والغاية النهائية ليست إنشاء تجمعات مؤقتة، بل تأسيس مراكز استيطان طويلة الأمد تضمن الاستقرار وتكرس التوسع، لتتحول القرى الطلابية تدريجيا من مبادرات صغيرة إلى أدوات إستراتيجية في مشروع الاحتلال.
رغم مظهرها كـ"قرى طلابية" تحاكي المخيمات الصيفية وتُقدَّم بواجهة تعليمية واجتماعية، فإن هذه التجمعات تتحول عمليا إلى خط دفاع أول عن البؤر الاستيطانية غير القانونية.
فالمنح التي يحصل عليها الطلبة مشروطة بالانخراط في أنشطة زراعية وخدماتية، وأيضا نوبات حراسة ليلية لحماية المستوطنات ومزارع الرعاة.
بدأ النموذج من مستوطنة معاليه أفرايم عام 2014، ثم توسع بسرعة ليشمل الضفة الغربية والجليل وغلاف غزة، حتى وصل –وفق بيانات الجمعية– إلى 17 قرية طلابية يقطنها نحو 300 طالب.
هكذا يجري دمج التعليم والعمل التطوعي مع مهام أمنية، فيتحول الطالب من مقيم مؤقت إلى مستوطن حارس يرسخ وجود الاحتلال على الأرض.
كما تكشف تقارير إسرائيلية أن طلبة القرى يشاركون في حماية مزارع رعوية استيطانية مثل بني كيدم وتسان كيدا ومتسبيه أشتموع وعساهيل، حيث تستخدم القطعان ذريعة للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية رغم قلة عدد المستوطنين.
بعض الطالبات صرحن لصحيفة هآرتس بأن جزءا من ساعات المنحة يخصص حتى لـ حراسة الأبقار القادمة من مستوطنات مثل إيتمار، كما حصلت جمعية كيدما عام 2018 على نحو 3.8 مليون شيكل من وزارتي التعليم والزراعة وسلطات محلية، لتغطية هذه الأنشطة التي تقدّم بواجهة "التطوع الزراعي".
وتصف وزارة الزراعة هذه القرى بأنها برامج وطنية لحماية الأراضي الزراعية حتى خارج الخط الأخضر، فيما تعرفها الجمعية نفسها كـ "قاعدة انطلاق للاستيطان الدائم" وتأسيس نوى مجتمعية جديدة.
لا تكتفي الجمعيات الاستيطانية بإنشاء القرى الطلابية، بل تدير لها حملات دعائية مكثفة عبر منصات التواصل، تظهر فعاليات موسيقية ورياضية وثقافية لتسويق صورة عصرية جذابة، بعيدة عن مشهد العنف وسرقة الأراضي.
وتدير كل قرية صفحات خاصة، مثل قرى القدس والمطلة شمالًا، لتقديم الحياة في المستوطنات كخيار مثالي للشباب.
في هذا السياق، افتتحت جمعية أياليم قرية جديدة في المطلة ووصفتها بـ"البيت الجديد"، مؤكدة أن الاستيطان مهمة وطنية لحماية الحدود.
ولتثبيت هذا الوجود، تطرح أيضا فرص عمل محلية كما حدث في كرميئيل، حيث روج للقرى لأنها بوابة لمسارات مهنية مستدامة.
أما جمعية كيدما فذهبت أبعد، بربط القرى مباشرة بالمؤسسة العسكرية، فنشرت صور جنود احتياط عادوا من غزة وهم يشاركون في فعالياتها، في إشارة إلى التكامل بين الجيش والمستوطنين.
كما يظهر مسؤولو الجمعيات في مقاطع دعائية يدعون الشباب إلى الانضمام إلى "حياة مليئة بالمعنى"، تُقدَّم بوجه تعليمي وثقافي، لكنها في جوهرها أداة لتوسيع السيطرة على الأرض وترسيخ المشروع الاستيطاني.
تحظى القرى الطلابية الاستيطانية بدعم رسمي واسع يتجاوز المبادرات الفردية، إذ جرى التعامل معها في الكنيست كـ"تجمعات حدودية" تعزز لأسباب أمنية، وتوسعت لتشمل أكثر من 60 موقعا مصنفا ضمن أولويات إسرائيلية من غور الأردن إلى غلاف غزة ووادي عربة.
كما خصصت لجان حكومية عشرات الملايين من الشواكل لدعم هذه القرى، منها 74 مليون شيكل عام 2023، إضافة إلى تمويل مباشر من وزارات التعليم والزراعة وسلطات محلية، بجانب رعاية مؤسسات مثل مشروع اليانصيب الوطني والصندوق القومي اليهودي لتعزيز الاستيطان في الشمال.
أما على مستوى التعبئة الأيديولوجية، فقد دخلت منظمات صهيونية بارزة مثل حركة "إم ترتسو" على خط الترويج، فدعت في حملات علنية الطلبة الجامعيين للانضمام إلى هذه القرى باعتبارها "فرصة للجمع بين الدراسة والحياة الصهيونية"، في محاولة لإعادة إنتاج جيل شاب مرتبط بالأرض وبالمشروع الاستيطاني طويل الأمد.
رغم محاولات الجمعيات الاستيطانية تقديم القرى الطلابية على أنها فضاءات تعليمية وشبابية، فإن الوقائع الميدانية تكشف الوجه الحقيقي لهذه المشاريع وهو التوسع الاستيطاني وطمس الوجود الفلسطيني.
ففي تقرير نشرته صحيفة إسرائيل هيوم الشهر الماضي، تناولت نشاطا نظمته جمعية "كيدما" ضمن برنامج "آدم وحواء" في حفات "إل نفيه" شمال الضفة، حيث شارك عشرات الشبان في أنشطة زراعية شملت الخروج إلى المراعي وترميم مبان وإقامة بنى تحتية، وجرى إهداء الفعالية إلى ذكرى جندي قتل في معارك خان يونس في قطاع غزة.
لكن ما بدا أنه "عمل تطوعي" سرعان ما اتضح أنه عملية استحواذ على معالم فلسطينية؛ إذ ادعت الجمعية والمتطوعون أنهم أعادوا ترميم بئر قديم تكريما للجندي.
في حين أظهرت مقاطع مصورة أن البئر كان قائما منذ عام 2004 ومكرسا لذكرى سيدة فلسطينية، وأعاد المستوطنون طلاءه وتعليق يافطات جديدة تحمل اسم الجندي، محولين معلما فلسطينيا إلى رمز استيطاني.
هذا النموذج يكشف آلية أوسع، فبينما يروج للقرى الطلابية كمساحات تعليمية أو ترفيهية، يشارك الطلبة والمتطوعون فيها عمليا في مصادرة الأرض، السيطرة على الموارد، وحراسة البؤر غير القانونية، وكل ذلك تحت ستار "التعليم" و"الزراعة" و"الأنشطة الاجتماعية"، بما يجعل هذه القرى أحد أكثر أدوات الاستيطان خطورة لأنها تعمل في الظل، وتخفي مشروع "إسرائيل الكبرى" وراء واجهة مدنية.