في قلب حي جاكس العتيق بمدينة الدرعية، انطلقت فعاليات النسخة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر تحت شعار 'الحل والترحال'. ويقدم المعرض رؤية فنية مغايرة تعتمد على إعادة بناء العالم من خلال 'الأنقاض' والمواد المهملة، محولاً المستودعات القديمة إلى منصات للحوار الثقافي العالمي.
تتجلى في أروقة البينالي فلسفة تحويل الحطام إلى لغة بصرية يفهمها الجميع، حيث استلهم الفنانون أعمالهم من بقايا الطين والنخيل وذاكرة المكان. وتعد هذه التظاهرة الفنية دعوة لاستكشاف العلاقة بين الماضي العريق للدولة السعودية الأولى وبين التحولات الحضرية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم.
من أبرز الأعمال المشاركة، يبرز عمل الفنانة الصينية يو جي المعنون بـ 'أضلاع واهنة'، وهو تركيب فني يثير التساؤلات حول علاقة الإنسان بالبيئة الحضرية. يتكون العمل من أرجوحة ضخمة من البلاستيك الأسود وشبكات الصيد، معلقة بأسلاك معدنية توحي بحالة من التوتر الدائم والثقل المادي.
وتحمل أرجوحة يو جي حطاماً فعلياً تم جمعه من مواقع البناء، يشمل قوالب أسمنتية وقطع خشبية وأجزاء معدنية صدئة. ترى الفنانة أن هذه المخلفات ليست مجرد نفايات، بل هي 'أرشيف مادي' يوثق النمو الحضري الهائل الذي يغير معالم الأرض ويترك بصماته على حياة البشر.
في سياق متصل، يبرز الفنان البورتوريكي دانيال ليند-راموس، الملقب بـ 'ساحر المواد المهملة'، من خلال عمله التركيبي الضخم 'كونغونتو'. يدمج هذا العمل بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي لشعوب الكاريبي، مستخدماً أدوات زراعية بسيطة وأجزاء من قوارب الصيد القديمة.
يعتمد ليند-راموس في فلسفته على صون الذاكرة من خلال الحطام، حيث يحول الخردة إلى كائنات أسطورية وحراس يرتدون أقنعة تقليدية. وتعكس ألوان عمله الترابية والدافئة ارتباطاً وثيقاً بالأرض، وهي ثيمات تتقاطع بشكل مدهش مع بيئة الدرعية التاريخية وتراثها العريق.
ويقدم الفنان البورتوريكي أيضاً عمله 'أمبرلانسيا' الذي يربط بين الكوارث البيئية والأوبئة العالمية وصمود المجتمعات المهمشة. يستخدم العمل اللون الأرجواني المرتبط بطقوس الجنازات، ليرسل رسالة مفادها أن الجذور تكمن في الأشياء البسيطة التي نصنعها بأيدينا رغم قسوة الظروف.
الحطام يمكن أن يصبح نصباً تذكارياً إذا ما اعتُني به، وأشياؤنا اليومية تنطوي على روح وتاريخ خاص بها.
من جانبها، تشارك الفنانة الإماراتية عفراء الظاهري بعملها 'تناول الطعام على الطريقة الشرقية أم الغربية؟'، وهو عمل يثير جدلاً بصرياً حول الهوية. يتكون العمل من حجر أسمنتي وطاولة زجاجية، في تشريح فني للتحولات الاجتماعية وصراع الهوية بين تقاليد الأرض وحداثة الأسمنت.
يعود أصل عمل الظاهري إلى تجربة بدأت عام 2016، حيث قامت بصب الزجاج المنصهر داخل أكواب شاي مكسورة لإنتاج قطع متماسكة رغم تصدعها. وتستخدم الفنانة هذا الأسلوب كاستعارة بليغة لهوية المجتمعات العربية التي تحاول الصمود والتلاحم في وجه التغيرات العاصفة.
يرتكز عمل عفراء على مفهوم التراكم، حيث تمثل الطاولة الزجاجية المثبتة فوق قوالب الأسمنت حالة من الانفصال عن الجلسات التقليدية. هذا التكوين يخلق نوعاً من الاضطراب الثقافي، ويجسد الطفرة العمرانية التي غيرت وجه المدن العربية وحولتها إلى كتل خرسانية معاصرة.
وقد ساهم استوديو 'فورمافانتاستا' في تصميم الفضاء الداخلي للمعرض بألوان سماوية هادئة، مما جعل الأعمال الفنية تبدو وكأنها تطفو في فضاء من التساؤلات. هذا التصميم يعمق تجربة الزائر ويساعده على فهم التحولات البيئية والاجتماعية المعقدة التي يطرحها الفنانون.
إن اختيار حي جاكس لاستضافة هذه الأعمال يحمل دلالة رمزية عميقة، لكونه منطقة مصانع قديمة تمت إعادة تأهيلها. هذا التحول يعكس فكرة 'إعادة تدوير الذاكرة' التي يطرحها البينالي، ويخلق حواراً مستمراً بين الفنانين المحليين والعالميين حول قضايا الاستدامة.
تؤكد المشاركات الدولية في بينالي الدرعية أن الإبداع الإنساني لغة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والاختلافات الثقافية. فالمواد التي قد يراها البعض مجرد نفايات، تتحول في أيدي هؤلاء المبدعين إلى نصب تذكارية تحكي قصص الصمود والبقاء في وجه النسيان.
وفي الختام، يظل بينالي الدرعية 2026 منصة فريدة لاستكشاف 'الحل والترحال' عبر الفن المعاصر، حيث تلتقي سيوف ورماح الماضي بخرسانة الحاضر. إنها دعوة مفتوحة للجمهور لإعادة اكتشاف القيمة الكامنة في الأشياء البسيطة والحطام الذي يحيط بنا في كل مكان.





شارك برأيك
بينالي الدرعية 2026: فنانون عالميون يحولون الحطام والمهملات إلى لغة بصرية في حي جاكس