أكدت الحكومة العراقية مضيها قدماً في حملة وطنية شاملة لمكافحة الفساد المالي والإداري، مشددة على أن هذه التحركات تجري دون سقف زمني أو خطوط حمراء تحمي المتورطين. وأوضح منير حداد، المستشار القانوني لرئيس الوزراء أن الأجهزة الرقابية والقضائية تعمل بتنسيق عالٍ لملاحقة كافة الملفات التي تسببت بهدر المال العام طيلة العقدين الماضيين.
وكشفت مصادر رسمية عن أرقام وصفتها بالصادمة لحجم الأموال التي جرى نهبها من خزينة الدولة منذ عام 2003، حيث تجاوزت القيمة التقديرية تريليوني دولار أمريكي. وأشار حداد إلى أن هذه المبالغ الضخمة وما يقابلها من عقارات وأصول مملوكة للمتهمين تمثل تحدياً كبيراً يتجاوز في حجمه حدود المنطق والعقل البشري.
وشهدت الأيام القليلة الماضية تصعيداً في وتيرة الملاحقات القضائية، حيث أوقفت السلطات عشرات المشتبه بهم في قضايا فساد كبرى، من بينهم نواب ومسؤولون حاليون وسابقون. وجاءت هذه الخطوات بعد رفع الحصانة القانونية عن المتورطين، في إطار سلسلة من التحقيقات التي بدأت تتسع دائرتها لتشمل مفاصل حيوية في الدولة.
وتستند الموجة الحالية من الاعتقالات إلى اعترافات تفصيلية أدلى بها وكيل وزارة النفط الموقوف، عدنان الجميلي، الذي أُقيل من منصبه في مطلع يونيو الماضي. وتواجه الشخصيات الموقوفة تهماً تتعلق بإبرام عقود غير قانونية، وتسهيل الاستيلاء على أموال الدولة، فضلاً عن استغلال النفوذ الوظيفي لتحقيق مكاسب شخصية غير مشروعة.
وأفادت مصادر بأن التحقيقات الجارية لا تقتصر على أساليب الاختلاس التقليدية، بل تمتد لتشمل ملفات تضخم الثروة المالية غير الطبيعي وتطبيق مبدأ 'من أين لك هذا'. وتصنف هذه الجرائم قانونياً ضمن فئات غسل الأموال، حيث تم رصد مسؤولين يمتلكون عشرات العقارات المسجلة بأسمائهم أو بأسماء أفراد عائلاتهم بطرق مريبة.
وفي إطار التعاون الأمني الداخلي، أبدت سلطات إقليم كردستان تعاوناً ملموساً مع الحكومة الاتحادية عبر تسليم ثمانية من المطلوبين الذين حاولوا اللجوء إلى الإقليم. وتستمر المداهمات اليومية في مختلف المحافظات لضبط بقية المتهمين، وسط أنباء عن محاولات بعضهم الفرار إلى خارج البلاد هرباً من الملاحقة القضائية.
حجم الأموال المنهوبة من العراق منذ عام 2003 وحتى الآن تجاوز تريليوني دولار، وأرقام السرقات وعقارات المتهمين تفوق مستوى العقل والمنطق.
وشدد المستشار القانوني على أن جميع المحاكمات المقبلة للمتورطين ستكون علنية أمام الرأي العام العراقي لضمان الشفافية والعدالة. وأكد أن القضاء لن يتهاون مع أي شخص يثبت تورطه، مشيراً إلى أن الإفراج عن بعض المتهمين بكفالة لا يعني براءتهم، بل هو إجراء قانوني مؤقت بانتظار صدور الأحكام النهائية.
وتواجه الحملة الحالية ضغوطاً سياسية مكثفة من جهات تخشى وصول حبل الاعترافات إلى قياداتها، إلا أن رئيس الوزراء أبدى حزماً شديداً في رفض هذه التدخلات. وتجري العمليات الأمنية بسرية تامة لضمان مباغتة المطلوبين ومنع تدمير الأدلة أو تهريب ما تبقى من أموال وممتلكات محتجزة.
وتشير التقارير إلى أن المرحلة المقبلة من الحملة قد تشهد الإطاحة بوزراء سابقين ومسؤولين بارزين كانوا يعتبرون في وقت سابق بعيدين عن المساءلة. وتعمل هيئة النزاهة بالتنسيق مع قضاة التحقيق المختصين على تدقيق كافة العقود والمشاريع التي تحوم حولها شبهات فساد منذ سنوات طويلة.
وبحسب المصادر، فإن المضبوطات الحالية تشمل كميات هائلة من العملات الصعبة والسيارات الفارهة، بالإضافة إلى استثمارات وعقارات داخل العراق وخارجه. وتؤكد الحكومة أن الهدف النهائي هو استرداد كافة هذه الأصول وإعادتها إلى خزينة الدولة لدعم الاقتصاد الوطني وتحسين الخدمات العامة للمواطنين.
وعلى الرغم من أن القانون العراقي قد يمنح بعض التخفيف في العقوبات لمن يبادر بإعادة الأموال المنهوبة، إلا أن ذلك لا يعفي المتهم من المسؤولية الجنائية. وتستمر الملاحقة الدولية للمتهمين الذين تمكنوا من مغادرة البلاد، عبر التنسيق مع المنظمات الأمنية الدولية لاستردادهم ومحاكمتهم داخل العراق.
وتعد هذه الحملة الأوسع من نوعها في تاريخ العراق الحديث، حيث تهدف إلى تفكيك شبكات الفساد المتجذرة في مؤسسات الدولة منذ عقود. ويترقب الشارع العراقي نتائج هذه التحقيقات، وسط آمال بأن تؤدي إلى إصلاحات حقيقية تنهي حقبة استنزاف ثروات البلاد وتضع حداً لظاهرة الإفلات من العقاب.





شارك برأيك
تجاوزت تريليوني دولار.. العراق يكشف تفاصيل صادمة عن الأموال المنهوبة وحملة تطال مسؤولين كباراً