لم يكن المشروع النووي الصيني مجرد محاولة لامتلاك سلاح ردع تقليدي، بل مثل وفقاً للمؤرخين العسكريين إعادة تعريف شاملة لمكانة بكين الدولية. فقد تحولت الدولة من قوة ثورية معزولة محاطة بالتهديدات إلى منافس استراتيجي عالمي يمتلك مفاتيح التوازن الدولي.
بدأت الرحلة الفعلية في منتصف الخمسينيات حين أعلن الزعيم ماو تسي تونغ أن امتلاك القنبلة الذرية هو شرط أساسي للاستقلال الوطني وحماية قرار الدولة السياسي. جاء هذا التوجه مدفوعاً بشعور عميق بالتهديد خلال الحرب الكورية والتوترات المستمرة حول ملف تايوان مع الولايات المتحدة.
شهدت البدايات تعاوناً تقنياً وثيقاً مع الاتحاد السوفياتي، حيث أرسلت موسكو آلاف المتخصصين وزودت بكين بتصاميم المفاعلات النووية الأساسية. إلا أن هذا التعاون انهار فجأة في عام 1959 بسبب الخلافات الأيديولوجية، مما أجبر الصين على الاعتماد الكلي على الذات لإتمام مشروعها.
في عام 1964، نجحت الصين في تفجير أول قنبلة ذرية لها في صحراء لوب نور، وهو الحدث الذي كسر احتكار القوى الكبرى للنادي النووي. أطلق الصينيون على برنامجهم اسم 'المشروع 596'، في إشارة رمزية للشهر الذي قرروا فيه المضي قدماً بمفردهم بعد انسحاب الخبراء السوفيات.
تطورت العقيدة النووية الصينية من مفهوم 'الردع الأدنى' الذي يهدف فقط لضمان البقاء، إلى استراتيجية تحديث طموحة وشاملة في العقد الأخير. ويهدف هذا التحول إلى بناء قوة ردع مرنة قادرة على مواجهة أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة التي تمتلكها القوى المنافسة.
تشير تقارير دولية حديثة إلى أن الصين تبني حالياً مئات صوامع الصواريخ الجديدة في مناطق صحراوية وجبلية نائية بعيداً عن أعين الرقابة الغربية. هذه التحركات تعكس نية بكين الانتقال إلى نظام إنذار مبكر دائم يتيح الرد السريع على أي تهديد نووي محتمل.
تؤكد مصادر استخباراتية أن الترسانة الصينية تنمو بوتيرة هي الأسرع عالمياً، حيث تضاف نحو 100 رأس نووي جديد سنوياً إلى المخزون الاستراتيجي. ومن المتوقع أن يتضاعف هذا المخزون ليصل إلى 1500 رأس حربي بحلول منتصف العقد القادم، مما يضعها في مصاف القوى العظمى.
علينا أن نمتلك القنبلة الذرية حتى لا يعاملنا أحد كدولة ضعيفة.
على صعيد القدرات البرية، تمتلك بكين صواريخ 'دونغ فنغ-5C' العابرة للقارات، والتي تتميز بمدى هائل يضع معظم مناطق العالم تحت طائلة استهدافها. وتستطيع هذه الصواريخ حمل رؤوس حربية متعددة، مما يصعب مهمة أنظمة الاعتراض الصاروخي التقليدية في تحييدها.
لم يقتصر التحديث على البر، بل امتد إلى 'الثالوث النووي' ليشمل غواصات نووية متطورة من طراز 'جين' قادرة على الاختفاء في أعماق المحيطات. هذه الغواصات مزودة بصواريخ باليستية بعيدة المدى، مما يمنح بكين قدرة توجيه ضربة ثانية مدمرة في حال تعرضت لهجوم مفاجئ.
في الجو، طورت الصين قاذفات استراتيجية مثل 'H-6N' ونسخاً شبحية حديثة قادرة على حمل صواريخ كروز ذات رؤوس نووية. هذا التنوع في منصات الإطلاق يهدف إلى ضمان وصول السلاح النووي إلى أهدافه بغض النظر عن طبيعة الدفاعات الجوية المعادية.
تثير هذه التطورات قلقاً واسعاً في واشنطن، خاصة مع كشف بكين عن أسلحة فرط صوتية تتجاوز سرعتها أضعاف سرعة الصوت. هذه التقنيات تمنح الجيش الصيني ميزة استراتيجية في مسرح العمليات بالمحيط الهادئ، حيث تصبح القواعد والسفن الأمريكية مكشوفة تماماً.
رغم هذا التوسع الهائل، تصر القيادة الصينية في المحافل الدولية على التزامها بمبدأ 'عدم البدء باستخدام السلاح النووي' تحت أي ظرف. وتؤكد بكين أن هدفها هو الحفاظ على توازن القوى العالمي ومنع أي طرف من ممارسة الابتزاز السياسي ضدها.
يرى محللون أن الاستراتيجية الصينية تركز على 'الدفاع النشط'، وهو مفهوم يمزج بين الحذر الدفاعي والطموح نحو توازن عالمي جديد. فالصين لا تسعى بالضرورة للتفوق العددي المطلق، بل لضمان امتلاك قوة كافية لشل قدرات العدو وحماية مصالحها الحيوية.
ختاماً، يمثل الدرع النووي الصيني اليوم تجسيداً لصعود التنين كقوة عظمى أعادت تشكيل قواعد الردع التي استقرت منذ نهاية الحرب الباردة. وبات البرنامج النووي مرآة للتقدم التكنولوجي والاقتصادي الذي حققته البلاد، محولةً 'الخوف القومي' القديم إلى قوة استراتيجية مهابة.





شارك برأيك
الدرع الاستراتيجي الصيني: كيف تحولت بكين من العزلة إلى قيادة السباق النووي العالمي؟