عربي ودولي

الإثنين 06 يوليو 2026 4:15 مساءً - بتوقيت القدس

مارك بلوخ في 'البانثيون': عندما يتحول تدوين التاريخ إلى جبهة للمقاومة

شهدت العاصمة الفرنسية باريس حدثاً تاريخياً بارزاً بدخول رفات المؤرخ الشهير مارك بلوخ إلى 'البانثيون'، وهو الضريح الوطني الذي يضم رفات الشخصيات التي تركت بصمة خالدة في تاريخ الجمهورية. يأتي هذا التكريم بعد مرور أكثر من ثمانية عقود على رحيله، ليكون اعترافاً رسمياً بمسيرة رجل استثنائي جمع بين الدقة الأكاديمية والالتزام الوطني الصارم.

تزامن هذا الحدث مع صدور عمل بحثي ضخم بعنوان 'مارك بلوخ، التاريخ بوصفه مقاومة'، والذي أشرف عليه المؤرخان فلوريان مازيل ويان بوتان. يمتد الكتاب على نحو 600 صفحة، ويشارك فيه 25 باحثاً من تخصصات متنوعة، بهدف إعادة قراءة الإرث الفكري لبلوخ وربطه بالتحديات المعاصرة التي تواجه كتابة التاريخ في ظل انتشار الأخبار الزائفة.

وُلد بلوخ عام 1886 في مدينة ليون لأسرة يهودية ألزاسية، ونشأ في بيئة تقدس قيم المواطنة والتعليم، مما دفعه للتخصص في الدراسات التاريخية. برز سريعاً كواحد من ألمع عقول جيله، حيث تميز بقدرته على دمج المناهج الكلاسيكية بالانفتاح على العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة، وهو ما شكل نواة مشروعه التجديدي.

في عام 1929، أحدث بلوخ ثورة في الحقل الأكاديمي بتأسيسه مدرسة 'الحوليات' بالتعاون مع لوسيان فيفر، داعياً إلى تجاوز التاريخ التقليدي المتمحور حول الملوك والمعارك. ركزت هذه المدرسة على دراسة المجتمعات في كليتها، بما يشمل الاقتصاد، والعقليات الجماعية، والرموز، وأنماط الحياة اليومية، مما نقل التاريخ من السرد إلى التحليل.

اعتبر بلوخ أن الوثيقة المكتوبة ليست المصدر الوحيد للحقيقة، بل يجب على المؤرخ استنطاق الصور والخرائط واللقى الأثرية وحتى المناظر الطبيعية. هذا المنهج النقدي كان يهدف إلى بناء صورة أكثر دقة وتعقيداً عن الماضي، بعيداً عن الرؤى القومية الضيقة التي كانت سائدة في مطلع القرن العشرين.

تجسدت جرأة بلوخ العلمية في كتابه 'الملوك أصحاب القدرة على الشفاء' الصادر عام 1924، حيث حلل المعتقدات الشعبية حول القوى الخارقة للملوك. لم يكن الكتاب مجرد دراسة للعصور الوسطى، بل كان بحثاً في كيفية توظيف الأساطير لترسيخ السلطة السياسية، وهو ما فتح آفاقاً جديدة في الأنثروبولوجيا التاريخية.

أما في مؤلفه الضخم 'المجتمع الإقتطاعي'، فقد أعاد بلوخ صياغة فهمنا للعصور الوسطى عبر تفكيك شبكات الولاء والعلاقات الاقتصادية المعقدة. ابتعد في هذا العمل عن الصور النمطية الجامدة، مقدماً رؤية حيوية للمجتمع الوسيط ظلت مرجعاً أساسياً في الجامعات الأوروبية والعالمية لعقود طويلة.

لم ينفصل النشاط الأكاديمي لبلوخ عن واجبه المدني، فقد شارك في الحربين العالميتين بشجاعة لافتة رغم تقدمه في السن خلال الحرب الثانية. ومن قلب الانهيار الفرنسي عام 1940، كتب مؤلفه الشهير 'الهزيمة الغريبة'، منتقداً فيه جمود النخب السياسية والعسكرية التي عجزت عن فهم تحولات العصر.

مع صعود حكومة 'فيشي' الموالية للاحتلال النازي، واجه بلوخ اضطهاداً مباشراً بسبب أصوله اليهودية، حيث طُرد من عمله وصودرت مكتبته الخاصة. لكن هذه المحن لم تكسر إرادته، بل دفعته للانخراط في صفوف المقاومة السرية، مستخدماً مهاراته التنظيمية في تنسيق العمليات المناهضة للنازية.

في مارس 1944، وقع بلوخ في قبضة قوات 'الغيستابو' بمدينة ليون، حيث تعرض لصنوف قاسية من التعذيب الجسدي والنفسي. ورغم التنكيل، رفض المؤرخ الإدلاء بأي معلومات عن رفاقه، ليتم إعدامه رمياً بالرصاص في يونيو من العام نفسه، مختتماً حياته بموقف بطولي يجسد مبادئه.

يرى الباحثون في الكتاب الجديد أن فعل المقاومة عند بلوخ لم يقتصر على حمل السلاح، بل كان متجذراً في منهجه العلمي القائم على النقد والمراجعة. فالبحث عن الحقيقة التاريخية هو في جوهره مواجهة للتزييف والدعاية الأيديولوجية، وهو ما يجعل من المؤرخ حارساً للذاكرة الجماعية ضد التشويه.

يبرز الكتاب الجماعي كيف أن إرث بلوخ تجاوز حدود تخصصه في تاريخ العصور الوسطى ليؤثر في أجيال من علماء الاجتماع والسياسة. إن انفتاحه على الاقتصاد والجغرافيا المقارنة جعل من أعماله نموذجاً للتجديد المنهجي الذي لا يزال حياً وفاعلاً في النقاشات الأكاديمية المعاصرة.

حمل تكريم بلوخ دلالة إضافية بدخول رفات زوجته معه إلى 'البانثيون'، في لفتة تقدير للعائلات التي ساندت المقاومة وتحملت تبعات الاحتلال. هذا الاستحضار الجماعي يؤكد أن الدفاع عن قيم الحرية والعقل هو مسؤولية مشتركة تتجاوز الأفراد لتشمل المجتمع بأسره.

ختاماً، يظل مارك بلوخ رمزاً للمثقف الذي يرفض الانعزال في برجه العاجي، مؤمناً بأن المعرفة يجب أن تكون في متناول الجميع. إن حياته التي انتهت فداءً لمواقفه، تذكرنا بأن كتابة التاريخ بصدق هي بحد ذاتها فعل مقاومة مستمر ضد كل أشكال الاستبداد والجهل.

دلالات

شارك برأيك

مارك بلوخ في 'البانثيون': عندما يتحول تدوين التاريخ إلى جبهة للمقاومة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.