فلسطين

الإثنين 06 يوليو 2026 4:30 مساءً - بتوقيت القدس

مدينة عسكرية أمريكية في 'رعيم': هندسة واشنطن لليوم التالي في غزة

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية خطوات ميدانية متسارعة لتنفيذ رؤيتها لما يعرف بـ 'اليوم التالي' في قطاع غزة، عبر تشييد مدينة عسكرية مصغرة ومقر قيادة فائق التحصين في منطقة 'رعيم' المحاذية للحدود. وتجري أعمال البناء على مسافة كيلومتر واحد فقط من السياج الفاصل، حيث ترتفع أصوات الآليات الثقيلة لتدشين مقر مخصص للقوات الدولية التي ستتولى إدارة شؤون القطاع.

تصل التكلفة التقديرية لهذا المشروع الضخم إلى نحو نصف مليار دولار، بتمويل وإشراف مباشر من الجيش الأمريكي، مما يعكس رغبة واشنطن في تأسيس وجود طويل الأمد. ووفقاً لوثائق المشروع، فإن المنشأة صممت لتكون مستدامة وقادرة على إيواء نحو 10 آلاف جندي ومسؤول، مع تجهيزها بكافة المرافق الحيوية المستقلة.

تعتمد القاعدة الجديدة على مفهوم 'التحكم عن بعد' في العقيدة العسكرية الحديثة، حيث يتيح موقعها داخل الحدود الإسرائيلية وبقربها الشديد من غزة ممارسة مهام القيادة دون التورط المباشر في أزقة المدن. ويهدف هذا التموقع إلى تجنب المواجهات المباشرة مع الفصائل الفلسطينية أو الوقوع في مصيدة حرب العصابات داخل المخيمات المكتظة.

يتوسط المنشأة برج قيادة وسيطرة مركزي شاهق، مزود بأنظمة اتصالات ذكية وشبكات رصد واستشعار مرتبطة مباشرة بحدود وأجواء قطاع غزة. وتعمل هذه المنظومة على ضمان تدفق المعلومات الأمنية واللوجستية على مدار الساعة، مما يمنح القوات الدولية والجانب الإسرائيلي هيمنة معلوماتية كاملة على تحركات القطاع.

تتضمن البنية التحتية للقاعدة محطات مستقلة لتوليد الطاقة الكهربائية وشبكات لتنقية المياه ومعالجة النفايات، لضمان عزلها التام عن المحيط الفلسطيني أو الإسرائيلي. ويهدف هذا العزل إلى توفير 'ملاذ آمن' للدول المشاركة في قوات الاستقرار الدولية، مما يقلل من المخاوف السياسية والأمنية تجاه سلامة جنودها.

حتى الآن، أبدت خمس دول فقط موافقتها الفعلية على إرسال جنود للعمل تحت هذه المظلة الدولية، وهي المغرب وإندونيسيا وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا. وتأتي هذه الخطوة بعد فشل تجارب سابقة مثل الرصيف البحري المؤقت ومركز التنسيق في 'كريات غات' الذي أُغلق عقب تصاعد التوترات الإقليمية.

يرى مراقبون أن قاعدة 'رعيم' تمثل المقر الإداري المركزي لإعادة إعمار غزة، حيث ستخضع كافة سلاسل التمويل والإمداد لبوابة التدقيق الأمني الأمريكية. وهذا يعني أن أي مشروع إغاثي أو إنشائي داخل القطاع سيمر بالضرورة عبر الفلترة الأمنية في القاعدة، مما يمنح واشنطن سلطة احتكار القرار التنموي.

من الناحية السياسية، اعتبر مستشار الإدارة الأمريكية جاريد كوشنر أن هذه الترتيبات ضرورية لضمان عدم عودة الفصائل المسلحة لفرض سيطرتها على غزة. وشدد كوشنر على أهمية إيجاد بيئة مستقرة لوجستياً واقتصادياً، مع إرجاء النقاشات السياسية المعقدة حول السيادة والدولة إلى مراحل لاحقة.

في المقابل، حذر باحثون سياسيون من أن هذا المشروع يهدف إلى مأسسة الوصاية الدولية وتفكيك الجوهر السياسي للقضية الفلسطينية وتحويلها إلى مجرد ملف إنساني. كما أشاروا إلى أن إنشاء مركز قيادة منفصل لغزة يكرس العزل الجغرافي والسياسي بين القطاع والضفة الغربية، مما يقوض فرص قيام دولة فلسطينية متصلة.

أثار اختيار موقع القاعدة داخل حدود إسرائيل تساؤلات حول السيادة، حيث يرى خبراء عسكريون أن البناء خلف السياج يمنح القوات الدولية مظلة دفاعية إسرائيلية صلبة. كما يتيح هذا التموقع لتل أبيب دمج غرف العمليات استخباراتياً ولوجستياً بشكل لحظي، مما يضمن لها الإشراف الكامل على عمل القوات الدولية.

أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل منحت التفويض للجيش الأمريكي لإنشاء المنشأة، مع التمسك بحرية العمل العسكري داخل غزة. وتهدف إسرائيل من هذه الخطوة إلى التخلص من الأعباء المدنية والمالية لإدارة مليوني فلسطيني، ونقلها إلى كاهل المجتمع الدولي بقيادة واشنطن.

قوبل المشروع برفض حاد من السلطة الفلسطينية، حيث صرح حسين الشيخ بأن أي ترتيبات أمنية أو إدارية دون موافقة السلطة هي غير شرعية. وأكد الشيخ أن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية، ولن يتم القبول بتحويل قضية الشعب الفلسطيني إلى ملف إغاثي يدار عبر بوابات أجنبية.

على الصعيد العربي، برز موقف أردني واضح عبر وزير الخارجية أيمن الصفدي الذي رفض إرسال قوات عربية لتكون بديلاً عن الاحتلال أو حارساً لأمن إسرائيل. وشدد الصفدي على أن الدول العربية لن تشارك في تنظيف مخلفات الحرب دون وجود أفق سياسي حقيقي يضمن حقوق الفلسطينيين.

بينما يترقب سكان غزة بحذر هذه التطورات، يرى البعض فيها محاولة لشرعنة الحصار وتحويل المساعدات إلى أداة ضغط سياسي. ويبقى مشروع قاعدة 'رعيم' يمثل التحدي الأكبر للسيادة الفلسطينية، حيث يُبنى بتفاهمات ثنائية بين واشنطن وتل أبيب بعيداً عن أي توافق وطني أو تفويض قانوني دولي.

دلالات

شارك برأيك

مدينة عسكرية أمريكية في 'رعيم': هندسة واشنطن لليوم التالي في غزة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.