أعادت المواجهات العسكرية الأخيرة مع إيران تسليط الضوء على أزمة السكن والتحصين داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث سجلت الأسواق طلباً غير مسبوق على البيوت المحمية. وكشفت هذه التطورات عن تفاوت طبقي حاد، إذ بات الأثرياء وحدهم القادرين على اقتناء شقق مزودة بغرف محصنة، بينما يواجه ذوو الدخل المحدود مخاطر الصواريخ دون حماية كافية.
أفادت مصادر اقتصادية بأن الحرب عمقت الفوارق بين المستوطنين الذين يمتلكون تأميناً سكنياً شاملاً وأولئك الذين يضطرون للهروب إلى الملاجئ العامة المتهالكة. وأوضحت المصادر أن الرغبة في الحصول على الأمان أصبحت سلعة باهظة الثمن، مما أجبر عائلات كثيرة على استئجار شقق محصنة لفترات قصيرة بأسعار خيالية للنجاة من الهجمات.
تشير بيانات صادرة عن بنك إسرائيل إلى تذبذب واضح في أقساط التأمين على الممتلكات والمنشآت منذ اندلاع المواجهات في أكتوبر 2023. ورغم انخفاضها الأولي، إلا أنها عاودت الارتفاع بشكل حاد عقب الهجمات الصاروخية في أكتوبر 2024 ويونيو 2025، مستهدفة بشكل أساسي قطاع الشقق السكنية المؤجرة التي تفتقر للتحصين.
بات الوعي بأهمية الحماية الهيكلية للمباني يمثل ركيزة أساسية في تحديد قيمة العقارات في مناطق الشمال والجنوب والوسط على حد سواء. ويؤكد وكلاء عقارات أن معايير الاختيار لدى المستوطنين تغيرت جذرياً، حيث أصبح وجود 'الغرفة المحصنة' شرطاً يتقدم على الموقع الجغرافي أو جودة التشطيبات الداخلية للشقة.
في مدينة تل أبيب، التي تعرضت لضربات صاروخية مكثفة، وصلت أسعار الإيجار من الباطن إلى مستويات قياسية بلغت ثلاثة أضعاف قيمتها المعتادة. وتراوحت تكلفة استئجار الشقق المحصنة بين 6000 و8500 شيكل أسبوعياً، وهو ما يعادل مبالغ ضخمة لا تستطيع الأسر المتوسطة تحملها في ظل الظروف الراهنة.
وصلت قيمة الإيجار الشهري لبعض الوحدات السكنية في قلب المركز إلى نحو 28 ألف شيكل، أي ما يقارب 9500 دولار أمريكي. ويأتي هذا الارتفاع الجنوني مقارنة بالسعر الطبيعي الذي لم يكن يتجاوز 10 آلاف شيكل قبل اشتعال الجبهات العسكرية، مما يعكس حالة الذعر التي تسيطر على سوق العقارات.
نقلت مصادر عن مستشارين عقاريين أن الفجوة في أسعار الإيجارات بين الشقق المحصنة وغير المحصنة تتراوح حالياً بين 2000 و3000 شيكل شهرياً. ورغم التوقعات باحتمالية انخفاض هذه الفوارق مستقبلاً، إلا أن الواقع الحالي يفرض ضغوطاً اقتصادية هائلة على المستأجرين الذين يبحثون عن الأمان.
الحرب كشفت مجدداً عن تفاقم الفوارق الطبقية بين من يملكون تأميناً إلزامياً على السكن، ومن اضطروا للجوء للملاجئ لأن الحماية مكلفة.
أما على صعيد البيع والشراء، فقد سجلت الشقق المزودة بوسائل حماية ارتفاعاً في قيمتها السوقية بنسبة تتراوح بين 10% و15% مقارنة بغيرها. وتظهر الاختلافات الجغرافية بوضوح، حيث يزداد الطلب في المناطق التي تعتبر أكثر عرضة للاستهداف، مما يجعل امتلاك منزل آمن حكراً على طبقة معينة.
في مناطق شمال نهر اليركون، التي تقطنها عائلات ميسورة الحال، وصلت فجوة الأسعار إلى 25% نظراً لصرامة شروط رخص البناء والتحصين. ورغم هذه الأسعار المرتفعة، لا يزال الإقبال كبيراً على الشقق التي توفر ضمانات أمنية، حتى لو كانت قديمة أو تفتقر لبعض الميزات الرفاهية الأخرى.
على النقيض من ذلك، تشهد مناطق جنوب تل أبيب تراجعاً في فوارق الأسعار لتصل إلى 10%، حيث يضطر السكان للتنازل عن ميزة التحصين مقابل القرب من مراكز العمل. ومع ذلك، تبقى العقارات التي لا تحتوي على حلول حماية مناسبة معروضة في الأسواق لفترات طويلة دون أن تجد مشترين، رغم ثبات أسعارها نسبياً.
رصدت التقارير حركة نشطة لبائعين يرغبون في الهجرة ومغادرة إسرائيل بشكل نهائي نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية المستمر. ويسعى هؤلاء لتسييل أصولهم العقارية وتوزيع استثماراتهم في الخارج، خوفاً من فقدان قيمة ممتلكاتهم في حال توسع رقعة الصراع أو تعرض منشآتهم لدمار كلي.
تتزامن هذه الأزمة العقارية مع مماطلة واضحة من قبل حكومة الاحتلال في صرف التعويضات للمتضررين الذين دمرت منازلهم أو تضررت جزئياً. هذا التأخير يزيد من حالة السخط الشعبي، ويؤكد عجز المؤسسات الرسمية عن مواكبة التكاليف الاقتصادية الباهظة التي تفرضها الحرب الطويلة.
إن الارتفاع غير المسبوق في تكاليف السكن والتحصين يضيف عبئاً جديداً على كاهل الاقتصاد الإسرائيلي المنهك أساساً من نفقات العمليات العسكرية. وتساهم هذه العوامل في تعميق الشرخ الاجتماعي، حيث يشعر قطاع واسع من الإسرائيليين بأنهم متروكون لمصيرهم أمام التهديدات الخارجية دون غطاء حكومي.
في نهاية المطاف، تظل أزمة البيوت المحمية مرآة تعكس هشاشة الجبهة الداخلية وقدرتها المحدودة على الصمود الطويل في وجه المواجهات المتعددة. ومع استمرار التصعيد، يتوقع خبراء أن يشهد سوق العقارات تحولات هيكلية قد تؤدي إلى انهيار في قيم العقارات غير المحصنة في المستقبل القريب.





شارك برأيك
الفوارق الطبقية في إسرائيل تتعمق: الحماية من الصواريخ للأثرياء والموت للفقراء