عربي ودولي

الأربعاء 22 أبريل 2026 12:50 مساءً - بتوقيت القدس

محمد مصدق.. حكاية الزعيم الذي أمم نفط إيران وأسقطته المخابرات الدولية

برز اسم محمد مصدق في أربعينيات القرن الماضي كأحد أهم رجال القانون والسياسة في إيران، حيث كرس حياته للسعي نحو بناء دولة برلمانية ديمقراطية تنهي الاستبداد الملكي. وقد خاض مصدق مواجهات شرسة ضد النفوذ البريطاني، مدافعاً عن حق الشعب الإيراني في السيطرة على ثرواته الطبيعية، مما جعله عرضة للسجن والنفي والتآمر الدولي.

تنقل مذكرات مصدق تفاصيل معاناته الشخصية والسياسية، وتكشف الستار عن آليات عمل القوى العظمى في سعيها للاستحواذ على موارد الطاقة العالمية. ويؤكد المؤرخون أن مصدق لم يكن مجرد سياسي عابر، بل جسد التطلعات الوطنية الإيرانية في السيادة والكرامة، وهو ما تجلى بوضوح في قراره التاريخي بتأميم صناعة النفط.

نشأ مصدق في كنف عائلة أرستقراطية ذات نفوذ واسع في الدولة القاجارية، حيث تولى مناصب رسمية في سن مبكرة جداً. فقد حصل على لقب سلطان وهو في العاشرة من عمره، وعُين كبيراً لموظفي الضرائب في مقاطعة خراسان، وهي تجربة مبكرة صقلت فهمه لإدارة الدولة والمالية العامة قبل أن يتجه للدراسة الأكاديمية في أوروبا.

تأثر مصدق بشكل عميق بالفكر التنويري الغربي ومفاهيم القانون الحديث خلال دراسته في فرنسا وسويسرا، حيث حصل على درجة الدكتوراه في القانون. وبعد عودته إلى طهران، بدأ مسيرته الأكاديمية والسياسية مستنداً إلى سمعة ناصعة في محاربة الفساد، مما جعله في صدام دائم مع مراكز القوى المرتبطة بالاستعمار.

شهد عام 1928 دخول مصدق في عزلة سياسية طويلة بعد التلاعب بنتائج الانتخابات النيابية، لكنه عاد بقوة عقب الحرب العالمية الثانية مدفوعاً بتأييد شعبي جارف. وانتخب نائباً عن طهران في عام 1944، ليبدأ حملة برلمانية مركزة للحد من صلاحيات الشاه ومنع التدخلات البريطانية في الشؤون الداخلية للبلاد.

أسس مصدق 'الجبهة الوطنية' في عام 1949، وهي تحالف عريض ضم أحزاباً ومؤسسات دينية ونقابات، طالبت جميعها بالاستقلال الاقتصادي وإعادة توزيع الثروة. وكان يرى أن موقع الشاه يجب أن يظل رمزياً واحتفالياً فقط، محذراً من أن تدخل الملك في السلطة التنفيذية يعني القضاء التام على النظام الدستوري.

وصلت المواجهة مع بريطانيا إلى ذروتها عندما طرح مصدق خيار تأميم النفط كمسألة سيادة وطنية لا تقبل المساومة. ورغم استعداده المبدئي لتقاسم الأرباح بشكل منصف، إلا أن التعنت البريطاني دفع البرلمان الإيراني لاختياره رئيساً للوزراء في عام 1951 لتنفيذ قانون التأميم واستعادة المنشآت الحيوية في خوزستان.

ردت بريطانيا على قرار التأميم بفرض حصار اقتصادي عالمي على النفط الإيراني وشن حرب سرية شملت رشوة السياسيين وتحريك العملاء. ومع فشل الضغوط الاقتصادية في إسقاط الحكومة، لجأت لندن إلى التنسيق مع واشنطن لإعداد خطة عسكرية واستخباراتية تهدف إلى الإطاحة بمصدق وإنهاء تجربته الوطنية.

قادت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عملية 'أجاكس' تحت إشراف العميل كيرميت روزفلت، مستهدفة تشويه صورة مصدق عبر حملات دعائية واسعة. وبدأت العملية بتحريك وحدات عسكرية موالية للشاه، تزامنت مع افتعال فوضى في الشوارع بتمويل خارجي، مما أدى في النهاية إلى محاصرة منزل رئيس الوزراء.

رغم القوة الشعبية التي كان يتمتع بها، ارتكب مصدق خطأً استراتيجياً بطلبه من أنصاره عدم النزول إلى الشوارع لتجنب الصدام، مما سهل مأمورية الانقلابيين. واضطر مصدق في نهاية المطاف لتسليم نفسه للسلطات العسكرية، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ إيران اتسمت بعودة الحكم المطلق المدعوم من الخارج.

خلال محاكمته التي بدأت بعد ستة أسابيع من الانقلاب، دافع مصدق عن شرعيته واعتبر اعتقاله إجراءً غير قانوني يخدم المصالح الاستعمارية. ورأت مصادر تاريخية أن القوى الغربية وجدت في التخلص من مصدق خياراً أقل كلفة من التفاوض مع زعيم وطني لا يمكن شراؤه أو تطويعه.

حُكم على الزعيم الإيراني بالسجن لمدة ثلاث سنوات، تلاها فرض الإقامة الجبرية عليه في قرية أحمد آباد النائية. وعاش مصدق سنواته الأخيرة معزولاً عن الحياة العامة، لكنه ظل حاضراً في وجدان الإيرانيين كرمز للنضال من أجل الدستور والحقوق الفردية والسيادة الوطنية على الموارد.

توفي محمد مصدق في منفاه الاختياري عام 1967، ودفن في القرية التي قضى فيها سنوات إقامته الجبرية، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً معقداً. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن الإطاحة بحكومته المنتخبة كانت نقطة تحول أدت إلى فقدان النظام الملكي لشرعيته الشعبية بشكل نهائي أمام تطلعات الاستقلال.

تظل قصة مصدق درساً تاريخياً حول كيفية تقاطع المصالح النفطية مع السيادة الوطنية، وكيف يمكن للتدخلات الخارجية أن تجهض التجارب الديمقراطية الناشئة. واليوم، يستذكر الإيرانيون مصدق ليس فقط كمؤمم للنفط، بل كرجل قانون آمن بأن احترام الدستور هو الضمانة الوحيدة لاستقرار الأوطان وازدهارها.

دلالات

شارك برأيك

محمد مصدق.. حكاية الزعيم الذي أمم نفط إيران وأسقطته المخابرات الدولية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.