أجلس بفيء أشجار باسقة، وأسمع أصوات تغريد طيور مختلفة، بجانب بحيرة فيها ما يسر النظر من مخلوقات مائية. صبية وصبايا يرسمون ببسماتهم معالم غدٍ مزيّن بالأماني لسعادة وفرح يمتد لأيام أخر. أفكر في ذاتي... هل يمكنني البقاء في تايلند لأجل ما، أم أعود إلى وطني المحبوب برغم أطنان الهموم؟ أنا الزائر الهارب من صعوبة عيشي في الضفة، لألتقط قليلاً من زمن بلا خوف. بلا قلق. بلا أثقال واجبات حيال رفاق اختاروا طريق الحق الصعب، ومازالوا.
تمر عليّ الساعات بإحساس ثوانٍ. لا يأخذني جمال المشهد بتفاصيله، بل يدخل في قلبي حزن أعمق مما كان، وتبدأ تمنياتي لو... تدق برأسي ترانيم الجرس العملاق. في وطني يوجد بحر وبحيرة محرمة على أصحاب الأرض الأصلانيين. في وطني لا يوجد وقت للراحة. لا يوجد زمن دون عناء، فحواجزهم تتتابع حتى نجتاز حدود الوطن بلا عودة.
أتذكر صالون مهند. لقد كنت المالك. يتجمع يومياً في الصالون عشرات معارف. منهم صالح، ومنهم ناصر، وأيضاً رائد، ظافر، أحمد، وقيادات. نتبادل أشتات حديث عن مستقبلنا. عن السلطة والاستيطان، وطننا العربي، وسبل الوحدة والقوة، أنواع ملابسنا، تأشيرة سفر للرحلات. لم يتحقق شيء مما قلنا، فبعد الألفين غادر منهم دنيانا بفعل القصف، أو القنص، ومنهم من غيّب خلف الجدران طويلاً.
أتعبني عملي. الوقفة، وفقدان أحبة. أغلقت الصالون لأفتح مقهى... مقهى في حي سكانه من الميسورين، وزبائننا في الأغلب أصحاب جيوب، وراحة بال. لا يشغلهم همي، ومعنى الفقد. اليوم نعيش العام الثالث والعشرين بعد الألفين، وغالبهم لم يدرك مآسي الغير ممن ضحوا لأجل الكل. لأجل الأقصى، وما ضعفوا، ويتحدّون الآن.
أثارتني يوما ملامح شابٍ يافع يجلس في طرف المقهى. ذهبت إليه، وسألته اسمه. ابتسم بلطف: أنا ابن صديق استشهد في الطيرة، وعمي رائد. خجلت كثيراً من نفسي لتقصيري. لم أعرف ماذا قلت، سوى دعواتي بالتوفيق والرحمة للشهداء. في تلك اللحظة أقسمت أن أتفقدهم وعوائل من أسروا. لقد كانوا جميعاً بمثابة أخوة. وصلت إلى بيت الأول، فأصابتني الصدمة حين سألت عن الوالد. لقد فارقنا قبل سنين، وكذلك والدته، أما الأبناء فقد كبروا، وتزوّج أوسطهم. بكيت بصمت... يا الله كم شعروا بالخذلان!... زرت الكل، وقررت أن أبقي الوصل، فهو أقل الواجب.
يوقظني نادل تايلندي من وسط شرودي. ماذا تشرب من فضلك؟ أعتذر وأنهض، فالوقت تأخر، وطائرتي نحو فلسطين ستقلع مع ساعات الفجر الأولى. وصلت إلى بلدي بعد عناء التفتيش الاستثنائي لنا كأصحاب الأرض. من يتحكم يمتلك القوة. يمارسها ضد الشعب الأعزل دون رقابة، وإن كانت لا تفرض حقاً.
في بيتي صورة لماهر. لم يتحمل ظلم الأعداء. لقد قاومهم، ورفض الإملاءات. ضاق بحواجز قهر المظلومين، وبمصادرة الكرم، وبناء مساكن للغرباء. ضاق بحرق جذوع الزيتون، وسرقة ماء النبعة.
بدبابة تلاحق أطفالاً. منهم فارس، وتلتهم حقيبته بالجنزير. محاكمهم تحدد سقف طفولتنا بتسع سنوات، كي تسجن موسى، وتحكمه إداريا قابل للتمديد. تطالبهم والدته بإعطائه كتاب الصف الثالث، كي لا ينسى جدول ضرب. لم يتحمل ماهر مشهد طفلة في الدامون حبيس قيد، تساعدها لينا في ترتيب الزنزانة بعد التنكيل، وبجانبها أم ترضع طفلاً ولد أسيراً وهو الزق.
يمتشق ماهر إرادته، فيقاتل من أجل سلام... سلام بلا أوهام. سلام يختصر عقوداً من آلام ودماء ممتدة، وأحزان تتكدس في جوف القلب لتفجر ثورة قد لا تقتصر على الداخل، بل تمتد لبلاد الصمت المشبوه.





شارك برأيك
وحيد في تايلند