أقلام وأراء

السّبت 18 يوليو 2026 8:30 صباحًا - بتوقيت القدس

الديمقراطية في اختيار الكآبة داخل المنصات الرقمية

صدقي أبو ضهير*


لم يعد الحديث عن تأثير المنصات الرقمية يقتصر على الخصوصية أو الأخبار الزائفة أو الإدمان الرقمي، بل امتد ليشمل سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف تؤثر هذه المنصات في الحالة النفسية للمستخدم؟

في الضفة الغربية، حيث يعيش الإنسان في بيئة تتداخل فيها الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، أصبحت المنصات الرقمية جزءًا من الحياة اليومية، ومصدرًا رئيسيًا للأخبار والتفاعل وتشكيل الرأي العام. لكن هذا الحضور المتزايد يدفع إلى التساؤل: هل تكتفي هذه المنصات بعكس الواقع، أم أنها تساهم أيضًا في إعادة إنتاج المشاعر المرتبطة به، وعلى رأسها الكآبة؟

من وجهة نظري، لا تصنع المنصات الرقمية الكآبة من العدم، لكنها قد تجعلها أكثر حضورًا واستمرارًا. فهي لا تضيف ضغوطًا جديدة بقدر ما تعيد تدوير الضغوط الموجودة أصلًا، وتعرضها للمستخدم بصورة متكررة، حتى تصبح جزءًا من تجربته اليومية.

المستخدم لا يواجه حدثًا مؤلمًا مرة واحدة، بل قد يواجه الحدث نفسه عشرات المرات عبر الأخبار، ومقاطع الفيديو، والتحليلات، والتعليقات، وإعادة النشر، والنقاشات التي لا تنتهي. ومع هذا التكرار، لا يبقى التأثير في مستوى المعرفة فقط، بل يمتد إلى الحالة النفسية.

ما يلفت الانتباه أن هذا لا يحدث نتيجة قرار واعٍ من المنصة لإحزان المستخدم، وإنما نتيجة طبيعية لطريقة عمل الخوارزميات. فهي مصممة لتقديم المحتوى الذي يزيد احتمالية التفاعل، وما يثير المشاعر القوية غالبًا ما يحقق معدلات مشاهدة ومشاركة أعلى من المحتوى الهادئ أو المتوازن.

ومن هنا أطرح فكرة أصفها بـ"الديمقراطية في اختيار الكآبة"،

فالمستخدم يشعر بأنه يختار المحتوى بحرية؛ يضغط على خبر، أو يشاهد مقطعًا، أو يتفاعل مع منشور. لكن بعد هذا الاختيار الأول، تبدأ الخوارزمية ببناء بيئة رقمية تشبه هذا السلوك، فتقترح محتوى مشابهًا، وتكرر الموضوعات ذاتها، وتدفع المستخدم تدريجيًا إلى دائرة شعورية متقاربة.

في هذه الحالة، تبدو حرية الاختيار موجودة، لكنها تصبح محكومة بمنطق الخوارزمية. فالمستخدم لا يُفرض عليه الحزن، لكنه يجد نفسه داخل مساحة رقمية يتزايد فيها المحتوى الذي يعزز الشعور ذاته.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تقتصر على الأخبار السياسية أو الأحداث الميدانية. فالمقارنات الاجتماعية المستمرة، وعرض أنماط الحياة المثالية، والنجاحات المتتالية، والخوف من تفويت الفرص، والجدل الدائم، جميعها تشكل بيئة قد تدفع المستخدم إلى الإحساس بالنقص أو القلق أو الإرهاق النفسي، حتى دون أن يشعر بذلك بصورة مباشرة.

وفي الضفة الغربية، يكتسب هذا الأمر خصوصية أكبر. فالمستخدم لا يدخل إلى المنصة من فراغ نفسي، بل يحمل معه ضغوط واقعه اليومي، ثم يجد نفسه في فضاء رقمي يعيد تذكيره بها بصورة مستمرة، أو يضيف إليها أشكالًا جديدة من الضغط النفسي الناتج عن المقارنة أو الاستقطاب أو كثافة المحتوى السلبي.

لا يعني ذلك أن المنصات الرقمية سبب مباشر للكآبة، فالحالة النفسية أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في عامل واحد. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن طريقة تصميم المنصات وآليات عمل خوارزمياتها قد تساهم في ترسيخ المشاعر السلبية وإطالة بقائها لدى بعض المستخدمين.

لذلك، لم يعد السؤال المطروح هو: كم ساعة نقضي على المنصات؟ بل أصبح: أي نوع من المشاعر نستهلك يوميًا عبر هذه المنصات، وكيف تعيد الخوارزميات تشكيلها؟

إن النقاش حول مستقبل المنصات الرقمية لا ينبغي أن يقتصر على حرية التعبير أو حماية البيانات، بل يجب أن يمتد إلى مسؤوليتها الأخلاقية في بناء بيئة رقمية أكثر توازنًا، تراعي الأثر النفسي للمحتوى، خصوصًا في المجتمعات التي تعيش أزمات مستمرة.

فقد تكون القضية اليوم ليست في وجود الديمقراطية الرقمية من عدمها، وإنما في طبيعة الخيارات التي تقدمها لنا. وإذا كانت الخوارزميات تمنح كل مستخدم المحتوى الذي ينسجم مع تفاعلاته السابقة، فإن السؤال الذي يستحق البحث هو: هل أصبحنا نمارس ديمقراطية حقيقية في الاختيار، أم ديمقراطية في اختيار الكآبة التي سترافقنا كل يوم؟


*باحث ومستشار في الإعلام والتسويق الرقمي

دلالات

شارك برأيك

الديمقراطية في اختيار الكآبة داخل المنصات الرقمية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.