تحليل إخباري
واشنطن – سعيد عريقات – 14/4/2026
يلتقي الخميس في واشنطن وفد من لبنان مع وفد من إسرائيل لبحث العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان. وبحسب مسؤول في وزارة الخارجية تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن تشكيلة الحضور في الاجتماع بحد ذاتها تؤكد على الحساسية والاهتمام رفيع المستوى اللذين يحيطان بهذه المحادثات ويضم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ، والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، والمستشار مايكل نيدهام، والسفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يخيل لايتر ، بالإضافة إلى سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة. وفي حين أن حضور شخصيات رفيعة المستوى كهذه قد يوحي بجدية النوايا، إلا أنه يرفع أيضاً من سقف الرهانات في عملية يبدو أنها تفتقر إلى كل من الشرعية الداخلية والوضوح الاستراتيجي.
وفي لحظة شديدة الحساسية يمر بها لبنان، يثير قرار الحكومة الانخراط في محادثات على مستوى السفراء مع إسرائيل في واشنطن تساؤلات واسعة تتجاوز البعد الدبلوماسي إلى عمق الحسابات السياسية الداخلية. فبدلاً من أن يعكس هذا التحرك تماسكاً وطنياً أو رؤية استراتيجية واضحة، يبدو أنه يعمّق الانطباع بوجود فجوة بين السلطة ومكونات أساسية في المشهد السياسي اللبناني، في وقت تتطلب فيه التحديات الراهنة أعلى درجات التنسيق والوحدة.
وتكمن الإشكالية الأساسية في غياب توافق وطني جامع حول هذه الخطوة. إذ أبدت قوى سياسية لبنانية رئيسية رفضها أو تشكيكها العميق في جدوى الانخراط في محادثات من هذا النوع في ظل استمرار الضغوط العسكرية الإسرائيلية. هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يشير إلى خلل أعمق في بنية القرار السياسي، حيث يتم الإقدام على خطوة ذات طابع سيادي دون تأمين غطاء داخلي كافٍ. وفي السياقات المماثلة، تميل الدول إلى توحيد مواقفها لتعزيز قدرتها التفاوضية، بينما يبدو أن لبنان يسير في الاتجاه المعاكس.
ويكتسب توقيت هذه المحادثات بعداً أكثر حساسية، إذ تأتي في ظل استمرار العمليات العدوان الإسرائيلي. وفي غياب شروط واضحة أو أوراق ضغط مقابلة، قد يُفسَّر الانخراط في الحوار على أنه تنازل مجاني أكثر منه مبادرة سياسية محسوبة. ويرى منتقدون أن مجرد عقد الاجتماع يمنح إسرائيل مكسباً دبلوماسياً يتمثل في إضفاء شرعية على التواصل، دون أن تقدم في المقابل التزامات ملموسة، ما يفاقم اختلال ميزان القوى منذ البداية.
وفي هذا السياق، يمكن لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توظيف انعقاد هذه المحادثات لتعزيز موقعه السياسي والدبلوماسي، خاصة في ظل الانتقادات الدولية المتزايدة. فمجرد وجود مسار حواري— حتى إن كان شكلياً—يوفر مادة سياسية يمكن استخدامها للإيحاء بالانخراط في جهود التهدئة، دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات حقيقية على الأرض.
إن غياب التوافق الوطني حول هذه الخطوة لا يضعف فقط موقع لبنان التفاوضي، بل يقوض أيضاً مفهوم الشرعية السياسية ذاته. فالدبلوماسية الفعالة تنطلق من قاعدة داخلية صلبة، تتيح للمفاوضين التحدث باسم دولة موحدة لا ساحة منقسمة. وفي الحالة اللبنانية، يبدو أن هذا الشرط مفقود، ما يحول العملية التفاوضية إلى خطوة محفوفة بالمخاطر، قد تفتح الباب أمام مزيد من التشكيك في جدوى المؤسسات وقدرتها على تمثيل الإرادة الوطنية الجامعة.
ويبرز خلل آخر في التفاوت البنيوي بين الطرفين. فبينما تدخل إسرائيل هذه المحادثات ضمن منظومة قرار مركزية واستراتيجية واضحة، يعاني لبنان من انقسامات سياسية حادة ومؤسسات ضعيفة. هذا الاختلال ينعكس مباشرة على طبيعة التفاوض، حيث يفتقر الجانب اللبناني إلى القدرة على طرح موقف موحد أو تقديم التزامات قابلة للتنفيذ، ما يحوّل العملية إلى مسار غير متكافئ من حيث الشكل والمضمون.
على الصعيد الداخلي، تتضاعف المخاوف من تداعيات هذه الخطوة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان، إلى جانب تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية. فإطلاق مسار تفاوضي مثير للجدل في هذا التوقيت قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات السياسية، ويغذي الشكوك حول دوافع القرار وحدوده، خاصة إذا ما تم دون شفافية كافية أو تفويض واضح من القوى السياسية والمجتمعية.
توقيت هذه المحادثات يعكس إشكالية جوهرية في قراءة موازين القوى. فالدخول في مفاوضات في ظل اختلال واضح، ومن دون شروط مسبقة، قد يُفهم على أنه استجابة لضغوط أكثر منه خياراً سيادياً مدروساً. وفي عالم السياسة، لا يُقاس نجاح الدبلوماسية بمجرد الجلوس إلى الطاولة، بل بمدى القدرة على حماية المصالح الوطنية وتحقيق مكاسب ملموسة. وهو ما يظل موضع شك كبير في الحالة الراهنة.
وتزداد التعقيدات مع غياب تفويض واضح يحدد سقف التفاوض وأهدافه. فالدبلوماسية الناجحة تستند إلى شرعية داخلية، سواء عبر توافق سياسي أو دعم مؤسساتي، وهو ما لا يبدو متوافراً بشكل كافٍ في هذه الحالة. ومن دون هذا الأساس، تبقى أي مخرجات محتملة عرضة للطعن أو التراجع، ما يحد من فعاليتها ويضعف استدامتها.
كما يبرز غياب إطار تفاوضي واضح يحدد القضايا المطروحة وآليات التنفيذ والضمانات. ففي غياب معايير محددة أو رعاية دولية ضامنة، تبدو المحادثات أقرب إلى تبادل رسائل سياسية منها إلى عملية تفاوضية مكتملة الأركان، ما يقلل من فرص تحقيق نتائج ملموسة أو اتفاقات قابلة للتطبيق.
وبحسب المراقبين، لا يمكن فصل هذه المحادثات عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل حسابات لبنان مع توازنات تشمل إيران وإسرائيل وفاعلين غير دولتيين. تجاهل هذا التشابك يجعل أي مسار تفاوضي ثنائي محدود الأثر، لأنه لا يعالج جذور الأزمة بل يقتصر على مظاهرها. ومن دون مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار هذه التعقيدات، تبقى فرص النجاح ضئيلة، وتتحول الدبلوماسية إلى مجرد أداة لإدارة الأزمة لا لحلها.
في المحصلة، تعكس محادثات واشنطن إشكالية أعمق تتعلق بتقدير التوقيت والأدوات. فبدلاً من أن تعزز موقع لبنان، قد تؤدي إلى إضعافه عبر كشف انقساماته الداخلية ومنح خصمه أفضلية دبلوماسية. وبينما تُقدَّم هذه الخطوة كمسار للحوار، فإنها تثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت تشكل بالفعل مدخلاً للحل، أم مجرد محاولة لإضفاء مظهر دبلوماسي على واقع يزداد تعقيداً.





شارك برأيك
محادثات لبنانية-إسرائيلية في واشنطن تثير جدلا واسعا وسط غياب التوافق الداخلي