تعيش مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، حالة من التوتر الشديد مع تصاعد حملات القصف الجوي بالمسيرات التي تشنها قوات الدعم السريع، بالتزامن مع حشود عسكرية مكثفة في محيط المدينة. وأطلقت منظمات دولية وهيئات حقوقية نداءات عاجلة للتحرك الفوري لمنع وقوع موجة جديدة من الانتهاكات بحق المدنيين، محذرة من تكرار المآسي التي شهدتها مدينة الفاشر سابقاً.
وفي خطوة أثارت قلقاً واسعاً، أصدرت ما تعرف بحكومة «تأسيس» التابعة لقوات الدعم السريع إنذارات لسكان المدينة تطالبهم بالإخلاء الفوري، بدعوى الحفاظ على حياتهم وتوفير ممرات آمنة للمغادرة. إلا أن هذه الدعوات قوبلت بتشكيك كبير من قبل القيادات الأهلية والناشطين، الذين اعتبروا هذه الممرات «مصيدة» قد تؤدي إلى عمليات ابتزاز وتصفية للمدنيين الفارين.
ميدانياً، أكدت مصادر عسكرية أن القوات المسلحة السودانية وضعت المدينة في حالة تحصين كاملة، وهي على أهبة الاستعداد لصد أي محاولة لاقتحامها برياً. وأوضحت المصادر أن التهديد الأكبر حالياً يتمثل في سلاح المسيرات الذي يستهدف البنية التحتية، مشيرة إلى أن الجيش يعمل على وضع حلول تقنية لإنهاء هذا التهديد خلال الأيام القليلة المقبلة.
وتواجه المدينة أزمة إنسانية متفاقمة نتيجة الحصار الذي أدى إلى تجفيف منابع الوقود والمياه، حيث تعمدت المسيرات قصف محطات الخدمة الأساسية وملاحقة القوافل التجارية. وأفادت مصادر محلية بأن سعر برميل المياه وصل في بعض الأحياء إلى نحو 25 ألف جنيه سوداني، ما يثقل كاهل المواطنين الذين يعانون أصلاً من تدهور الخدمات المعيشية.
وعلى الرغم من هذه الضغوط، تشهد المدينة مبادرات مجتمعية وتدخلات من مفوضية العون الإنساني لترميم المرافق الخدمية وتوفير الحد الأدنى من مياه الشرب عبر الصهاريج المتنقلة. ويخوض سكان الأبيض ما يشبه «معركة الإرادة»، حيث يصر الكثيرون على البقاء في منازلهم رغم القصف اليومي وتناقص السلع الغذائية والطبية الأساسية.
أمنياً، ينتشر الجيش السوداني بكثافة داخل أحياء المدينة، وينفذ عمليات تمشيط واسعة في المحيط الخارجي لتوسيع المنطقة العازلة وحماية المداخل الرئيسة. وتهدف هذه العمليات العسكرية إلى تأمين مسارات الإمداد ومنع قوات الدعم السريع من إحكام طوق كامل حول المدينة التي تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية في وسط السودان.
ويرى مراقبون أمنيون أن جغرافيا مدينة الأبيض تختلف عن الفاشر، حيث إنها منفتحة لوجيستياً على عدة ولايات، مما يجعل حصارها بشكل تام أمراً معقداً عسكرياً. كما أن قربها من قواعد جوية يمنح الجيش ميزة إضافية في تشتيت تجمعات القوات المهاجمة وتعطيل مخططات الهجوم البري الواسع الذي تسعى إليه قوات الدعم السريع.
ما حدث في الفاشر من قتل ونهب وفظائع يشكل أكبر دوافع إصرار أهل الأبيض على الصمود والدفاع عنها.
حقوقياً، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من كارثة وشيكة في الأبيض، مشيراً إلى سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح جراء الهجمات الأخيرة. وطالب تورك المجتمع الدولي بالضغط على الأطراف المتحاربة لوقف استهداف المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى المحاصرين.
وفي السياق ذاته، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية التي حللها مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة «ييل» توسعاً كبيراً في مخيمات النزوح حول المدينة، مع إنشاء مئات المباني المؤقتة. ويعكس هذا التوسع حجم التدفق البشري للفارين من مناطق الاشتباكات المباشرة، والذين يبحثون عن ملاذ آمن داخل حدود المدينة المحصنة بالجيش.
وتتهم منظمات حقوقية قوات الدعم السريع باستخدام سلاح «التجويع والتعطيش» كأداة للضغط العسكري، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. ويؤكد خبراء قانونيون أن إجبار المدنيين على الإخلاء تحت وطأة القصف يندرج ضمن جرائم التهجير القسري، وليس إجلاءً طوعياً كما تدعي القوات المهاجمة.
وتمثل مدينة الأبيض أهمية استراتيجية فائقة، لكونها تربط وسط السودان بأقاليم دارفور وكردفان، وتعد مركزاً رئيساً للتحكم والسيطرة العسكرية. وسقوط المدينة في يد قوات الدعم السريع قد يعني عزل قوات الجيش في ولايات غرب وجنوب كردفان، وقطع خطوط الإمداد الحيوية التي تصل إلى العاصمة الخرطوم.
ويقطن في المدينة حالياً أكثر من نصف مليون مدني، يضاف إليهم عشرات الآلاف من النازحين الذين لجأوا إليها من مناطق النزاع الأخرى، ما يجعل أي مواجهة عسكرية شاملة داخل الأحياء السكنية بمثابة انتحار إنساني. وتكافح السلطات الولائية لضمان استمرار عمل المستشفيات والمخابز باستخدام الطاقة الشمسية في ظل انقطاع الكهرباء المستمر.
وتستحضر الذاكرة السودانية بمرارة ما حدث في الفاشر في أكتوبر الماضي، حين اجتاحت قوات الدعم السريع المدينة بعد حصار طويل، ما أسفر عن مقتل آلاف المدنيين. هذا التاريخ الدامي يدفع سكان الأبيض والقيادات المحلية إلى التمسك بخيار المقاومة والصمود، خوفاً من تكرار ذات الفظائع والانتهاكات التي وثقتها التقارير الدولية.
ختاماً، يبقى الوضع في الأبيض معلقاً بين صمود الجيش والمبادرات الشعبية وبين إصرار قوات الدعم السريع على تضييق الخناق عبر سلاح المسيرات والحرب النفسية. ويترقب العالم ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، وسط دعوات دولية متزايدة لفتح ممرات إنسانية حقيقية وتجنيب المدينة ويلات القتال المباشر في الشوارع.





شارك برأيك
الأبيض السودانية تواجه شبح «سيناريو الفاشر» وسط حصار وقصف بالمسيرات