عربي ودولي

الإثنين 06 يوليو 2026 4:32 مساءً - بتوقيت القدس

الشيباني في بيروت: مصلحة سوريا تحدد العلاقة مع 'حزب الله' وتنسيق أمني لضبط الحدود

وصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة اللبنانية بيروت اليوم الخميس، في زيارة رسمية هي الثانية له منذ توليه منصبه، تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية وبحث ملفات التنسيق الأمني المشترك. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية في إطار سعي البلدين لترميم الروابط الرسمية وتجاوز ترسبات العقود الماضية، خاصة في ظل المتغيرات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة مؤخراً.

واستهل الشيباني جولته بلقاء الرئيس اللبناني جوزاف عون في قصر بعبدا، حيث جرى استعراض آفاق التعاون المستقبلي بين دمشق وبيروت. وأكد الرئيس عون خلال اللقاء تمسك لبنان بإقامة علاقات أخوية متينة تقوم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، مشدداً على أهمية التنسيق الميداني لضبط الحدود المشتركة ومنع عمليات التهريب التي تضر بأمن واستقرار البلدين.

ونقل الوزير السوري رسالة من الرئيس أحمد الشرع تؤكد أن سوريا الجديدة تفتح صفحة مختلفة في علاقتها مع لبنان، ولن تتبنى سياسة الانحياز لطرف ضد آخر. وأوضح الشيباني أن القيادة السورية حريصة على الوقوف إلى جانب جميع اللبنانيين دون استثناء، معرباً عن ارتياحه لمستوى التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال المباحثات الرسمية.

وفي خطوة عملية لتعزيز الشراكة، وقع الجانبان على اتفاقية لإنشاء 'اللجنة العليا للتعاون والشراكة' بين لبنان وسوريا، والتي ستكون بمثابة منصة حكومية لتنسيق عمل الوزارات. وتهدف هذه اللجنة إلى تطوير التفاهمات الأمنية والاقتصادية، ومعالجة القضايا العالقة التي خلفتها المراحل السابقة من تاريخ العلاقة بين الجارين.

وخلال مؤتمر صحافي عقب لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، نفى الشيباني أن يكون ملف 'حزب الله' قد طُرح للنقاش المباشر خلال الاجتماع. ومع ذلك، أبدى الوزير السوري مرونة لافتة حيال العلاقة مع الحزب، مشيراً إلى أن دمشق منفتحة على التواصل مع كافة القوى السياسية، بما في ذلك حزب الله، إذا ما اقتضت المصلحة الوطنية ذلك.

من جانبه، استقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الوزير السوري في السراي الحكومي، حيث تركزت المحادثات على ملفات حيوية تمس حياة المواطنين في البلدين. وتصدرت قضايا الربط الكهربائي وتبادل البضائع وتسهيل حركة المرور عبر المعابر الحدودية جدول أعمال الاجتماع، في مسعى لتخفيف الأزمات الاقتصادية التي يواجهها لبنان.

وأشار سلام إلى أن التعاون في مجالات الطاقة والنقل يمثل أولوية قصوى للحكومة اللبنانية في المرحلة الراهنة، مثمناً التوجه السوري الجديد نحو بناء علاقات مؤسساتية. وأكد أن تفعيل اللجان المشتركة سيسهم في تسريع تنفيذ المشاريع الحيوية التي تعطلت لسنوات طويلة بسبب الظروف السياسية والأمنية السابقة.

وتأتي هذه الزيارة في ظل مناخ إقليمي معقد، حيث تراقب القوى الدولية الدور السوري الجديد في الملف اللبناني، خاصة بعد تصريحات أمريكية لمحت إلى إمكانية اضطلاع دمشق بدور في نزع سلاح حزب الله. إلا أن الموقف الرسمي السوري المعلن يشدد على احترام السيادة اللبنانية وعدم الرغبة في التدخل العسكري المباشر في الصراعات القائمة.

وعلى الصعيد الأمني، تبرز قضية الحدود الممتدة على طول 330 كيلومتراً كأحد أكبر التحديات التي تواجه البلدين، نظراً لانتشار شبكات تهريب الأشخاص والسلع. وقد أبدى الطرفان التزاماً بتعزيز الرقابة الحدودية وتبادل المعلومات الاستخباراتية للحد من الأنشطة غير القانونية التي تهدد الأمن القومي لكلا الطرفين.

كما تطرقت المباحثات بشكل غير مباشر إلى ملف السجناء السوريين في لبنان، والذين يقدر عددهم بنحو ألفي سجين يواجه بعضهم تهماً تتعلق بالإرهاب. وكان لبنان قد بدأ بالفعل في تسليم دفعات من المحكومين إلى السلطات السورية بموجب اتفاقية وقعت في فبراير الماضي، في إطار خطة شاملة لإغلاق هذا الملف الشائك.

وفيما يتعلق بالصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، جدد الشيباني موقف بلاده الرافض للاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الأراضي اللبنانية، معتبراً أن ما يتعرض له الشعب اللبناني من تهجير وقتل هو جريمة مدانة. وأوضح أن موقف سوريا من 'اتفاق الإطار' بين لبنان وإسرائيل يظل شأناً لبنانياً داخلياً تقرره المؤسسات الدستورية في بيروت.

ويرى مراقبون أن زيارة الشيباني تعكس رغبة دمشق في استعادة دورها الإقليمي عبر بوابة الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي بدلاً من الهيمنة العسكرية. ويشكل الانفتاح السوري على الدولة اللبنانية بمؤسساتها الرسمية تحولاً جذرياً عن السياسات التي كانت متبعة في عهد النظام السابق، مما يفتح الباب أمام استقرار طويل الأمد.

وتسعى الحكومة اللبنانية من خلال هذه اللقاءات إلى ضمان تدفق الطاقة والسلع الأساسية عبر الأراضي السورية، وهو أمر حيوي لتعافي الاقتصاد اللبناني المنهك. كما يأمل المسؤولون في بيروت أن يؤدي التنسيق الأمني الوثيق إلى تخفيف الأعباء الأمنية والاجتماعية المرتبطة بملف النزوح والحدود غير المنضبطة.

ختاماً، غادر الشيباني بيروت حاملاً معه دعوة رسمية للرئيس اللبناني لزيارة دمشق، في إشارة واضحة إلى تسارع وتيرة التطبيع الرسمي بين البلدين. ومن المتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة اجتماعات فنية مكثفة لتفعيل بنود اتفاقية اللجنة العليا، بما يضمن ترجمة التفاهمات السياسية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

دلالات

شارك برأيك

الشيباني في بيروت: مصلحة سوريا تحدد العلاقة مع 'حزب الله' وتنسيق أمني لضبط الحدود

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.