أثارت التحركات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تساؤلات عميقة في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، خاصة بعد طلبه الإلزامي من ثماني دول عربية وإسلامية التوقيع الفوري على 'اتفاقيات أبراهام'. واعتبرت قراءات تحليلية في الصحافة العبرية أن هذه الدعوة، التي شملت دولاً تمتلك بالفعل علاقات مع تل أبيب مثل القاهرة وعمان وأنقرة، تعكس ارتباكاً في الرؤية الأمريكية تجاه التوازنات الإقليمية المتغيرة.
وفي هذا السياق، شن الصحفي الإسرائيلي إيال عوفر هجوماً حاداً في مقال نشرته صحيفة 'معاريف'، متهماً ترامب بخلق ما وصفه بـ 'الوحش الإقليمي'. وأشار عوفر إلى أن السعي لترسيخ اتفاقيات التطبيع أدى لنتائج عكسية، حيث بدأت تتشكل ملامح تحالفات جديدة أطلق عليها اسم 'اتفاقيات محمد'، والتي تجمع قوى إسلامية كبرى في مواجهة المصالح الإسرائيلية.
وتشير المصادر إلى أن النسخة الجديدة من الاتفاق النووي الإيراني تحمل في طياتها دلالات استراتيجية خطيرة، أبرزها انضمام دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المحور السعودي الباكستاني. هذا التحول يعني عملياً ولادة تحالف 'شيعي – سني' غير مسبوق، قد يطغى تماماً على مكاسب اتفاقيات أبراهام التي تم الترويج لها لسنوات كركيزة للأمن الإقليمي.
ويلفت التحليل العبري إلى أن السعودية اتخذت خطوات استباقية بتوقيع اتفاق دفاعي مع باكستان، وهي الدولة التي تمتلك سلاحاً نووياً ولم يكن لها تأثير مباشر على تل أبيب قبل اندلاع المواجهة مع إيران. إلا أن الحرب الأخيرة جعلت من باكستان شرياناً حيوياً للنظام الإيراني، سواء عبر الوساطة السياسية أو تأمين ممرات إمداد برية تصل إلى الصين، مما يعزز قاعدة القوة الجديدة في المنطقة.
وحول الموقف الإماراتي، ذكرت التقارير أن حاكم الإمارات محمد بن زايد كان من أكثر المتمسكين بمواجهة النفوذ الإيراني حتى اللحظة الأخيرة. وقد أبدت أبوظبي في البداية استعداداً للقتال، وشاركت طائراتها في عمليات عسكرية دون إعلان رسمي، مع تلميحات بمهاجمة الجزر التي تسيطر عليها إيران منذ سبعينيات القرن الماضي.
لكن الضغوط الاقتصادية الهائلة والأضرار الناتجة عن الحرب غيرت الحسابات الإماراتية بشكل جذري، حيث يعتمد اقتصاد الدولة على كونه مركزاً عالمياً للأعمال. وأدركت طهران هذه الثغرة، فوجهت ضربات صاروخية مكثفة استهدفت بيئة الأعمال لدفع الشركات والمهنيين الغربيين إلى مغادرة البلاد، مما وضع استقرار الدولة على المحك.
وأوضحت المصادر أن التهديد الإيراني للبنية التحتية الحيوية، مثل محطات تحلية المياه وشبكات الكهرباء الضرورية للحياة في الخليج، شكل ضغطاً لا يمكن تحمله. هذا الواقع دفع القيادة الإماراتية للبحث عن خيارات بديلة تضمن بقاء الدولة، وهو ما أدى في النهاية إلى التقارب مع المحور السعودي الباكستاني الإيراني لتجنب الانهيار الشامل.
اتفاقيات أبراهام تتحطم الآن على وقع عودة الإمارات إلى أحضان الدول الإسلامية، وما يتشكل اليوم هو 'اتفاقيات محمد' التي ستجعل حياة إسرائيل أكثر صعوبة.
ويرى مراقبون إسرائيليون أن نتائج انضمام أبوظبي لهذا المحور ستتردد أصداؤها لسنوات طويلة، حيث تشهد المنطقة صعوداً للقوة الإسلامية الجماعية. هذا التحول سيجعل الحياة في المنطقة بالنسبة لـ 'الدولة اليهودية' أكثر تعقيداً وصعوبة، خاصة مع تراجع الاعتماد المطلق على الحماية والدعم الأمريكي الذي لم يمنع التهديدات الوجودية.
وعلى الرغم من أن اتفاقيات أبراهام قد لا تُلغى رسمياً، إلا أنها من الناحية العملية تتحطم أمام الواقع الجديد الذي تسيطر عليه الأموال السعودية والقطرية والقدرة النووية الباكستانية. هذا المزيج من القوة المالية والعسكرية والديموغرافية أصبح هو العامل المهيمن في الشرق الأوسط، متجاوزاً طموحات التطبيع التي سعت تل أبيب لترسيخها.
وحذر الكاتب في 'معاريف' من أن الأموال التي قد يفرج عنها ترامب لصالح إيران ستسمح لطهران ببناء جيش حديث يتفوق بمراحل على قدراتها السابقة. فبدلاً من المعدات القديمة التي تم استهدافها، ستتمكن إيران من الحصول على ترسانة صينية وروسية متطورة، مما يغير موازين القوى العسكرية في الخليج والمنطقة بشكل دائم.
وفي الطرف الغربي من هذا التحالف الجديد، تبرز مصر وتركيا كقوى مرشحة للارتباط الوثيق بالمحور الباكستاني الإيراني السعودي. هذا التكتل الواسع سيخلق طوقاً استراتيجياً يحيط بإسرائيل، ويجعل من قدرتها على المناورة السياسية والعسكرية أمراً في غاية الصعوبة في ظل غياب حلفاء إقليميين موثوقين.
واعتبر التحليل أن سقوط الإمارات كأول 'قطعة دومينو' في منظومة التطبيع يمثل النهاية غير المعلنة لاتفاقيات أبراهام. ويشير هذا الصعود للقوة الإسلامية إلى مستويات تاريخية لم تشهدها المنطقة منذ قرون، مما يضع إسرائيل أمام واقع جيوسياسي مرير يتطلب إعادة تقييم شاملة لكافة استراتيجياتها الأمنية.
وخلص المقال إلى أن تردد ترامب وتباطؤه في حسم الملفات العالقة ساهم بشكل مباشر في صناعة هذا 'الوحش' الذي يهدد المصالح الغربية والإسرائيلية على حد سواء. إن التحول من 'أبراهام' إلى 'محور إسلامي' متكامل يمثل فشلاً استراتيجياً كبيراً للمشروع الذي حاولت الإدارة الأمريكية السابقة تسويقه كفجر جديد للشرق الأوسط.





شارك برأيك
إعلام عبري: ترامب خلق 'وحشاً' إقليمياً وتحالفات إسلامية تبتلع 'اتفاقيات أبراهام'