أظهرت بيانات رسمية صادرة عن وزارة المالية في تل أبيب حجم التبعات الاقتصادية القاسية التي خلفتها المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران، والتي أُطلق عليها اسم عملية 'زئير الأسد'. وأكدت التقارير أن هذه المواجهة تعد واحدة من أكثر العمليات استنزافاً للموازنة العامة الإسرائيلية في العقد الأخير، وسط تحذيرات من تداعيات هيكلية قد تلاحق الاقتصاد طوال العام الجاري.
وبلغت التكلفة الإجمالية المباشرة للعملية العسكرية نحو 35 مليار شيكل، ما يعادل تقريباً 11.5 مليار دولار أمريكي، غطت جوانب قتالية ولوجستية واستخباراتية معقدة. وأوضحت المصادر أن هذه النفقات الضخمة استوجبت تعديلاً عاجلاً في موازنة عام 2026 لتتوافق مع متطلبات حالة الطوارئ التي فرضتها الحرب المستمرة لـ 40 يوماً.
وفي تفاصيل الإنفاق، استحوذت وزارة الجيش على الحصة الأكبر بمبلغ وصل إلى 22 مليار شيكل، وُجهت بشكل أساسي لتمويل العمليات الميدانية الواسعة واستدعاء مئات الآلاف من جنود الاحتياط. كما شملت هذه الميزانية تغطية التكاليف الباهظة للذخائر وصيانة منظومات الدفاع الجوي المتطورة مثل 'القبة الحديدية' و'مقلاع داوود' التي تصدت للهجمات الصاروخية.
ولم تقتصر الخسائر على الجانب العسكري، إذ خُصص مبلغ 12 مليار شيكل لصندوق التعويضات الوطني بهدف دعم الشركات والمصانع التي توقفت عن العمل قسرياً. ويهدف هذا التمويل إلى تعويض أصحاب العقارات المتضررة من القصف المباشر، إضافة إلى تقديم معونات مالية للعاملين الذين فقدوا دخلهم نتيجة الإغلاقات الشاملة في مناطق واسعة.
وعلى الصعيد المدني، رصدت الحكومة مليار شيكل لتعزيز قطاع الخدمات الطارئة، شملت رفع كفاءة المستشفيات وتوسيع خدمات الإسعاف والدعم النفسي للمستوطنين. وتأتي هذه الخطوة في ظل ضغوط هائلة تعرضت لها البنية التحتية الصحية خلال فترة المواجهة التي شهدت تصعيداً غير مسبوق في الجبهة الداخلية.
وحذر خبراء الاقتصاد من ارتفاع العجز المالي إلى مستويات مقلقة تجاوزت 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على صانع القرار المالي. وأشار التقرير إلى أن استمرار هذا العجز قد يفرض اللجوء إلى إجراءات تقشفية قاسية تشمل رفع الضرائب وتقليص الإنفاق الحكومي في القطاعات غير العسكرية.
وتأثرت القطاعات الإنتاجية بشكل ملحوظ، حيث سجلت مجالات التكنولوجيا والسياحة والبناء تباطؤاً كبيراً نتيجة غياب العمالة وعدم استقرار الأوضاع الأمنية. وتتزايد المخاوف من قيام وكالات التصنيف الائتماني الدولية بخفض تصنيف إسرائيل، مما سيزيد من تكلفة الاقتراض الخارجي ويفاقم أزمة الدين العام المتصاعد.
الإدارة الاقتصادية كانت جزءاً من جهد الحرب عبر الحفاظ على استقرار الأسواق الداخلية خلال العمليات العسكرية.
وبالتزامن مع هذه الأرقام، تشهد الساحة السياسية تعقيدات إضافية بعد فشل الجولة الأولى من المفاوضات التي استمرت 21 ساعة دون الوصول إلى نتائج ملموسة. وتصر طهران على الإفراج عن أموالها المجمدة في قطر كشرط مسبق لأي تقدم، بينما تبرز فجوة كبيرة بين الشروط الأمريكية والإيرانية المطروحة على الطاولة.
وفي سياق متصل، تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن شمول الجبهة اللبنانية بأي اتفاق لوقف إطلاق النار، مراهناً على إمكانية تغيير النظام في إيران عبر دعم المعارضة. هذا الموقف المتشدد يتزامن مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى إلى اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة الدولية.
ميدانياً، لم تمنع أجواء التفاوض من ارتكاب الاحتلال لمجازر جديدة في لبنان، حيث استهدفت غارات عنيفة العاصمة بيروت رغم الحديث المتكرر عن مساعي التهدئة. وتؤكد هذه التطورات أن المسار العسكري لا يزال يطغى على المشهد، مما يزيد من احتمالية استنزاف المزيد من الموارد المالية في جولات قتالية قادمة.
من جانبه، حاول وزير المالية بتسلئيل سموتريتش طمأنة المستثمرين والأسواق، مدعياً أن النظام الضريبي والاحتياطيات النقدية قادرة على امتصاص هذه الصدمات العنيفة. واعتبر سموتريتش أن الحفاظ على استقرار الأسواق الداخلية كان جزءاً لا يتجزأ من المجهود الحربي العام، رغم المؤشرات التي تؤكد عمق الأزمة الهيكلية.
ويرى محللون أن الرهان على تغيير النظام الإيراني خلال فترة وجيزة يبدو مقامرة سياسية واقتصادية غير مضمونة النتائج في ظل الصمود الميداني. ومع استمرار إغلاق الممرات المائية الحيوية، يواجه الاقتصاد الإسرائيلي وحلفاؤه تحديات لوجستية ترفع من كلفة المعيشة وتزيد من معدلات التضخم الداخلي بشكل غير مسبوق.
إن التداخل بين الفشل الدبلوماسي والاستنزاف العسكري يضع إسرائيل أمام معضلة حقيقية بين الاستمرار في الحرب أو مواجهة انهيار اقتصادي محتمل. فالعجز الذي تجاوز 5% ليس مجرد رقم، بل هو مؤشر على تآكل القوة الاقتصادية التي كانت تعتبر الركيزة الأساسية للاستقرار الداخلي في العقود الماضية.
ختاماً، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات في ظل وجود 15 شرطاً أمريكياً مقابل 10 شروط إيرانية، مما يعكس عمق الهوة بين الأطراف المتصارعة. ومع استمرار النزيف المالي في غزة ولبنان وإيران، يبدو أن موازنة 2026 ستكون الأكثر تعقيداً في تاريخ الاحتلال، مع غياب أي أفق قريب لإنهاء العمليات العسكرية.





شارك برأيك
استنزاف اقتصادي غير مسبوق: حرب إيران تكلف الاحتلال 11.5 مليار دولار وتدفع العجز لتجاوز 5%