أقلام وأراء

الأحد 21 يونيو 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس

من التعليم إلى التعلّم: الطريق إلى فلسطين القادمة

تمتلك القضية الفلسطينية خصوصية تجعل الحديث عن المستقبل فيها مختلفاً عن أي حالة استعمارية أو صراعية أخرى. فبينما تُقاس قوة الدول عادةً بمؤشرات الاقتصاد والعسكر والسياسة، فإن بقاء الشعب الفلسطيني وقدرته على الاستمرار ارتبط، عبر عقود طويلة، بعامل آخر غالبا ما يُهمل في التحليلات الاستراتيجية التقليدية: التعليم والتعلّم.

لقد اعتاد الفلسطينيون النظر إلى التعليم باعتباره طريقًا للترقي الاجتماعي أو وسيلة للحصول على وظيفة، لكن التجربة التاريخية الفلسطينية تثبت أن التعليم كان أكثر من ذلك بكثير ، فقد شكّل أحد أهم أدوات البقاء الوطني. فمنذ النكبة، مرورًا باللجوء، ووصولًا إلى الانتفاضات والسجون والحروب المتكررة، ظل التعليم المجال الذي استطاع الفلسطينيون من خلاله حماية هويتهم وإعادة إنتاج مجتمعهم رغم كل محاولات التفكيك والإقصاء.

وإذا كان العالم منشغلًا اليوم بالحروب والصراعات الإقليمية والتحولات الجيوسياسية الكبرى، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفلسطينيين هو: ما مستقبل التعليم والتعلّم الفلسطيني خلال العقد القادم؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أكثر أهمية من الإجابة عن كثير من الأسئلة السياسية الآنية.

المؤشرات الحالية لا تبعث على الاطمئنان. فالمنظومة التعليمية الفلسطينية تتعرض لضغوط غير مسبوقة نتيجة الحرب والاحتلال والأزمات الاقتصادية والانقسام السياسي. آلاف الطلبة حُرموا من التعليم المنتظم، ومئات المدارس تعرضت للتدمير أو التعطيل، والجامعات تواجه تحديات مالية متزايدة، فيما يعيش المعلمون والطلبة حالة من القلق وعدم اليقين بشأن المستقبل.

غير أن القراءة التربوية العميقة تكشف جانبا آخر من الصورة. فالتعليم الفلسطيني أثبت تاريخيا قدرة استثنائية على التكيف مع البيئات القسرية. ففي المخيمات نشأت مدارس صنعت أجيالًا من العلماء والمفكرين. وفي سجون الاحتلال تطورت تجارب تعليمية فريدة اعتمدت على التعلم الذاتي والتعلم التعاوني وإنتاج المعرفة في ظروف تكاد تكون مستحيلة. وخلال فترات الإغلاق والحصار، نجحت المؤسسات التعليمية في ابتكار بدائل متعددة لضمان استمرار العملية التعليمية.

هذه الخبرات المتراكمة تشير إلى أن مستقبل التعليم الفلسطيني لن يتحدد فقط بحجم الموارد المتاحة، بل بقدرة المجتمع على تطوير نماذج تعلم أكثر مرونة واستقلالية. فالعالم يتجه اليوم نحو أنماط جديدة من التعليم تعتمد على التعلم الذاتي، والتعلم المدمج، والذكاء الاصطناعي، ومجتمعات التعلم الرقمية، بينما ما زالت كثير من مؤسساتنا التعليمية أسيرة نماذج تقليدية صُممت لعالم مختلف.

خلال السنوات المقبلة، لن يكون التحدي الأكبر هو بناء المزيد من المدارس أو زيادة عدد المقاعد الدراسية فقط، بل بناء متعلم قادر على التعلم في أي زمان ومكان وتحت أي ظرف. فالمجتمعات التي تواجه الأزمات الطويلة تحتاج إلى أفراد يمتلكون مهارات التعلم المستمر أكثر من حاجتهم إلى حفظ المعلومات.

ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي في فلسطين المستقبل لا يبدأ من الإسمنت والحجر وحدهما، بل من بناء رأس المال البشري. فالطفل الذي يتعلم كيف يفكر، وكيف يبحث، وكيف يحلل، وكيف يتكيف مع المتغيرات، هو في الحقيقة مشروع تنموي ووطني طويل الأمد. والمعلم الذي يمتلك القدرة على صناعة الدافعية والأمل في بيئة مليئة بالإحباط يؤدي دورًا لا يقل أهمية عن أي دور سياسي أو اقتصادي.

كما أن التحولات الديموغرافية والتكنولوجية ستفرض إعادة النظر في أهداف التعليم ذاته. فالمطلوب لم يعد تخريج باحثين عن وظائف فقط، بل إعداد مواطنين قادرين على خلق فرصهم الخاصة، والمشاركة في الاقتصاد الرقمي، والتفاعل مع المعرفة العالمية دون فقدان هويتهم الوطنية والثقافية.

وفي تقديري، فإن مستقبل فلسطين خلال العقد القادم سيتحدد بدرجة كبيرة وفق قدرة نظامها التعليمي على الانتقال من ثقافة التعليم إلى ثقافة التعلّم. فالتعليم عملية تقدمها المؤسسة، أما التعلّم فهو قدرة يمتلكها الإنسان نفسه. وحين يصبح التعلّم مهارة مجتمعية عامة، يصبح المجتمع أكثر قدرة على الصمود والتجدد مهما اشتدت الأزمات.

لقد أثبت الفلسطينيون مرارًا أنهم قادرون على إعادة بناء ما تهدمه الحروب. أما التحدي الأكبر اليوم فهو بناء إنسان قادر على إعادة بناء نفسه باستمرار. فالمستقبل الفلسطيني لن يُصنع فقط على طاولات السياسة أو في ميادين الصراع، بل سيُصنع أيضًا في الصفوف الدراسية، والمكتبات، ومنصات التعلم الرقمية، وكل مساحة تُنتج معرفة وأملًا وقدرة على الاستمرار.

ولهذا، فإن السؤال الاستراتيجي الأهم أمام الفلسطينيين ليس فقط: كيف نحمي أرضنا؟ بل أيضًا: كيف نبني متعلمًا قادرًا على حماية مستقبله ومستقبل وطنه؟ فهناك، في قلب عملية التعلّم، تبدأ فلسطين القادمة.

دلالات

شارك برأيك

من التعليم إلى التعلّم: الطريق إلى فلسطين القادمة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.