أكد كبار المسؤولين العسكريين في القارة الأوروبية أن دول حلف شمال الأطلسي باتت ملزمة بإعادة تقييم شاملة لقدراتها القتالية، وذلك في ظل التحولات المتسارعة التي تفرضها بيئة العمليات الحربية الحديثة. وتأتي هذه التحذيرات مدفوعة بتصاعد المخاوف من التهديدات المحتملة التي تشكلها روسيا على أمن واستقرار الأراضي الأوروبية في المستقبل القريب.
وخلال مؤتمر دفاعي رفيع المستوى عُقد في العاصمة البريطانية لندن، شدد المارشال السير جوني سترينجر، نائب القائد الأعلى للحلف في أوروبا، على ضرورة إحداث تحول استراتيجي في نوعية التسليح. ودعا سترينجر إلى تبني إنتاج كميات ضخمة من العتاد العسكري منخفض التكلفة، مثل الطائرات المسيرة والصواريخ الاعتراضية، لمواكبة متطلبات الميدان الحالية.
وأوضح سترينجر أن الاعتماد المفرط على المعدات العسكرية المتطورة للغاية والمكلفة ماديًا لم يعد كافيًا، خاصة وأن إنتاجها قد يستغرق سنوات طويلة لا تتماشى مع سرعة التهديدات. وأشار إلى أن الأولويات الراهنة يجب أن تتركز على امتلاك القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة في العمق، وتعزيز الدفاعات الجوية ضد الأسلحة بعيدة المدى.
وفي سياق متصل، لفت المسؤول العسكري إلى أهمية السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي كجزء لا يتجزأ من الحروب الحديثة، مع ضرورة تأمين الدفاعات ضد الصواريخ التي يصل مداها لآلاف الكيلومترات. وحذر من أن التهديدات الروسية لم تعد تقتصر على جبهة واحدة، بل تمتد لتشمل الأسطول الشمالي والقدرات الجوية والتحت سطحية.
من جانبه، صرح اللفتنانت جنرال كريستيان فرويدينغ، قائد الجيش الألماني، بأن النزاعات الحالية في أوكرانيا والشرق الأوسط أثبتت أن الحرب البرية تمر بمرحلة تغيير جذري. وأكد فرويدينغ أن مواجهة هذه التحديات تتطلب زيادة ملموسة في الإنفاق العسكري وتسريع وتيرة المشتريات الدفاعية لسد الفجوات القائمة.
وكشف القائد الألماني عن توجه جديد في برلين يركز على اقتناء الحلول العسكرية المتاحة فورًا في الأسواق، بدلاً من انتظار تطوير تقنيات قد تستغرق عقدًا من الزمن للوصول إلى الخدمة. ويهدف هذا التوجه إلى معالجة الثغرات الأمنية الأكثر خطورة في الجيش الألماني بشكل عاجل لضمان الجاهزية القتالية المستمرة.
وعلى صعيد التكنولوجيا الرقمية، أبرز القادة العسكريون الدور المحوري الذي سيلعبه الذاء الاصطناعي في تحويل مسار المعارك عبر معالجة البيانات الضخمة بسرعة فائقة. وأشاروا إلى أن دمج هذه التقنيات في غرف العمليات سيعزز من قدرة القوات على اتخاذ قرارات دقيقة في أوقات قياسية مقارنة بالأساليب التقليدية.
نواجه تهديدًا يحيط بنا من كل جانب، وعلينا أن نعدل بشكل جذري أساليب خوض المعارك لمواجهة التحديات الراهنة.
وفي هذا الصدد، أوضح الجنرال السير رولي ووكر، رئيس هيئة أركان الجيش البريطاني أن الذكاء الاصطناعي قلص دورة التخطيط العسكري للفيلق من ثلاثة أيام إلى ساعة واحدة فقط. هذا التطور التقني يسمح بزيادة عدد الأهداف العسكرية التي يمكن التعامل معها بمقدار عشرة أضعاف، مما يمنح الجيوش تفوقًا نوعيًا في الميدان.
وتأتي هذه التحركات الأوروبية في وقت تزداد فيه الضغوط السياسية من واشنطن، حيث اتهمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الحكومات الأوروبية بالتقاعس عن تمويل جيوشها. وهددت الإدارة الأمريكية مرارًا بالانسحاب من حلف الناتو أو تقليص الوجود العسكري في القارة، مما دفع الأوروبيين للبحث عن استقلالية دفاعية أكبر.
وكانت واشنطن قد أعلنت في وقت سابق عن خطط لسحب آلاف الجنود من القواعد العسكرية في ألمانيا، وهو ما اعتبره مراقبون إشارة واضحة لضرورة تحمل أوروبا مسؤولية أمنها. وتترقب العواصم الأوروبية القمة الحاسمة لحلف شمال الأطلسي المقرر عقدها في أنقرة في يوليو المقبل لرسم ملامح العلاقة المستقبلية مع الولايات المتحدة.
وأفادت مصادر عسكرية بأن الحرب المستمرة في أوكرانيا كانت بمثابة جرس إنذار كشف عن قصور في مخزونات الذخيرة وقدرات الإنتاج الحربي لدى دول الناتو. هذا الواقع فرض على المخططين العسكريين إعادة التفكير في استراتيجيات الاستنزاف والقدرة على الصمود في حروب طويلة الأمد تتطلب إمدادات مستمرة وغير منقطعة.
كما تطرق المسؤولون إلى ضرورة تعزيز التعاون الصناعي العسكري بين الدول الأوروبية لتوحيد المعايير وتقليل التكاليف، وضمان تدفق السلاح في حالات الطوارئ القصوى. ويرى الخبراء أن التكامل الدفاعي الأوروبي بات ضرورة ملحة وليس مجرد خيار سياسي في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة مع موسكو.
وفي ختام المداولات، شدد القادة على أن التهديد الروسي قد يتجسد في شكل مواجهة مباشرة مع أراضي الحلف خلال سنوات قليلة إذا لم يتم تدارك الموقف الدفاعي. وتظل القدرة على الابتكار السريع ودمج التكنولوجيا الحديثة في الهياكل العسكرية التقليدية هي التحدي الأكبر الذي يواجه القارة العجوز في العقد الحالي.
وتشير التقارير إلى أن التحول نحو 'جيوش المستقبل' سيتطلب ميزانيات ضخمة وإرادة سياسية صلبة لتغيير القوانين البيروقراطية التي تعيق عمليات الشراء العسكري. ومع اقتراب موعد قمة أنقرة، يبدو أن أوروبا تسابق الزمن لإثبات قدرتها على حماية حدودها وتطوير ترسانة قادرة على ردع أي عدوان محتمل.





شارك برأيك
استنفار عسكري أوروبي: دعوات لتغيير جذري في استراتيجيات القتال لمواجهة التهديدات الروسية