة مرتكزات أساسية:

أولها، إعادة بناء الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة السياسية والكفاحية، لا على قاعدة المحاصصة أو الهيمنة أو إعادة إنتاج الانقسام بأشكال جديدة.

وثانيها، إعادة تعريف وظيفة النظام السياسي الفلسطيني، بحيث تصبح مهمته الأساسية حماية الناس وصمودهم وحقوقهم الوطنية، لا إدارة الأزمة تحت سقف الاحتلال.

وثالثها، تفعيل طاقات الفلسطينيين في الداخل والشتات، والاستفادة من التحولات الكبرى في الرأي العام العالمي، عبر بناء جبهات ضغط سياسية وقانونية وأكاديمية وشعبية عابرة للحدود.

أما الركيزة الرابعة، فهي استعادة البعد الأخلاقي التحرري للقضية الفلسطينية، بوصفها قضية شعب يناضل من أجل الحرية والكرامة والعدالة، لا مجرد ملف تفاوضي تديره النخب المغلقة أو الحسابات الفصائلية الضيقة.

لقد أثبتت التجربة أن القضية الفلسطينية تنتصر كلما اتسعت مساحة الحرية والمشاركة الشعبية، وتتراجع كلما ضاقت السياسة داخل الحسابات الفصائلية والوظيفية الضيقة. كما أثبتت أن الشعوب لا تنتصر فقط بقوة تضحياتها، بل أيضًا بقدرتها على إنتاج قيادة تاريخية توازي تلك التضحيات وتمنحها أفقًا سياسيًا جامعًا.

في الحالة الفلسطينية، تبدو الفجوة اليوم مؤلمة بين شعب يواصل دفع أثمان باهظة، وبين بنية سياسية تبدو عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى متطلبات اللحظة التاريخية.

ومع ذلك، فإن ما يجري في العالم ليس تفصيلًا عابرًا. فالتحولات الكبرى تبدأ غالبًا من تراكمات أخلاقية وشعبية تبدو في بدايتها محدودة، قبل أن تتحول إلى وقائع سياسية يصعب وقفها. وما يتعرض له المشروع الصهيوني اليوم من اهتزاز عميق في صورته قد يشكل بداية تحوّل تاريخي طويل المدى، شرط أن يمتلك الفلسطينيون القدرة على تحويل معاناة شعبهم وصمودهم إلى مشروع وطني تحرري متجدد.

فالقضية الفلسطينية لم تعد تفتقر إلى عدالة الرواية، ولا إلى حضورها العالمي المتصاعد، بل إلى قيادة تغادر المنطقة الرمادية؛ بين مقاومة بلا أفق سياسي جامع، وسلطة بلا مشروع وطني فعلي.

وما لم يُحسم هذا الالتباس، سيبقى العالم يتغير لصالح فلسطين، فيما يظل الفلسطينيون عاجزين عن تحويل ذلك إلى إنجاز تاريخي يوازي تضحياتهم، ويسرّع في فتح أبواب الحرية على مصاريعها.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:05 صباحًا - بتوقيت القدس

متى الردّ على وقاحة نتنياهو؟

في خطوة تكشف بوضوح الطبيعة الحقيقية للمخططات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، أعلن رئيس حكومة الاحتلال، نتنياهو، قراره احتلال 70% من قطاع غزّة، في تصعيد خطير لا يمكن وصفه إلا بأنه تجديدٌ مباشرٌ لحرب الإبادة الجماعية التي تعرّض لها أبناء شعبنا أكثر من عامين. لا يمثّل هذا القرار مجرّد إجراء عسكري أو تكتيكاً حربياً، بل يشكل جزءاً من مشروع متكامل للتطهير العرقي، يهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وتدمير مقوّمات حياتهم الوطنية والإنسانية.

تتضاعف خطورة هذا الإعلان لأنه يأتي مترافقاً مع تصريحات سابقة لوزير جيش الاحتلال، يسرائيل كاتس، عمّا سمّاها "الهجرة الطوعية" لسكان غزّة، وهي تسمية مضللة لعملية تهجير قسري ممنهجة، ترقى إلى مستوى جريمة حرب مكتملة الأركان. فالحديث عن السيطرة على غالبية مساحة القطاع يعني عملياً دفع أكثر من مليوني فلسطيني إلى مزيدٍ من الحصار والتجويع والتشريد، وتحويل غزّة إلى منطقة غير قابلة للحياة، في محاولةٍ لفرض واقع جديد بالقوة العسكرية والإرهاب الجماعي، خصوصاً بعد أن أقدمت حكومة نتنياهو على مسح كل وجود للحياة أو البناء في المناطق التي تحتلها من قطاع غزّة، والتي وصلت نسبتها حتى إعلان نتنياهو إلى 64% من مساحة القطاع، في ما يمثل تكراراً حرفياً للتدمير الذي قامت به عصابات الحركة الصهيونية وحكومة إسرائيل في ما لا يقل عن 523 قرية وبلدة فلسطينية عام 1948، وينتمي إليها كثيرون من سكان قطاع غزّة اللاجئين، الذين تطاردهم إسرائيل بالتطهير العرقي المرّة تلو الأخرى.

أثبتت الشهور الماضية أن حكومة نتنياهو لا تعبأ بأي قانون دولي أو اعتبارات إنسانية، بل تستند إلى شعور كامل بالإفلات من العقاب نتيجة التواطؤ الأميركي والصمت الدولي المخزي. فمنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ارتكب جيش الاحتلال ما يقارب ثلاثة آلاف خرق موثق للاتفاق، أدّت إلى استشهاد نحو 930 فلسطينياً وإصابة ما يقارب ثلاثة آلاف، رغم أن الجانب الفلسطيني لم يقابل هذه الخروق بأي ردٍّ عسكري. ومع هذا، لم نشهد أي تحرّك دولي جدّي لمحاسبة إسرائيل، أو حتى ممارسة ضغط فعلي عليها لوقف جرائمها.

شجّع هذا الصمت الدولي نتنياهو على المضي في سياسات التوسع والاحتلال وتجديد العدوان. بل إن نتنياهو، من خلال إعلاناته المتكرّرة وخروقه المتواصلة، لم يتردّد في إهانة جميع الوسطاء الدوليين والعرب، بما فيهم الإدارة الأميركية نفسها، والرئيس دونالد ترامب، وكل الجهات التي تحدثت عن ترتيبات لوقف الحرب أو ما يسمّى "مجلس السلام". ورغم هذا، ما زال الموقف الأميركي يفتقر إلى أي إجراءات رادعة حقيقية، بينما تواصل بعض الدول الغربية تقديم الغطاءين، السياسي والعسكري، لحكومة الاحتلال.

لا يمكن فصل ما يجري في قطاع غزّة عما يحدث في الضفة الغربية، حيث تتصاعد اعتداءات المستوطنين الإرهابيين وعمليات التوسع الاستيطاني والاقتحامات العسكرية اليومية، في إطار مشروع استعماري واحد، هدفه تكريس الاحتلال ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، فالحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم أكثر القوى تطرّفاً وعنصرية في تاريخ إسرائيل، تسعى إلى استغلال حالة العجز الدولي لفرض وقائع نهائية على الأرض عبر القوة العسكرية والإرهاب المنظم، مضمونها الضم والتهويد والتطهير العرقي.

لقد بات واضحاً أن الحركة الصهيونية لا تريد سلاماً ولا حلاً سياسياً، بل تسعى إلى فرض معادلةٍ تقوم على التهجير والإخضاع بالقوة العارية. وما يجري اليوم في غزّة يمثل أخطر مرحلة في المشروع الإسرائيلي منذ عقود، لأن الهدف ليس فقط إخضاع الفلسطينيين، بل محاولة اقتلاعهم بالكامل وتصفية القضية الفلسطينية ومحاولة تحويل ما يتبقى منها إلى مسألة إنسانية بلا أبعاد سياسية أو وطنية. وقد تجاوزت وقاحة نتنياهو كل الحدود، عندما أعلن تأييده رؤية إسرائيل الكبرى التي تضم ليس فقط كل فلسطين والأردن ولبنان، بل ثلثي سورية ونصف العراق وجميع الكويت وثلث السعودية ونصف مصر. وللأسف لم يسمع نتنياهو ردّاً حاسماً على هذه الوقاحة.

ومن هنا، تقع المسؤولية الأخلاقية والسياسية والقانونية على عاتق المجتمع الدولي بأسره، وخصوصاً الدول العربية والإسلامية ودول الاتحاد الأوروبي، التي لا يجوز لها الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة الشكلية. المطلوب اليوم اتخاذ خطوات عملية وفورية لوقف هذا الانحدار الخطير نحو كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة. فقد أصبح فرض مقاطعة شاملة وعقوبات فورية على حكومة نتنياهو ضرورة ملحة، بما في ذلك فرض حظر عسكري كامل ووقف كل أشكال التعاون التي تساهم في استمرار العدوان، فالتاريخ أثبت أن الأنظمة التي تمارس الاحتلال والعنصرية والأبارتهايد لا تتراجع إلا تحت ضغط حقيقي وعزلة دولية شاملة، كما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. كذلك إن القوى الحية في العالم، من حركات التضامن والنقابات والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان، مطالبة اليوم بتصعيد حملات المقاطعة والعزل السياسي والأكاديمي والاقتصادي لإسرائيل، دفاعاً عن القيم الإنسانية وعن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة والاستقلال.

يواصل الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له من قتل وتجويع وتشريد، صموده الأسطوري وتمسّكه بأرضه وحقوقه الوطنية. وكل محاولات كسر إرادته أو تهجيره ستفشل كما فشلت كل المشاريع الاستعمارية السابقة. فغزة، التي أصبحت رمزاً عالمياً للصمود والمقاومة الإنسانية، ستبقى شاهدة على فشل القوة العسكرية في إخضاع الشعوب التي تناضل من أجل حريتها.

وإذا لم يتحرّك العالم اليوم لوقف هذه الجرائم، لن تتوانى إسرائيل عن تجديد حرب الإبادة وستجر المنطقة بأسرها إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار، وستتحمّل القوى المتواطئة والصامتة المسؤولية الكاملة عن حمام الدم الذي تعمل حكومة نتنياهو على جرّ فلسطين ولبنان والمنطقة بكاملها إليه. ... فمتى يأتي الردّ على نتنياهو؟

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 8:04 صباحًا - بتوقيت القدس

الشركة الفلسطينية للمحروقات: من التبعية إلى الشراكة

حين أُعلن عن إنشاء الشركة الفلسطينية للمحروقات، كان السؤال الأول على لسان المواطن: هل سينخفض سعر البنزين غدًا؟ وهو سؤال مشروع في ظل الضغوط المعيشية الحالية. لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يُطرح هو: هل نحن أمام ولادة ذراع اقتصادية استراتيجية جديدة للدولة الفلسطينية، أم مجرد إعادة تنظيم للسوق ضمن المنظومة ذاتها؟

فنحن لا نتحدث عن شركة صغيرة أو قطاع محدود الأثر، بل عن سوق يتجاوز حجمه 10 مليارات شيكل سنويًا، ويستهلك أكثر من 1.4 مليار لتر من المشتقات النفطية كل عام، بمتوسط يقارب أربعة ملايين لتر يوميًا، أي ما يعادل ملء نحو 1600 صهريج يوميًا. كما يشكل قطاع المحروقات أحد أهم مصادر الإيرادات العامة، إذ تقدر الإيرادات الضريبية المرتبطة به بنحو 3.3 مليار شيكل سنويًا، أي ما يعادل قرابة ثلث إيرادات المقاصة غير المحولة.

ومن هنا، فإن أي تغيير في طريقة إدارة هذا القطاع لا يقتصر أثره على محطات الوقود أو شركات التوزيع، بل يمتد إلى المالية العامة والاستثمار والنقل والزراعة والصناعة والتجارة، وإلى قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود في مواجهة الأزمات.

ويأتي هذا القرار في توقيت اقتصادي شديد الحساسية. فالاقتصاد الفلسطيني يواجه أزمة مقاصة مستمرة، ودينًا عامًا يقترب من 47 مليار شيكل، وضغوطًا متزايدة على الموازنة العامة، وتراجعًا في مستويات السيولة. وفي ظل هذه التحديات، تصبح الحاجة ملحة إلى أدوات اقتصادية جديدة قادرة على توليد الإيرادات وتعزيز الاستثمار وتقليل مستويات التبعية الاقتصادية.

المعطيات الأولية المتداولة حول الشركة الجديدة تشير إلى نموذج شراكة يجمع بين الحكومة والقطاع الخاص، بحيث تمتلك الحكومة 51% من رأس المال مقابل 49% للقطاع الخاص. وإذا ما تم تثبيت هذا النموذج رسميًا، فإننا سنكون أمام تجربة مختلفة عن الشركات الحكومية التقليدية، حيث تحتفظ الحكومة بالدور السيادي والاستراتيجي، بينما يساهم القطاع الخاص بالاستثمار والخبرة التشغيلية والمرونة الإدارية.

لكن أهمية هذا النموذج لا تقتصر على قطاع المحروقات فحسب، بل تفتح الباب أمام نقاش اقتصادي أوسع يتعلق بشكل النموذج الاقتصادي الفلسطيني خلال السنوات المقبلة. فبينما قامت التجربة الاقتصادية الفلسطينية خلال العقود الماضية على تشجيع القطاع الخاص والاستثمار والمنافسة، يبدو أن المرحلة الحالية تدفع نحو دور أكبر للدولة في بعض القطاعات الاستراتيجية، ولكن من خلال شراكات اقتصادية لا تلغي دور القطاع الخاص بل تعيد صياغته.

فالتحول الأهم لا يتمثل فقط في إنشاء الشركة، بل في الفصل بين الدور التنظيمي والدور التجاري. فاستمرار الهيئة العامة للبترول في رسم السياسات والإشراف على القطاع، مقابل نقل العمليات التجارية والاستثمارية إلى شركة متخصصة، يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الشفافية ورفع الكفاءة وتحسين الإدارة المهنية لهذا القطاع الحيوي.

وعلى مدار العقود الماضية، بقيت فلسطين تعتمد بصورة شبه كاملة على السوق الإسرائيلية في تزويدها بالمحروقات. ورغم الاعتقاد السائد بأن بروتوكول باريس الاقتصادي يمنع استيراد الوقود من الخارج، فإن الحقيقة مختلفة. فالاتفاقية تتيح من حيث المبدأ الاستيراد من مصادر خارجية ضمن شروط وإجراءات محددة، إلا أن التحدي ظل دائمًا مرتبطًا بالبنية التحتية والقدرات اللوجستية والتمويلية اللازمة لذلك.

وهنا تبرز إحدى أهم الفرص التي يمكن أن تخلقها الشركة الجديدة، فالقضية ليست فقط في شراء الوقود، بل في بناء منظومة وطنية متكاملة تشمل التخزين الاستراتيجي، وتنويع مصادر التوريد، وتحسين إدارة سلسلة الإمداد، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصدر واحد.

وفي هذا السياق، تكتسب قضية التخزين أهمية استثنائية. فمنذ سنوات دعونا في أكثر من مقال وتحليل اقتصادي إلى ضرورة الاستثمار في إنشاء صهاريج وخزانات استراتيجية للمحروقات باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي الفلسطيني. فالدول لا تقاس فقط بقدرتها على استيراد الطاقة، بل بقدرتها على تخزينها وتأمينها وإدارتها بكفاءة في أوقات الأزمات.

كما أن امتلاك سعات تخزينية كافية يتيح الاستفادة من فترات انخفاض الأسعار العالمية، ويقلل من مخاطر الانقطاعات المفاجئة أو التقلبات الحادة في الأسواق. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للشركة الفلسطينية للمحروقات قد لا تكون في توزيع الوقود بقدر ما تكون في قدرتها على الاستثمار في البنية التحتية للطاقة وتعزيز الأمن الطاقي وفتح المجال أمام استثمارات جديدة في التخزين والاستيراد وربما التكرير مستقبلاً.

وفي ظل التقلبات الجيوسياسية المتزايدة في المنطقة وأسواق الطاقة العالمية، تزداد أهمية امتلاك أدوات وطنية قادرة على تنويع مصادر التوريد وتعزيز الأمن الطاقي وتقليل أثر الصدمات الخارجية على الاقتصاد الفلسطيني.

أما المواطن الفلسطيني، فمن الطبيعي أن يتساءل عن الفائدة المباشرة التي سيحصل عليها من هذا المشروع. والإجابة الواقعية أن نجاح الشركة لن يقاس فقط بانخفاض سعر البنزين أو السولار، فالسعر النهائي ما زال يتأثر بأسعار النفط العالمية والضرائب والرسوم وتكاليف النقل والتخزين. لكن الفائدة الحقيقية قد تظهر من خلال تحسين الكفاءة التشغيلية وتقليل الفاقد وتحسين إدارة سلسلة التوريد.

وللتدليل على أهمية ذلك، فإن خفض كلف التشغيل والفاقد بنسبة 2% فقط من سوق تتجاوز قيمته 10 مليارات شيكل سنويًا قد يعني توفير أكثر من 200 مليون شيكل سنويًا، وهي أموال يمكن إعادة ضخها في الاقتصاد الفلسطيني أو استثمارها في مشاريع استراتيجية جديدة.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه التجربة سيظل مرهونًا بعامل واحد أساسي: الحوكمة. فالتاريخ الاقتصادي لا يقيس نجاح المؤسسات بحجم رأس المال أو حجم الطموحات، بل بقدرتها على العمل وفق قواعد الشفافية والمساءلة والكفاءة والاستقلالية المهنية. وهنا أقول بكل وضوح: إن نجاح هذه الشركة أو فشلها سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرتنا على بناء مؤسسات تعمل بمعايير مهنية بعيدًا عن المحاصصة والتعيينات غير المبنية على الكفاءة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بالوقود أو بمحطات التوزيع أو بأسعار البنزين. القضية أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بقدرة الفلسطينيين على بناء مؤسسات اقتصادية استراتيجية قادرة على إدارة موارد حيوية، وجذب الاستثمار، وتعزيز الإيرادات العامة، وتقليل التبعية الاقتصادية في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا التي يمر بها الاقتصاد الفلسطيني.

فإذا نجحت هذه التجربة، فلن تكون مجرد شركة جديدة في السوق، بل ربما أول ذراع اقتصادية سيادية فلسطينية قادرة على تحويل التبعية إلى شراكة، والاستهلاك إلى استثمار.


اسرائيليات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 7:09 صباحًا - بتوقيت القدس

توبيخ وصرخات.. كواليس مكالمة عاصفة بين ترامب ونتنياهو بشأن التصعيد في لبنان

كشفت مصادر إعلامية مطلعة عن تفاصيل مكالمة هاتفية عاصفة جرت يوم الإثنين الماضي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وبحسب التقارير، فقد ساد التوتر الشديد أجواء الاتصال على خلفية التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في الأراضي اللبنانية، والذي اعتبره ترامب تجاوزاً للتفاهمات القائمة.

ونقلت مصادر عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب وجه انتقادات لاذعة وحادة لنتنياهو، حيث وصفه بـ 'المجنون' خلال نوبة غضب واضحة. وتساءل الرئيس الأمريكي بلهجة صارخة: 'ماذا تفعل بحق الجحيم؟'، في إشارة إلى استيائه من القرارات العسكرية الإسرائيلية التي اتُخذت مؤخراً في بيروت وضواحيها.

ولم يتوقف توبيخ ترامب عند حد انتقاد العمليات العسكرية، بل امتد ليشمل الجانب السياسي والعلاقات الثنائية بين الطرفين. فقد اتهم ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بعدم إظهار التقدير والامتنان الكافي للدعم اللامحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل في مواجهاتها العسكرية المختلفة.

ميدانياً، كان نتنياهو قد أصدر تعليمات مباشرة للجيش الإسرائيلي بتنفيذ ضربات جوية مكثفة استهدفت مواقع في الضاحية الجنوبية لبيروت. وجاء هذا التصعيد رغم وجود اتفاق هش لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في نوفمبر 2024، مما أثار مخاوف دولية من انهيار التهدئة والعودة لمربع المواجهة الشاملة.

وفي سياق ردود الفعل الدولية، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة تمثل خرقاً صريحاً للاتفاقات التي تم التوصل إليها في أبريل الماضي. وحذر عراقجي من أن استمرار هذه الانتهاكات سيؤدي حتماً إلى انهيار كامل للتفاهمات، محملاً واشنطن وتل أبيب المسؤولية عن أي تداعيات مستقبلية.

من جانبه، حاول ترامب لاحقاً تلطيف الأجواء بوصف المكالمة بأنها كانت 'مثمرة' في نهاية المطاف، رغم بدايتها المتفجرة. وأشار إلى أنه وضع خطوطاً حمراء لنتنياهو، طالباً منه بشكل صريح عدم الانجرار إلى عملية عسكرية واسعة النطاق داخل العاصمة اللبنانية بيروت أو اجتياحها برياً.

وفي تطور لافت، ادعى ترامب عبر منصته 'تروث سوشيال' أنه أجرى اتصالات مع قيادات مرتبطة بحزب الله، مشيراً إلى التوصل لاتفاق مبدئي للحفاظ على الهدوء. وأعرب الرئيس الأمريكي عن أمله في أن يصمد وقف إطلاق النار هذا 'إلى الأبد'، في محاولة منه لتصوير نفسه كوسيط قادر على لجم التصعيد.

إلا أن الموقف الإسرائيلي بدا متمسكاً بخياراته العسكرية، حيث رد نتنياهو عبر منصة 'إكس' مؤكداً فحوى ما أبلغه لترامب خلال المكالمة. وشدد نتنياهو على أن إسرائيل لن تتوقف عن ملاحقة ما وصفها بـ 'الأهداف الإرهابية' في أي مكان، بما في ذلك بيروت، إذا استمرت التهديدات الموجهة للمدن الإسرائيلية.

وتعكس هذه المشادات الكلامية المسربة عمق الفجوة المتزايدة بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية الحالية بشأن إدارة الملف اللبناني. وبينما تسعى واشنطن لتثبيت التهدئة ومنع اشتعال جبهة الشمال، يصر الجيش الإسرائيلي على مواصلة عملياته في جنوب لبنان والعمق اللبناني وفقاً لخططه العملياتية المقررة مسبقاً.

اقتصاد

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 5:24 صباحًا - بتوقيت القدس

ترقب في الأسواق العالمية لنتائج المحادثات الإيرانية وتداعيات تهدئة لبنان

سيطرت حالة من الترقب المشوب بالحذر على تعاملات الأسواق العالمية اليوم الثلاثاء، حيث انصب اهتمام المستثمرين على تقييم تداعيات اتفاق وقف إطلاق النار الجزئي بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي. وتتزامن هذه التطورات مع متابعة دقيقة لمسار المفاوضات المتسارعة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مخاوف مستمرة من تقلبات التضخم ومستقبل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي.

حافظت أسعار النفط على مستوياتها المرتفعة التي سجلتها مؤخراً، رغم حالة عدم اليقين التي تكتنف مستقبل المحادثات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران. ويراقب المتعاملون احتمالات إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل أمام الملاحة الدولية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار المعروض النفطي في الأسواق العالمية التي تعاني من ضغوط جيوسياسية متلاحقة.

على صعيد الأرقام، شهدت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.06 بالمئة لتستقر عند 95.04 دولار للبرميل، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.18 بالمئة ليصل إلى 91.99 دولار. وتأتي هذه التحركات بعد قفزة سعرية تجاوزت 5 بالمئة في الجلسة الماضية، تأثراً بتصريحات متضاربة حول تعليق طهران للمفاوضات غير المباشرة مع الجانب الأمريكي.

في سوق المعادن الثمينة، استقر سعر الذهب في المعاملات الفورية عند مستوى 4484.49 دولار للأوقية، في ظل موازنة المستثمرين بين المخاطر السياسية في الشرق الأوسط والبيانات الاقتصادية المرتقبة. كما سجلت العقود الأمريكية الآجلة للذهب صعوداً طفيفاً بنسبة 0.2 بالمئة، مما يعكس استمرار جاذبية المعدن الأصفر كأداة للتحوط في الأزمات.

تتجه أنظار المحللين الاقتصاديين نحو الولايات المتحدة بانتظار صدور تقرير الوظائف غير الزراعية وبيانات التوظيف الرسمية في وقت لاحق من هذا الأسبوع. وتعد هذه البيانات حاسمة لتحديد توجهات مجلس الاحتياطي الاتحادي بشأن السياسة النقدية وأسعار الفائدة، خاصة مع تزايد الضغوط التضخمية المرتبطة بالتوترات الإقليمية في المنطقة العربية.

بالنسبة لسوق العملات، حافظ الدولار الأمريكي على استقراره النسبي مع تبني المستثمرين استراتيجية الانتظار والترقب لمسار التهدئة الإقليمية. وقد تراجع مؤشر الدولار قليلاً عن مكاسبه السابقة عقب الإعلان عن تفاهمات لبنانية لخفض التصعيد، إلا أن الحذر لا يزال سيد الموقف بسبب هشاشة الاتفاقات القائمة بين القوى الكبرى.

أفادت مصادر تحليلية بأن الأسواق تراهن حالياً على إمكانية توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً مقابل تمديد وقف إطلاق النار لمدة شهرين إضافيين. ويهدف هذا التمديد المفترض إلى منح فرصة أكبر للمفاوضات المتعلقة ببرنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني، وهو ملف حيوي يؤثر بشكل مباشر على شهية المخاطرة لدى المستثمرين.

أكدت الخبيرة الاقتصادية كريستينا كليفتون أن أي انفراجة حقيقية في الملفات السياسية العالقة قد تؤدي إلى تراجع الطلب على الدولار كملجأ آمن. وأوضحت أن استقرار الملاحة البحرية وتدفقات الطاقة يمثلان الركيزة الأساسية لتهدئة الأسواق، مشيرة إلى أن التفاهمات الجيوسياسية ستظل المحرك الرئيسي لأسعار السلع والعملات خلال الفترة المقبلة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 4:54 صباحًا - بتوقيت القدس

مخاوف من الانقسام في السودان عقب تشكيل 'الدعم السريع' مجلساً للأمن والدفاع

تتصاعد المخاوف في السودان من انزلاق البلاد نحو سيناريوهات الانقسام والتشظي، عقب التحركات السياسية الأخيرة التي اتخذتها قوات الدعم السريع. وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار النزاع المسلح الذي تجاوز عامه الثالث، مما يهدد بتحويل الصراع من مواجهة عسكرية ميدانية إلى مرحلة بناء مؤسسات سيادية موازية للدولة.

وفي خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أعلنت ما تُعرف بـ'حكومة تأسيس'، وهي الجناح السياسي لقوات الدعم السريع، عن تشكيل مجلس للأمن والدفاع في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ويهدف هذا التحرك بحسب مراقبين إلى إيجاد هياكل حكم بديلة، مما يعزز من فرضية السعي نحو الانفصال الفعلي بعيداً عن السلطة المركزية في بورتسودان.

ويعود أصل الصراع الدامي في السودان إلى منتصف أبريل من عام 2023، حين اندلعت المواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع إثر خلافات حادة حول خطط دمج الأخيرة في المؤسسة العسكرية الرسمية. وقد خلفت هذه الحرب واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح الملايين وتفشي المجاعة في مناطق واسعة.

وعلى الرغم من غموض الصلاحيات الممنوحة للمجلس الجديد، إلا أن التوقيت يشير إلى رغبة في فرض واقع سياسي جديد يسبق أي جولات تفاوضية محتملة. ويرى محللون أن هذه الخطوة تهدف إلى بناء جيش موازٍ ومؤسسات أمنية مستقلة، وهو ما يصطدم بشكل مباشر مع مفهوم الدولة الوطنية الموحدة.

من جانبه، كان قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو قد أشار في تصريحات سابقة إلى انفتاحه على مسارات سياسية لإنهاء الحرب. ومع ذلك، فإن الخطوات العملية على الأرض، مثل تشكيل المجالس السيادية، توحي بتوجهات مغايرة قد تؤدي إلى تعقيد أي حلول سلمية مستقبلية وتعميق الفجوة بين الأطراف المتصارعة.

وتواجه هذه التحركات معارضة دولية وإقليمية شديدة، حيث أكدت مصادر دبلوماسية أن الاتحاد الإفريقي ومجلس الأمن الدولي يرفضان أي محاولات لتقسيم السودان. وتشدد القوى الدولية على ضرورة الحفاظ على وحدة المؤسسات الرسمية، معتبرة أن أي كيان موازٍ يفتقر للشرعية القانونية والاعتراف الدولي.

في المقابل، تواصل القيادة العامة للجيش السوداني تمسكها بخيار الحسم العسكري واستعادة السيطرة على كافة الأراضي الوطنية. وأكد الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مناسبات عدة أن القوات المسلحة ماضية في دحر التمرد، مشدداً على عدم القبول بأي تسوية تشمل من تلطخت أيديهم بانتهاكات ضد المدنيين.

وفي سياق القراءة التحليلية لهذه الخطوة، أوضح رئيس تحرير صحيفة صوت الأمة، طاهر المعتصم أن إعلان مجلس الأمن والدفاع يمثل محاولة لرفع سقف التفاوض في أي حوار قادم. وحذر المعتصم من أن هذا المسار يمثل تهديداً وجودياً لوحدة السودان، كونه يكرس الانقسام المجتمعي والأمني ويحول دون الوصول إلى استقرار مستدام.

ويبقى المشهد السوداني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في ظل غياب أفق واضح للحل السياسي وتزايد حدة الاستقطاب المؤسسي. ومع إصرار كل طرف على مواقفه، يخشى السودانيون من أن تؤدي هذه الكيانات الموازية إلى تمزيق النسيج الوطني بشكل يصعب علاجه في المستقبل القريب.

منوعات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 4:54 صباحًا - بتوقيت القدس

جزارة مصرية شابة تخطف الأنظار بمقاطع فيديو توثق مهنتها الشاقة

شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر موجة واسعة من التفاعل والجدل عقب انتشار مقاطع فيديو لفتاة شابة تدعى منة أبو المواهب، وهي تمارس مهنة الجزارة باحترافية عالية. وتظهر منة في فيديوهاتها وهي تتعامل مع السكاكين والسواطير وتشارك بفعالية في عمليات ذبح وتجهيز الأضاحي، مؤكدة أن هذه الحرفة هي إرث عائلي تعلمته من والدها الذي ترافقه في العمل بشكل يومي.

تعتمد الشابة المصرية في تقديم محتواها على أسلوب فكاهي وبسيط يتماشى مع التوجهات الرائجة على منصات التواصل، مما ساعدها في جذب آلاف المتابعين وحصد مشاهدات مليونية في وقت قياسي. ولا تقتصر المقاطع على الجانب المهني الصرف، بل تستعرض أيضاً كواليس العمل الشاق، حيث ظهرت في أحد الفيديوهات رفقة والدها وهي تشير إلى إتمام يوم عمل مضنٍ استمر لأكثر من 21 ساعة متواصلة دون توقف.

وقد انقسمت آراء المتابعين بين مشيد بشجاعتها واعتزازها بمهنة والدها وقدرتها على تحمل مشاق عمل يتطلب قوة بدنية وجرأة، وبين من رأى في المشاهد خروجاً عن المألوف بالنسبة للفتيات في مثل عمرها. ورغم تلطخ ملابسها بالدماء وظهورها في بيئة عمل خشنة، إلا أن منة تصر على إظهار فخرها بما تقوم به، معتبرة أن العمل الشريف ليس عيباً مهما كانت طبيعته أو صعوبته.

وتعكس قصة منة أبو المواهب تحولاً في نظرة المجتمع لبعض المهن التي كانت حكراً على الرجال، حيث استطاعت من خلال هاتفها المحمول نقل صورة واقعية عن كفاحها اليومي في المذبح. وتؤكد مصادر متابعة أن هذا النوع من المحتوى يلقى رواجاً كبيراً كونه يكسر القوالب النمطية ويقدم نماذج لشباب يفتخرون بمهنهم اليدوية بعيداً عن صخب الوظائف التقليدية، مما يجعلها ملهمة للكثيرين من أبناء جيلها.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 4:24 صباحًا - بتوقيت القدس

صور أقمار صناعية تكشف تضرر 20 قاعدة أمريكية في 8 دول جراء ضربات إيرانية

كشفت تقارير إعلامية دولية استندت إلى صور حديثة ملتقطة عبر الأقمار الصناعية عن حجم الدمار الذي طال الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وأظهرت الصور تعرض ما لا يقل عن 20 قاعدة عسكرية تابعة للولايات المتحدة لأضرار متفاوتة، وذلك في أعقاب سلسلة من الهجمات التي شنتها إيران رداً على التصعيد العسكري الأخير في المنطقة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن التحليلات التي أجراها خبراء عسكريون على الصور الجوية أكدت أن الضربات شملت منشآت حيوية في ثماني دول مختلفة. وتوزعت هذه الأضرار بين دول الخليج العربي الست، بالإضافة إلى مواقع عسكرية استراتيجية في كل من العراق والأردن، مما يعكس اتساع رقعة الاستهداف الإيراني للمصالح الأمريكية.

وشملت قائمة الخسائر المادية الموثقة تدمير أو إعطاب أنظمة متطورة للدفاع الجوي ورادارات مراقبة، فضلاً عن إصابة طائرات مخصصة للتزود بالوقود كانت متوقفة في المدارج. كما طالت الانفجارات مرافق تخزين الوقود الاستراتيجية وحظائر الطائرات المحصنة، وهو ما تسبب في إرباك العمليات اللوجستية في تلك القواعد.

ولم تقتصر الأضرار على المعدات التقنية والعسكرية فحسب، بل امتدت لتشمل البنية التحتية السكنية داخل المنشآت، حيث تضررت أماكن إقامة الجنود بشكل مباشر. وتقدر التقارير الأولية أن تكلفة إصلاح هذه التلفيات وإعادة تأهيل المرافق المتضررة ستصل إلى ملايين الدولارات، بالنظر إلى دقة الأنظمة التي تم استهدافها.

وأشارت المصادر إلى أن المعلومات المسربة توضح أن حجم الدمار الحقيقي في القواعد الأمريكية بدول الخليج والعراق والأردن يتجاوز بكثير ما تم الإعلان عنه رسمياً في وقت سابق. ويرى مراقبون أن التكتم على حجم هذه الخسائر كان يهدف إلى تجنب إظهار الثغرات في المنظومات الدفاعية التي تحمي هذه القواعد الحيوية.

وفي سياق متصل، رجح محللون عسكريون أن يكون عدد المنشآت التي طالتها الصواريخ أو الطائرات المسيرة الإيرانية أكبر من الرقم المعلن حالياً. وأكد الخبراء أن بعض المواقع العسكرية قد تكون تعرضت لإصابات دقيقة لم تظهرها الصور التجارية المتاحة، مما يرفع سقف التوقعات بشأن حجم الاستنزاف الذي تعرضت له القوات الأمريكية.

من جانب آخر، تعزز هذه المعطيات ما صرح به مساعد وزير الدفاع الأمريكي للشؤون المالية، جولز جي هيرست، أمام الكونغرس في وقت سابق حول الكلفة الباهظة للمواجهة. حيث أقر المسؤول الأمريكي بأن الفاتورة الإجمالية للعمليات العسكرية المرتبطة بالتوتر مع إيران قد تجاوزت حاجز 29 مليار دولار، وهو رقم مرشح للارتفاع مع استمرار عمليات التقييم والإصلاح.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 3:40 صباحًا - بتوقيت القدس

بريطانيا تمنع دخول الإعلاميين الأمريكيين جينك أويغور وحسن بايكر بسبب مواقفهما من إسرائيل

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية بشكل مفاجئ إلغاء تأشيرات دخول المعلقين اليساريين الأمريكيين جينك أويغور وحسن بايكر، مما منعهما من المشاركة في فعاليات ثقافية وسياسية كان من المقرر عقدها في لندن وأكسفورد. وجاء في بيان مقتضب للوزارة أن وجود الشخصيتين في المملكة المتحدة قد لا يخدم الصالح العام، دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة التهديدات المفترضة.

وأكدت السلطات البريطانية أن قرارات المنع تستند إلى تقييمات دقيقة للمخاطر المحتملة على المجتمع، مشيرة إلى أن الباب يظل مفتوحاً نظرياً لتقديم طلبات تأشيرة جديدة في المستقبل. ومع ذلك، لم يتطرق البيان الرسمي إلى أي إشارات سياسية، مكتفياً بالإطار القانوني العام الذي يمنح الحكومة صلاحية استبعاد الأفراد بناءً على تقديراتها الأمنية.

في المقابل، قدم جينك أويغور، مؤسس شبكة 'ذا يونغ توركس' الإخبارية، رواية مغايرة تماماً، حيث أكد أنه مُنع من صعود الطائرة المتجهة إلى لندن بسبب مواقفه المعلنة تجاه إسرائيل. وتساءل أويغور عبر منصات التواصل الاجتماعي عن مدى جدية الغرب في حماية حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بانتقاد السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

من جانبه، ذهب المؤثر الشهير حسن بايكر إلى أبعد من ذلك، متهماً الحكومة البريطانية بالخضوع لضغوط مباشرة من الجانب الإسرائيلي لإلغاء تأشيرته. واعتبر بايكر أن هذا الإجراء يمثل استهدافاً ممنهجاً للأصوات التي تسلط الضوء على الجرائم المرتكبة في قطاع غزة وتنتقد النفوذ السياسي للوبيات الداعمة للاحتلال في العواصم الغربية.

وتزامنت هذه التطورات مع تقارير كشفت عن حملة ضغوط مكثفة مارستها منظمات مؤيدة لإسرائيل داخل بريطانيا، طالبت باستبعاد بايكر من مهرجان 'ساوث باي ساوث ويست' الدولي. واتهمت هذه المنظمات بايكر بالترويج لخطاب يحرض على الكراهية، وهي اتهامات ينفيها الأخير جملة وتفصيلاً، واصفاً إياها بمحاولات اغتيال معنوي.

وكان من المفترض أن يشارك الثنائي في ندوة نقاشية بجامعة أكسفورد العريقة، بالإضافة إلى ظهورهما في مهرجان تكنولوجي وإعلامي بارز يجمع نخبة من المؤثرين العالميين. وأوضح منظمو الفعاليات أن استضافة أويغور وبايكر كانت تهدف لتعزيز التنوع في وجهات النظر، مؤكدين أن المنصة لا تعني بالضرورة تبني آراء المتحدثين.

ويرى مراقبون أن القرار البريطاني يندرج ضمن سياق أوسع من التضييق على النشطاء والإعلاميين الذين يتبنون مواقف مناهضة للسياسات الإسرائيلية منذ أحداث السابع من أكتوبر. وتصاعدت الانتقادات الموجهة للحكومة البريطانية، حيث اعتبر حقوقيون أن استخدام 'الصالح العام' كذريعة للمنع يفتح الباب أمام تسييس الإجراءات الأمنية.

يُذكر أن جينك أويغور، البالغ من العمر 56 عاماً، يعد من أبرز الوجوه الإعلامية التقدمية في الولايات المتحدة، وقد خاض غمار المنافسة السياسية بترشحه للانتخابات الرئاسية عن الحزب الديمقراطي. وتعرف شبكته الإخبارية بملايين المتابعين الذين يستمدون منها تحليلات بديلة للروايات الرسمية السائدة في الإعلام التقليدي.

أما حسن بايكر، البالغ من العمر 34 عاماً، فقد استطاع بناء قاعدة جماهيرية ضخمة بين جيل الشباب عبر منصة 'تويتش'، حيث يقدم بثاً مباشراً يومياً يتناول القضايا السياسية بجرأة. ويُلقب بايكر بـ'صوت جيل الإنترنت اليساري'، وقد أثار مؤخراً قلق النخب التقليدية في الحزب الديمقراطي بسبب تأثيره المتزايد على الناخبين الشباب.

وتشير مصادر إعلامية إلى أن السلطات البريطانية تخشى من أن تؤدي تصريحات أويغور وبايكر إلى تأجيج التوترات الاجتماعية، خاصة في ظل الانقسام الحاد الذي تشهده البلاد حول الحرب في غزة. وتدعي هذه المصادر أن هناك مخاوف من زيادة حوادث معاداة السامية نتيجة الخطاب الذي يربط بين السياسات الإسرائيلية والنفوذ المالي والسياسي.

الجدل حول حرية التعبير في بريطانيا لم يقتصر على الداخل، بل امتد ليشمل تصريحات من مسؤولين أمريكيين سابقين، مثل دونالد ترمب وجيه دي فانس، الذين انتقدوا تراجع الحريات في المملكة المتحدة. ويأتي منع أويغور وبايكر ليعزز هذه المخاوف، خاصة وأن المنع طال شخصيات إعلامية معروفة عالمياً.

وفي محاولة لتبرير موقفها، أشارت مصادر حكومية إلى أن سياسة المنع ليست موجهة ضد تيار سياسي بعينه، مستشهدة بمنع 11 ناشطاً من اليمين المتطرف في وقت سابق من هذا العام. ومع ذلك، يرى منتقدون أن المقارنة بين نشطاء اليمين المتطرف وإعلاميين تقدميين هي مقارنة مضللة تهدف لتبرير قمع الأصوات الناقدة لإسرائيل.

ويبقى التساؤل قائماً حول مدى تأثير هذه القرارات على صورة بريطانيا كدولة تحترم التعددية وحرية الرأي، خاصة وأن المنع استهدف شخصيات لم يثبت تورطها في أي أعمال غير قانونية. ويرى باحثون أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تزيد من شعبية أويغور وبايكر وتؤكد روايتهما حول وجود رقابة سياسية.

ختاماً، يمثل منع أويغور وبايكر محطة جديدة في الصراع المستمر بين السلطات الغربية والتيارات التقدمية الصاعدة التي تتحدى السياسات الخارجية التقليدية. ومع استمرار الحرب في غزة، يبدو أن الساحة البريطانية ستظل مسرحاً لمزيد من المواجهات القانونية والسياسية حول حدود ما يمكن قوله في الفضاء العام.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 3:40 صباحًا - بتوقيت القدس

مجلس الأمن يناقش التصعيد في لبنان: تحذيرات من توغل هو الأخطر منذ عقود

عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة لمناقشة الأوضاع المتفجرة في لبنان، حيث تركزت المداولات على التحذير من التداعيات الكارثية للتصعيد العسكري الإسرائيلي المستمر. وأفادت مصادر بأن معظم أعضاء المجلس أعربوا عن قلقهم البالغ من توسيع إسرائيل لنطاق عملياتها الميدانية وسيطرتها على مناطق استراتيجية في العمق اللبناني.

وشكل وصول القوات الإسرائيلية إلى منطقة قلعة الشقيف التاريخية نقطة تحول في الجلسة، حيث اعتبرته دول عدة إنذاراً خطيراً يهدد بانهيار الاستقرار الإقليمي. وأشارت البيانات المتلوة إلى أن هذا التطور الميداني يعكس نية واضحة لتوسيع رقعة المواجهة العسكرية بعيداً عن الخطوط التقليدية.

من جانبها، شددت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة على ضرورة تراجع كافة الأطراف عن حافة الهاوية والالتزام الصارم باتفاقيات وقف الأعمال العدائية. وأكدت المسؤولة الأممية أن المسار الدبلوماسي الذي ترعاه الولايات المتحدة يظل الخيار الوحيد القابل للتطبيق لإنهاء النزاع الحالي.

وفي مداخلة حادة، أكد مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة أن ما تقوم به إسرائيل في الجنوب يرقى إلى مستوى جرائم الحرب المكتملة الأركان. وأوضح المندوب أن العمليات العسكرية تستهدف بشكل ممنهج تدمير القرى والبلدات اللبنانية وتحويل البنى التحتية الحيوية إلى ركام.

ووصف المندوب الصيني في مجلس الأمن التحركات الإسرائيلية الأخيرة بأنها الأخطر منذ ثلاثة عقود، خاصة بعد الوصول إلى قلعة الشقيف. وطالب بكين المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لفرض احترام السيادة اللبنانية وإلزام القوات الإسرائيلية بالانسحاب الفوري من الأراضي التي توغلت فيها.

بدورها، جددت فرنسا موقفها الداعم للمفاوضات المباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي تحت المظلة الأمريكية لضمان أمن الحدود. واعتبر المندوب الفرنسي أنه لا يوجد مبرر منطقي لاستمرار العمليات العسكرية الواسعة التي تشنها إسرائيل في الأراضي اللبنانية في الوقت الراهن.

وحذر الجانب الفرنسي من أن سقوط الضحايا المدنيين في لبنان يؤدي إلى نتائج عكسية تضعف السلطة المركزية اللبنانية وتعزز من نفوذ القوى المسلحة. وأكدت باريس أن استقرار لبنان يمثل أولوية قصوى للأمن والسلم الدوليين، داعية إلى تغليب لغة الحوار على لغة السلاح.

في المقابل، دافع المندوب الأمريكي عن الموقف الإسرائيلي، محملاً حزب الله المسؤولية عن اندلاع المواجهات الحالية. واتهم المندوب الحزب باستخدام الأراضي اللبنانية كمنصة لإطلاق القذائف والصواريخ بشكل عشوائي باتجاه المدن والبلدات الإسرائيلية، مما استدعى رداً عسكرياً.

وعلى الصعيد السياسي، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنه لا يوجد أي مبرر للتصعيد الكبير الذي يشهده جنوب لبنان حالياً. وشدد ماكرون في تصريحات رسمية على ضرورة الوقف الدائم والنهائي للقتال، مؤكداً التزام بلاده بدعم سيادة الدولة اللبنانية على كامل ترابها.

وكان وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو قد بادر بطلب عقد هذا الاجتماع الطارئ للمجلس، مستخدماً ثقل فرنسا كعضو دائم العضوية. وتهدف التحركات الفرنسية إلى حشد إجماع دولي يضغط باتجاه التهدئة ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية المكثفة في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الجنوب اللبناني إلى ساحة صراع مفتوحة طويلة الأمد. ويبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستسفر عنه الضغوط الدولية في كبح جماح العمليات العسكرية والعودة إلى طاولة المفاوضات السياسية.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 3:40 صباحًا - بتوقيت القدس

دراسة بحثية جديدة تضع المقاومة الفلسطينية في ميزان حركات التحرر العالمية

أصدرت مصادر بحثية كتاباً جماعياً جديداً يحمل عنوان 'المقاومة الفلسطينية في سياق حركات التحرر العالمية: دراسة مقارنة في البنى والإستراتيجيات'. أشرف على تحرير هذا العمل الأكاديمي نخبة من الباحثين، من بينهم عز الدين عبد المولى وفاطمة الصمادي، لتقديم قراءة تحليلية معمقة تربط النضال الفلسطيني بالتجارب التاريخية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

ينطلق الكتاب في أطروحته من حدث 'طوفان الأقصى' باعتباره محطة تاريخية فارقة أعادت صياغة الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية. ويسعى الباحثون من خلال فصول الكتاب إلى انتشال الحدث من القراءات الآنية الضيقة، ووضعه في سياقه الطبيعي كجزء من مسيرة طويلة لمواجهة الاستعمار الاستيطاني والهيمنة الدولية التي شهدها العالم على مدار العقود الماضية.

يعتمد العمل على منهج التاريخ المقارن كأداة أساسية لفهم الظواهر المقاومة، حيث يتوزع على عشرة فصول تتناول مسارات المقاومة منذ عهد الشيخ عز الدين القسام وصولاً إلى المواجهات الراهنة. كما يسلط الضوء على البعد الرمزي والإعلامي المؤثر، خاصة في خطابات الناطق العسكري 'أبو عبيدة' وقدرتها على تشكيل الوعي الجمعي.

تتضمن الدراسة مقارنات معمقة مع الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، والتجربة الفيتنامية في حرب العصابات، بالإضافة إلى نضال جنوب إفريقيا ضد نظام الفصل العنصري 'الأبارتهايد'. ويهدف هذا التنوع إلى تفكيك أنماط الاستعمار والكشف عن القواسم المشتركة في بنى الصراع وإستراتيجيات التحرر الوطني عبر القارات المختلفة.

يشير الكتاب إلى أن المقاومة الفلسطينية، رغم خصوصيتها المرتبطة بطبيعة المشروع الصهيوني، تشترك مع حركات التحرر العالمية في ديناميات الصراع غير المتكافئ. ويبرز الكتاب أهمية الجمع بين الكفاح المسلح والتعبئة الجماهيرية والدعم الخارجي، مع ملاحظة التفوق الفلسطيني المعاصر في كثافة الحضور الرمزي والإعلامي في الفضاء الرقمي.

وفي سياق تحليل البنية الاستعمارية، يوضح الكتاب التشابهات الجوهرية بين الممارسات الأوروبية القديمة في المستعمرات وبين السياسات الإسرائيلية المتمثلة في مصادرة الأراضي والإحلال السكاني. ويؤكد الباحثون أن العنف المنهجي الممارس يهدف إلى إعادة تشكيل المجال السكاني والسياسي بما يخدم أهداف القوى الاستعمارية الاستيطانية.

يخلص الإصدار الجديد إلى أن إدراج التجربة الفلسطينية ضمن هذا الإطار العالمي يتيح فهمًا أعمق لموازين القوة والشرعية في النظام الدولي الحالي. وتساعد هذه المقاربة على بناء إطار تفسيري يتجاوز الحدود الجغرافية، مؤكدة أن المقاومة ظاهرة تاريخية مركبة تتطور أدواتها باستمرار لتشمل معارك الصورة والمعنى في العصر الرقمي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 3:09 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يتوقع إبرام اتفاق مع إيران الأسبوع المقبل يشمل فتح مضيق هرمز

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن توقعاته بقرب التوصل إلى اتفاق رسمي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال الأسبوع القادم، يهدف إلى تمديد العمل باتفاق وقف إطلاق النار القائم حالياً. وأوضح ترمب أن التفاهمات المرتقبة ستتضمن بنداً حيوياً يقضي بمعاودة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وهو ما يمثل انفراجة كبيرة في الأزمة التي عصفت بالمنطقة منذ مطلع العام الجاري.

وتأتي هذه التطورات بعد مواجهات عسكرية مباشرة اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حين بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات عسكرية ضد إيران، والتي ردت بدورها باستهداف مواقع إسرائيلية ومصالح أمريكية في عدة دول عربية. وقد نجحت الوساطات الدولية في فرض وقف مؤقت لإطلاق النار بدأ سريانه في الثامن من أبريل الماضي، لتبدأ بعدها جولات مكثفة من المفاوضات السياسية.

وفي تصريحات صحفية أدلى بها لوسائل إعلام أمريكية، أكد ترمب أن مسار المفاوضات يسير بشكل إيجابي رغم وجود بعض العقبات التقنية والسياسية التي يتم التعامل معها. وأشار إلى أنه تم استكمال التفاوض على أغلب بنود الاتفاق منذ أواخر مايو الماضي، بانتظار وضع اللمسات النهائية على الترتيبات الأمنية مع طهران وعدد من الشركاء الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط.

وكشف الرئيس الأمريكي عن تدخل دبلوماسي عاجل قاده خلال الساعات الماضية لاحتواء توتر مفاجئ هدد بانهيار التفاهمات، ناتج عن استياء طهران من غارات إسرائيلية استهدفت مواقع في لبنان. وأوضح ترمب أنه أجرى اتصالات مباشرة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك رسائل وجهت لحزب الله ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لضمان العودة إلى حالة التهدئة الشاملة ومنع انزلاق الأوضاع مجدداً.

وشدد ترمب على أن خيار السلام والتوصل إلى اتفاق سياسي يظل الأولوية القصوى للإدارة الأمريكية، معتبراً أن إنهاء الصراع عبر الدبلوماسية قد يحقق نتائج تفوق ما يمكن إحرازه عبر الحسم العسكري. ووصف المفاوضات بأنها معقدة للغاية نظراً لحجم الدولة الإيرانية وتراكمات العداء التاريخي بين الطرفين، مؤكداً أن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن سهلاً على أي من الجانبين.

وبشأن الموعد النهائي للتوقيع على مذكرة التفاهم الخاصة بمضيق هرمز، أفاد ترمب بأن الإعلان الرسمي قد يتم خلال الأسبوع المقبل في حال حسم النقاط العالقة المتبقية. وأكد أنه لا يزال يتوخى الحذر في منح الموافقة النهائية حتى يضمن تحقيق كافة المتطلبات التي تحتاجها واشنطن وحلفاؤها، مشيراً إلى وجود رغبة حقيقية لدى الجانب الإيراني لإنهاء الأزمة الراهنة.

وتترقب الأوساط الدولية والإقليمية نتائج هذه المفاوضات التي قد تعيد صياغة التوازنات الأمنية في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة في الممرات المائية الحساسة. ويرى مراقبون أن نجاح هذا الاتفاق سيمثل نقطة تحول جوهرية في الصراع الأمريكي الإيراني، مما قد يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الاستقرار النسبي بعد أشهر من التصعيد العسكري غير المسبوق.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 2:39 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة في هزيمة يونيو: حوار متخيل بين الاستبداد والتحذير المبكر

في كل عام تطل ذكرى هزيمة الخامس من يونيو لتفتح جراحاً لم تندمل في الذاكرة العربية، حيث لا تُستدعى النكسة بوصفها مجرد انكسار عسكري عابر، بل كفشل بنيوي وتاريخي سقطت معه أوهام الدولة الشمولية. لقد كانت اللحظة كاشفة لمدى هشاشة التصورات التي قامت عليها السلطة، حيث انهارت الجيوش والطائرات لتعري واقعاً مأزوماً بين طموحات القيادة وواقع الإنسان المسحوق.

يبرز في هذا السياق اسمان شكلا قطبي الصراع الفكري والسياسي في تلك المرحلة؛ جمال عبد الناصر كرمز للمشروع القومي، وسيد قطب الذي حذر من أن الاستبداد سيقود الأمة إلى الهاوية. هذا التباين يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الحكم، وهل كانت الدولة تبني قوتها لمواجهة الأعداء أم لحماية السلطة من تطلعات الشعب نحو الحرية والكرامة؟

أفادت مصادر تحليلية بأن جوهر الأزمة يكمن في الاعتقاد بأن الأمة تُبنى عبر الأجهزة الأمنية والآلة الإعلامية الضخمة والهتافات الجماهيرية. هذا النهج أغفل حقيقة أن القوة الحقيقية تنبع من الإنسان الحر، وأن غياب العدالة الاجتماعية والسياسية يجعل من الدولة كياناً ضخماً من الخارج لكنه خاوٍ من الداخل أمام أول اختبار حقيقي.

وتشير القراءات التاريخية إلى أن الأنظمة التي رفعت شعارات التحرير والوحدة انتهت إلى واقع من التبعية والتمزق، حيث انشغلت الجيوش بحراسة الأنظمة بدلاً من حماية الحدود. وفي المقابل، استطاع الاحتلال الإسرائيلي تطوير قدراته التقنية والعسكرية ليصبح القوة الأكثر نفوذاً في المنطقة، مستغلاً حالة التراجع العربي الشاملة.

إن هزيمة يونيو لم تكن مجرد خسارة للأرض، بل كانت انكشافاً كاملاً لعقلية ظنت أن الإعلام يمكن أن يحل محل الحقيقة، وأن الحشد يمكن أن يعوض غياب السياسة. لقد بنيت الدولة على الخوف من الخارج والداخل، مما أدى في النهاية إلى فقدان الشرعية الأخلاقية التي هي أساس استقرار أي نظام سياسي مستدام.

وعلى الرغم من محاولات النهوض التي تلت الهزيمة، إلا أن العقل الذي صنع النكسة ظل مسيطراً، حيث استمر ربط التنمية والتحرر بجهاز الدولة المركزي لا بالمجتمع. هذا الارتباط جعل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية تتآكل بمجرد ضعف السلطة، لأن المواطن لم يكن شريكاً حقيقياً بل مجرد أداة في ماكينة الحكم.

لقد رفعت الأنظمة شعارات العدالة الاجتماعية، لكنها انتهت إلى خلق طبقات جديدة من المنتفعين والمقربين من دوائر النفوذ، مما زاد من عزلة المواطن وضعفه. وبدلاً من بناء دولة المؤسسات، تم تجريف المجتمع وإلغاء السياسة، مما ترك فراغاً هائلاً لم تستطع الشعارات القومية أو الخطب الرنانة ملأه على المدى الطويل.

وتؤكد المصادر أن إقصاء الهوية والدين عن الحياة العامة ساهم في تعميق الأزمة الروحية والأخلاقية داخل المجتمع العربي، مما فتح الباب أمام صراعات فكرية حادة. فالدولة التي تخشى من شعبها وتعتمد القهر وسيلة للحكم، تظل مطاردة بالخوف مهما امتلكت من أدوات القوة والسيطرة الأمنية.

إن الصراع بين رؤية الدولة القوية ورؤية الإنسان الحر يظل قائماً حتى اليوم، حيث أثبتت التجارب أن الخبز لا يمكن أن يكون بديلاً عن الكرامة. فالمشاريع التي تنفصل عن روح الأمة وتطلعاتها الحقيقية تبقى غريبة عنها، وتفشل في تحقيق استقلال وطني حقيقي يقيها من الارتهان للخارج.

لقد كان التحذير من الاستبداد مبكراً، لكن السلطة اختارت طريق المواجهة مع المجتمع بدلاً من التصالح معه، مما أدى إلى انفجارات سياسية واجتماعية متلاحقة. إن الدولة التي تغلق أبواب السياسة وتقتل الكلمة الحرة، هي التي تمهد الطريق للهزائم العسكرية والحضارية على حد سواء.

وبالنظر إلى الحصيلة النهائية بعد عقود من النكسة، نجد أن كثيراً من الوعود بالوحدة والتحرير لم تتحقق، بل زاد التوغل الإسرائيلي في المنطقة سياسياً وأمنياً. هذا الواقع يفرض ضرورة إعادة قراءة التاريخ بعيداً عن العواطف، لفهم كيف أدت السياسات القمعية إلى إضعاف الأمة أمام خصومها.

المستقبل، كما يراه المحللون، لن يكون لمن يرفع الشعارات فحسب، بل لمن يستطيع بناء دولة تحترم إنسانية الفرد وتؤمن بالحرية كقيمة عليا. فالأمة لا يمكن أن تعيش طويلاً تحت وطأة الخوف، ولا يمكن لمشروع نهضوي أن ينجح دون أن يكون الإنسان هو مركزه وهدفه الأساسي.

إن الاعتراف المتأخر بالحقائق التاريخية يشير إلى أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع نصراً، وأن التفوق التقني للعدو هو نتيجة طبيعية لخلل داخلي في بنية الدول العربية. هذا الخلل يبدأ من غياب المحاسبة وينتهي بتغييب إرادة الشعوب في تقرير مصيرها واختيار قياداتها.

ختاماً، تبقى ذكرى يونيو درساً قاسياً حول مآلات الحكم الفردي وإقصاء المجتمع، حيث يثبت التاريخ أن كل ما بُني على الخوف مصيره السقوط. إن استعادة روح الأمة تتطلب العودة إلى الجذور التي تجمع بين الهوية والحرية، بعيداً عن أوهام السيطرة المطلقة التي لم تورث المنطقة سوى الانكسارات.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 2:09 صباحًا - بتوقيت القدس

اتفاق تحت النار: هل تفرض إسرائيل شروطها الميدانية على الدولة اللبنانية؟

تشهد الجبهة الشمالية تصعيداً عسكرياً غير مسبوق يتزامن مع تحركات سياسية مكثفة، حيث أطلق وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس تصريحات حازمة تعكس النوايا المبيتة تجاه لبنان. وأكد كاتس أن الهدف الاستراتيجي للعمليات العسكرية لم يتغير، متمثلاً في نزع سلاح حزب الله وإخلاء منطقة جنوب نهر الليطاني من أي تواجد مسلح.

ولم تتوقف التهديدات الإسرائيلية عند الحدود الجنوبية، بل لوح وزير الدفاع بتوسيع نطاق الضربات الجوية لتشمل كافة أحياء العاصمة بيروت. وتأتي هذه التصريحات في سياق ضغط عسكري متزايد يهدف إلى إجبار الحكومة اللبنانية على القبول بشروط أمنية تصفها أوساط سياسية في بيروت بالمجحفة والمنتقصة من السيادة.

في المقابل، برزت مؤشرات ميدانية توحي باحتمالية توسيع العملية البرية لتشمل السيطرة على نقاط استراتيجية مثل قلعة الشقيف. ويرى مراقبون أن هذه التحركات تهدف إلى خلق واقع جغرافي جديد يمنح الاحتلال تفوقاً في أي مفاوضات سياسية مقبلة، وهو ما يضع الدولة اللبنانية أمام تحديات وجودية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، كشفت مصادر عن حراك دولي تقوده الولايات المتحدة لترتيب لقاء مرتقب بين وفدين عسكريين من لبنان وإسرائيل. ومن المقرر أن تستضيف وزارة الخارجية الأمريكية هذه المباحثات التي تهدف إلى بحث آليات تطبيق القرار الدولي 1701 وإنهاء حالة الصراع المشتعلة.

من جهته، جدد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري تأكيده على تمسك لبنان بالشرعية الدولية والقرار 1701 كإطار وحيد للحل. وشدد بري على أن الأولوية القصوى هي لوقف إطلاق النار الشامل والكامل، معتبراً أن أي حديث عن ترتيبات أمنية يجب أن يبدأ بوقف الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية.

ورغم الضغوط الدولية، أعلن الجانب اللبناني بوضوح رفضه القاطع لأي شروط تتضمن تراجع حزب الله عن مواقعه أو المساس بترسانته العسكرية. وتعتبر القوى السياسية الداعمة للمقاومة أن سلاح الحزب هو الضمانة الوحيدة لمنع التغول الإسرائيلي في العمق اللبناني، مما يجعل هذا الملف عقدة المنشار في المفاوضات.

ويرى محللون أن المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية تواجه خطر الفشل الذريع إذا أصرت تل أبيب على طلب 'التنازل التام' من بيروت. فالموقف الشعبي والسياسي في لبنان يبدو منقسماً، إلا أن هناك إجماعاً على رفض أي اتفاق يشرعن الاحتلال أو يمنحه غطاءً قانونياً للتدخل في الشؤون الأمنية اللبنانية.

وفي حال تم التوقيع على اتفاق بشروط إسرائيلية، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية حدوث هزات سياسية كبرى داخل لبنان قد تؤدي لسقوط الحكومة. ويحذر مراقبون من أن الشارع اللبناني لن يقبل بتقديم تنازلات سيادية تحت وطأة القصف، مما قد يعيد البلاد إلى مربعات الصدام الداخلي.

وعلى المسار الإقليمي، يرتبط الملف اللبناني بشكل وثيق بالمفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن حول الملفات العالقة في المنطقة. وتشعر إسرائيل بقلق متزايد من احتمالية تهميش دورها في أي تفاهمات أمريكية-إيرانية قد تشمل ترتيبات أمنية في لبنان لا تلبي طموحاتها.

لذلك، تسعى حكومة الاحتلال إلى تخريب مسارات التقارب الدولي عبر تصعيد وتيرة العمليات العسكرية في غزة ولبنان على حد سواء. وتهدف تل أبيب من خلال هذا التصعيد إلى إرسال رسائل واضحة بأنها لن تلتزم بأي اتفاقات دولية لا تضمن لها السيطرة الأمنية الكاملة على حدودها الشمالية.

إن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية تعتمد على مبدأ 'التفاوض تحت النار'، حيث يتم استخدام القوة العسكرية المفرطة كوسيلة لانتزاع مكاسب سياسية. وتتضمن هذه الخطة زيادة وتيرة الضربات الجوية وتدمير البنية التحتية اللبنانية لزيادة الضغط الشعبي على الحكومة والمقاومة.

وتدرك إيران أن لبنان يمثل ورقة استراتيجية فائقة الحساسية في صراع النفوذ الإقليمي، ولن تسمح بكسر هذا المحور بسهولة. لذا، فإن أي اتفاق شامل في المنطقة يجب أن يمر عبر بوابة تأمين الجبهة اللبنانية بما يحفظ توازن الردع القائم منذ سنوات.

في نهاية المطاف، يبقى الميدان هو الحكم الفصل في تحديد مسار المفاوضات، حيث يسعى كل طرف لتعزيز أوراقه قبل الجلوس على طاولة البحث. وبين التهديدات الإسرائيلية بالاجتياح والتمسك اللبناني بالسيادة، تظل المنطقة مفتوحة على كافة الاحتمالات، بما فيها الانزلاق نحو حرب شاملة.

إن المشهد المعقد في لبنان يعكس صراعاً أوسع يتجاوز الحدود الجغرافية، ليصبح جزءاً من إعادة تشكيل الخارطة السياسية للشرق الأوسط. ومع استمرار القصف والدمار، تظل التساؤلات قائمة حول قدرة الدبلوماسية على لجم آلة الحرب وفرض حل عادل يحفظ للبنان استقراره وسيادته.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 2:09 صباحًا - بتوقيت القدس

إصابة 3 أطفال وهجمات واسعة للمستوطنين تستهدف الأراضي الزراعية بالضفة

تعرضت مركبة فلسطينية مساء الإثنين لهجوم عنيف من قبل مجموعة من المستوطنين أثناء مرورها قرب مستوطنة 'شيلو' الجاثمة على أراضي المواطنين جنوب مدينة نابلس. وأفادت مصادر محلية بأن المستوطنين اعترضوا طريق المركبة ورشقوها بالحجارة بشكل مباشر، مما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف ركابها.

أسفر الاعتداء عن إصابة ثلاثة أطفال كانوا داخل المركبة بجروح متفاوتة، حيث أصيب طفل يبلغ من العمر 14 عاماً بحجر في رأسه وصفت حالته بالمتوسطة. كما أصيب طفلان آخران بجروح طفيفة نتيجة تطاير شظايا الزجاج المحطم، ونقلوا جميعاً إلى مركز سنجل الطبي لتلقي العلاج اللازم.

وفي تصعيد موازٍ، أقدم مستوطنون على إضرام النيران في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المشجرة بالزيتون بين بلدتي ترمسعيا وأبو فلاح شمال شرق رام الله. وذكر شهود عيان أن النيران التهمت عدداً كبيراً من الأشجار المعمرة في المنطقة وسط محاولات الأهالي اليائسة للسيطرة على الحريق.

تدخلت قوات الجيش الإسرائيلي في المنطقة لتوفير الحماية للمستوطنين المعتدين عقب تصدي المواطنين لهم وإجبارهم على التراجع. وبدلاً من إخماد الحريق، منعت القوات الإسرائيلية طواقم الدفاع المدني الفلسطيني من الوصول إلى الموقع، مما أدى إلى اتساع رقعة النيران وزيادة الخسائر المادية.

محافظة نابلس لم تكن بمنأى عن هذه الهجمات، حيث أضرم مستوطنون النار في أراضٍ زراعية بقرية دوما جنوب المدينة. وتركزت الحرائق قرب مدخل القرية، مما تسبب في تضرر عشرات أشجار الزيتون التي تشكل مصدر رزق أساسي للعائلات الفلسطينية في تلك المنطقة الريفية.

وفي شرق رام الله، أفاد مزارعون بأن مستوطنين قاموا بإتلاف محاصيل زراعية عبر إطلاق مواشيهم للرعي داخل أراضي المواطنين الخاصة. وتأتي هذه الخطوة ضمن سياسة ممنهجة للتضييق على المزارعين ودفعهم لترك أراضيهم تمهيداً للاستيلاء عليها لصالح التوسع الاستيطاني.

تشهد مدن وقرى الضفة الغربية تصاعداً غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين والجيش منذ بدء العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023. وتتنوع هذه الاعتداءات بين القتل المباشر، والاعتقال، وتدمير البنية التحتية والممتلكات الخاصة والعامة بشكل يومي.

وفقاً لبيانات رسمية نشرها المكتب الإعلامي الحكومي، فقد استشهد منذ السابع من أكتوبر أكثر من 1168 فلسطينياً في الضفة الغربية. كما سجلت الطواقم الطبية إصابة نحو 12 ألفاً و666 آخرين، في ظل استمرار الاقتحامات العسكرية للمخيمات والمدن الفلسطينية.

تشير الإحصائيات أيضاً إلى اعتقال قرابة 23 ألف مواطن خلال الأشهر الماضية، بالإضافة إلى تهجير 33 ألفاً من منازلهم نتيجة سياسات الهدم والضغط العسكري. وتؤكد هذه الأرقام حجم الهجمة الشرسة التي تستهدف الوجود الفلسطيني في كافة المحافظات.

تستمر هجمات المستوطنين تحت غطاء قانوني وعسكري من سلطات الاحتلال، التي تمنع الأهالي من الدفاع عن أنفسهم أو ممتلكاتهم. ويحذر مراقبون من أن إطلاق يد المستوطنين في الريف الفلسطيني سيؤدي إلى مزيد من التدهور الأمني والإنساني في المنطقة.

فلسطين

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:24 صباحًا - بتوقيت القدس

40 نقطة عسكرية و8 مواقع مستحدثة.. صور الأقمار الاصطناعية تكشف توسع الاحتلال في غزة رغم وقف إطلاق النار

كشفت صور أقمار اصطناعية حديثة التُقطت حتى مايو 2026، عن استمرار وتوسع الوجود العسكري الإسرائيلي داخل قطاع غزة، على عكس ما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار المبرم قبل سبعة أشهر. وأظهرت التحليلات الميدانية للصور الملتقطة إنشاء مواقع عسكرية جديدة وتطوير أخرى قائمة، مع إضافة تحصينات وخنادق ومناطق مخصصة لتمركز الآليات الثقيلة.

ورصدت المصادر وجود 40 نقطة عسكرية إسرائيلية موزعة على امتداد جغرافيا القطاع، من بينها 8 مواقع استُحدثت بالكامل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025. وتتوزع هذه النقاط بشكل استراتيجي بالقرب من خطوط الفصل والسيطرة، مما يعزز من قدرة جيش الاحتلال على خنق التجمعات السكانية الفلسطينية والتحكم في حركتها.

وتشير المقارنة بين الصور الملتقطة في أكتوبر 2025 ومايو 2026 إلى أن الاحتلال استغل فترة الهدوء لتعزيز بنيته التحتية العسكرية، حيث شملت المواقع الجديدة منطقتين في شمال غزة، وموقعاً في جحر الديك، وموقعين في المنطقة الوسطى، بالإضافة إلى 3 مواقع في مدينة خان يونس جنوباً.

وفي منطقة جحر الديك شرق مدينة غزة، تحولت مساحات كانت مفتوحة في أكتوبر 2025 إلى قاعدة عسكرية ناشئة بحلول مايو 2026. وأظهرت الصور المتتابعة أن الأعمال الهندسية والسواتر الترابية بدأت في مارس 2026، مما يؤكد أن البناء تم في قلب الفترة التي كان من المفترض أن تشهد انسحاباً متدرجاً.

أما في بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع، فقد كشفت الصور عن اكتمال الهيكل الخارجي لموقع عسكري جديد وتجهيزه بمرافق داخلية متطورة. وبدأت الأعمال في هذا الموقع منذ نوفمبر 2025، وتطورت تدريجياً حتى تحولت إلى نقطة عسكرية منظمة قادرة على استيعاب وحدات قتالية وآليات عسكرية بشكل دائم.

وفي انتهاك صارخ للمقدسات، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية استحداث نقطة عسكرية في مدينة خان يونس أقيمت مباشرة فوق أنقاض المقبرة الشرقية. وتكشف التجهيزات الميدانية في هذا الموقع عن وجود مساحات واسعة لتمركز الآليات وهياكل قد تُستخدم كمرافق تشغيلية أو أماكن مبيت للجنود وضباط العمليات.

ولم يقتصر الأمر على المواقع المستحدثة، بل شملت التغييرات توسعة كبيرة في النقاط العسكرية التي كانت قائمة بالفعل عند توقيع الاتفاق. ففي إحدى القواعد شرق مدينة غزة، زادت المساحة الإجمالية بنسبة تصل إلى 70%، مع إضافة تحصينات دفاعية جديدة وإعادة تنظيم الممرات الداخلية لتسهيل حركة الآليات.

وفي المنطقة الوسطى، رصدت الصور عمليات حفر خنادق عميقة حول المواقع العسكرية، وهي خطوة تشير بوضوح إلى نية الاحتلال إطالة أمد وجوده الميداني وتأمين قواته ضد أي هجمات محتملة. هذه الأعمال الهندسية تعكس توجهاً استراتيجياً نحو تحويل النقاط المؤقتة إلى قواعد دائمة ومحصنة بشكل مكثف.

ويبرز محور نتساريم كأحد أهم نقاط الارتكاز العسكري، حيث رصدت الصور وجود 3 مواقع عسكرية في محيطه لضمان استمرار فصل شمال القطاع عن جنوبه. هذا الانتشار يمنح جيش الاحتلال سيطرة نارية وميدانية كاملة على ممرات الحركة الرئيسية، مما يعيق عودة الحياة الطبيعية للمواطنين الفلسطينيين.

وتؤكد هذه المعطيات أن إسرائيل لم تلتزم ببنود الانسحاب المتدرج التي نصت عليها المبادرة الأمريكية التي طرحها دونالد ترامب. فبدلاً من إخلاء المواقع، تم تعزيزها ببنية تحتية تشمل طرقاً داخلية وسواتر ترابية ومناطق اجتماعات، مما يوحي بأن الجيش يستعد لبقاء طويل الأمد داخل حدود القطاع.

ويأتي هذا التوسع العسكري في وقت تستمر فيه الانتهاكات الميدانية، حيث سجلت وزارة الصحة استشهاد 929 فلسطينياً منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي. وتعكس هذه الأرقام هشاشة الاتفاق في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وبناء القواعد الجديدة وسط الأحياء السكنية.

وبحسب الإحصائيات الرسمية، فقد ارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي الشامل منذ أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72 ألف شهيد و172 ألف جريح. وتظهر الصور أن الوجود العسكري الحالي يطوق المناطق المأهولة بالسكان، مما يهدد بزيادة هذه الحصيلة في حال اندلاع أي مواجهات جديدة انطلاقاً من هذه القواعد.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات الهندسية تهدف إلى فرض واقع جغرافي جديد يصعب تغييره في أي مفاوضات سياسية مستقبلية. فبناء 40 نقطة عسكرية يعني تحويل قطاع غزة إلى منطقة مجزأة أمنياً، حيث تخضع كل منطقة لرقابة مباشرة من القواعد المحيطة بها، مما يقوض أي فرصة لسيادة فلسطينية حقيقية.

ومع استمرار أعمال البناء المرصودة حتى تاريخ آخر صورة في مايو 2026، يظل عدد المواقع العسكرية مرشحاً للزيادة في الأسابيع المقبلة. هذا الواقع يضع الوسطاء الدوليين أمام تحدي إلزام الاحتلال بجدول الانسحاب المتفق عليه، ومنع تحويل غزة إلى ثكنة عسكرية دائمة تحت غطاء وقف إطلاق النار.

عربي ودولي

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:24 صباحًا - بتوقيت القدس

ضغوط أمريكية تمنع هجوماً إسرائيلياً على بيروت مقابل تعهد من حزب الله

كشفت مصادر إعلامية عبرية عن ممارسة الإدارة الأمريكية ضغوطاً دبلوماسية مكثفة خلال الساعات الماضية، نجحت في الحيلولة دون تنفيذ جيش الاحتلال لهجوم واسع كان مخططاً له ضد أهداف تابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت. وجاء هذا التحرك بعد سلسلة من الاتصالات المباشرة التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وعدد من المسؤولين اللبنانيين لتطويق التصعيد.

وأعلن الرئيس ترامب أن الجانب الإسرائيلي وافق على تعليق الهجوم مقابل التزام واضح من حزب الله بوقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن مسؤولين رفيعي المستوى في واشنطن أداروا مفاوضات أفضت إلى تفاهم يقضي بوقف متبادل للهجمات. ويهدف هذا التحرك الأمريكي إلى منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة قد تقوض الجهود الدبلوماسية الرامية للتوصل إلى تهدئة مستدامة.

وجاء الإعلان عن هذا التفاهم عقب ساعات من التوتر الشديد على الجبهة اللبنانية، حيث لوحت إسرائيل باستهداف مواقع حيوية في قلب العاصمة بيروت. وأفادت مصادر بأن واشنطن كثفت اتصالاتها مع كل من بيروت وتل أبيب في سباق مع الزمن لمنع توسع رقعة المواجهة العسكرية، معتبرة أن أي تصعيد في الضاحية سيعقد المشهد السياسي الإقليمي.

وفي إطار هذه التحركات، أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مباحثات تفصيلية مع الرئيس اللبناني جوزاف عون وبنيامين نتنياهو لصياغة مسودة تفاهم تحد من التصعيد الميداني. وذكرت التقارير أن هذه المباحثات ركزت على إيجاد صيغة مقبولة للطرفين تضمن وقف العمليات الهجومية بشكل فوري كخطوة أولى نحو ترتيبات أمنية أكثر شمولاً.

من جانبه، لعب رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري دوراً محورياً عبر نقل رسائل دبلوماسية تؤكد استعداد حزب الله لوقف إطلاق النار ضمن إطار المساعي الرامية لإقناع واشنطن بالضغط على إسرائيل. وتهدف هذه الرسائل إلى سحب الذرائع التي قد تتذرع بها تل أبيب لتنفيذ ضربات جوية واسعة في العمق اللبناني، خاصة في المناطق المكتظة بالسكان.

ويتضمن المقترح الأمريكي في مرحلته الأولى وقفاً كاملاً لهجمات حزب الله الصاروخية وبالمسيرات ضد الأهداف الإسرائيلية، وفي المقابل تمتنع إسرائيل عن شن أي غارات على الضاحية الجنوبية لبيروت. ومن المقرر أن يتم توسيع هذا التفاهم في مراحل لاحقة ليشمل آليات مراقبة وترتيبات أوسع لوقف إطلاق النار على طول الحدود الشمالية.

ورغم هذا التفاهم، أكدت مصادر مطلعة أن إسرائيل قررت تعليق الهجوم بشكل مؤقت فقط، واصفة الوضع الحالي بأنه 'تجميد للوضع القائم' وليس اتفاقاً نهائياً أو ملزماً طويل الأمد. وشدد مسؤولون في تل أبيب على أن جيش الاحتلال يحتفظ بحرية العمل العسكري في لبنان، ولن يتردد في التحرك ضد ما يصفه بالتهديدات الأمنية المستقبلية إذا ما خرق الطرف الآخر التفاهمات.

وعلى الصعيد الرسمي اللبناني، أعلنت الحكومة تلقيها تأكيدات رسمية بعد اتصال هاتفي بين الرئيس جوزاف عون والوزير ماركو روبيو تفيد بموافقة حزب الله على المقترح الأمريكي. وأوضحت الحكومة أن الرئيس ترامب أبلغ السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض بحصوله على موافقة نتنياهو، مع استمرار المحادثات في العاصمة الأمريكية لدفع هذه التفاهمات نحو إطار أكثر استقراراً.

منوعات

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 12:11 صباحًا - بتوقيت القدس

محمود سعيد.. رائد الحداثة التشكيلية الذي صهر الضوء الأوروبي في الهوية المصرية

يُعد الفنان التشكيلي المصري الراحل محمود سعيد أحد أبرز أعمدة الفن الحديث في المنطقة العربية، حيث استطاع عبر مسيرته الطويلة تجسيد عشق المكان والطبيعة والإنسان في أعماله. جاءت لوحاته بمثابة انعكاس بصري عميق لرحلاته وتأملاته المستمرة، متنقلاً بين المدن والبلدان ليصطاد الضوء واللون ويضعهما في قوالب فنية فريدة.

شكلت مدينة الإسكندرية، مسقط رأسه، مصدر إلهام دائم لم تنضب منابعه، حيث منحها البحر بضوئه الخاص طابعاً مميزاً في مخيلة سعيد. ولم يتوقف شغفه عند حدود عروس المتوسط، بل امتد ليشمل رمال مرسى مطروح البيضاء التي تمنح المشاهد إشراقاً استثنائياً، وهو ما ظهر بوضوح في تدرجات الألوان داخل لوحاته التي وثقت الطبيعة المصرية.

تجاوز إبداع محمود سعيد الحدود الجغرافية المصرية ليصل إلى لبنان واليونان، حيث ظل عنصر البحر قاسماً مشتركاً في عالمه الفني. وقد أتاحت له زياراته المتكررة إلى العاصمة الفرنسية باريس الانفتاح على كبرى مدارس الفن الأوروبية، مما ساهم في إثراء تجربته وتعميق أبعادها النفسية والفلسفية بعيداً عن التقليد الجامد.

تأثر سعيد بشكل ملحوظ بإبداعات الفنان الهولندي فنسنت فان غوخ، خاصة في جوانب صدق التعبير والارتباط الوثيق بمعاناة الإنسان وحياته اليومية. ومن خلال هذا الشغف، نجح في توثيق العادات والتقاليد المصرية الأصيلة، تاركاً إرثاً فنياً يوازن بدقة متناهية بين الهوية المحلية والانفتاح على التجارب العالمية المعاصرة.

في لوحته الشهيرة 'القرية' التي أنجزها عام 1923، يتسلل الضوء المصري الدافئ بين أغصان الأشجار المائلة ليبرز جمال البيوت الطينية بألوانها الترابية. وتظهر في اللوحة امرأة ترتدي ثوباً أزرق تسير على طريق ترابي هادئ، في مشهد يلفه سكون الريف المصري الذي نجح سعيد في نقله ببراعة فائقة إلى اللوح الخشبي.

استخدم الفنان في تنفيذ 'القرية' تقنية الزيت على الخشب، متميزاً بضربات فرشاة كثيفة حافظت على حرارة اللون داخل التكوين الفني. وتتناغم في هذا العمل درجات الأخضر الزيتوني مع زرقة السماء الصافية، بينما تمنح الظلال الموزعة بعناية عمقاً بصرياً يوسع أفق المشهد ويجعله ينبض بالحياة والحركة رغم سكون اللحظة.

تحتل المرأة موقعاً محورياً في قلب تكوين لوحة 'القرية'، حيث تضفي حضوراً إنسانياً يوازن بين جمود البيوت وحيوية الطبيعة المحيطة بها. ومن خلال هذا المشهد البسيط، استطاع محمود سعيد تحويل تفاصيل الحياة اليومية العادية إلى احتفاء بصري بالجمال الكامن، وهو ما جعل أعماله تتصدر المجموعات الفنية الكبرى.

وُلد محمود سعيد عام 1897 في الإسكندرية، وبدأ حياته المهنية قاضياً قبل أن يقرر التفرغ الكامل لشغفه الفني، حيث تلقى تدريبه الأول على يد فنانين إيطاليين. وصقل خبراته لاحقاً في أكاديمية جوليان بباريس، ليدمج تلك القواعد الأكاديمية بحساسيته الخاصة تجاه الضوء والناس، لتصبح أعماله علامة فارقة في تاريخ الحداثة.

تؤكد الأرقام القياسية في سوق الفن العالمية المكانة المرموقة التي يحظى بها سعيد، حيث بيعت لوحته 'الدراويش' في عام 2010 مقابل أكثر من 2.5 مليون دولار. وتُحفظ لوحة 'القرية' اليوم ضمن مجموعة مؤسسة بارجيل للفنون في الشارقة، كشاهد على لغة بصرية حديثة تحمل هوية محلية واضحة وقدرة على محاورة العالم.