عادت النقاشات السياسية في واشنطن لتتمحور حول التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأمريكي، كأداة قانونية محتملة لعزل الرئيس دونالد ترمب من منصبه. تأتي هذه التحركات مدفوعة بتصريحات وتهديدات أطلقها ترمب مؤخراً، وصفتها أطراف ديمقراطية بأنها تمس بأسس الاستقرار السياسي والحضاري، مما دفعهم للبحث في الخيارات الدستورية المتاحة.
تعد عملية العزل بموجب هذا التعديل مساراً شائكاً للغاية من الناحية الإجرائية والسياسية، خاصة في ظل موازين القوى الحالية داخل الكونغرس. إذ يسيطر الحزب الجمهوري على مجلسي النواب والشيوخ، مما يجعل أي محاولة لا تحظى بدعم رفاق ترمب في الحزب محكومة بالفشل المسبق قبل بدئها.
تشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن القاعدة الشعبية لترمب داخل حزبه لا تزال صلبة، حيث يعبر نحو 82% من الجمهوريين عن رضاهم عن أدائه الرئاسي. هذا التأيد الواسع يجعل من الصعب على المشرعين الجمهوريين الانخراط في أي مسعى يهدف إلى إزاحة زعيمهم، خوفاً من تداعيات سياسية وانتخابية في دوائرهم.
يعود تاريخ المصادقة على التعديل الخامس والعشرين إلى عام 1967، حيث تم إقراره في أعقاب اغتيال الرئيس جون إف كينيدي لضمان استمرارية الحكم. يهدف التعديل بشكل أساسي إلى سد الثغرات الدستورية المتعلقة بخلافة الرئيس وتوضيح الإجراءات في حال خلو منصب نائب الرئيس أو عجز الرئيس عن أداء مهامه.
تاريخياً، ظل منصب نائب الرئيس شاغراً لأكثر من 37 عاماً في فترات متفرقة من تاريخ الولايات المتحدة قبل إقرار هذا التعديل. وقد تسببت حالات الوفاة أو الاستقالة في إرباك المشهد السياسي الأمريكي، مما استدعى وجود نص دستوري صريح ينظم انتقال السلطة ويضمن عدم وجود فراغ في القيادة العليا.
استخدم الرؤساء الأمريكيون المادة الثالثة من التعديل في حالات طبية محددة، حيث يتم نقل السلطة مؤقتاً لنائب الرئيس عند الخضوع لإجراءات جراحية. ومن الأمثلة القريبة ما حدث في عام 2021 عندما نقل الرئيس جو بايدن صلاحياته لفترة وجيزة لنائبته أثناء خضوعه لعملية منظار روتينية للقولون.
أما المادة الرابعة، وهي الجزء الأكثر إثارة للجدل، فلم يتم تفعيلها قط في التاريخ الأمريكي، وهي التي تتيح عزل الرئيس قسراً. تتطلب هذه المادة تحركاً من نائب الرئيس وبدعم من أغلبية أعضاء مجلس الوزراء لإعلان أن الرئيس غير قادر على ممارسة سلطات وواجبات منصبه الرسمي.
إن أي محاولة للجوء إلى التعديل الخامس والعشرين ستُمنى بالفشل في حال غياب انشقاق واسع داخل الحزب الجمهوري، إنها مسألة سياسية مستحيلة.
في حال قرر الرئيس الطعن في قرار عزله، ينتقل الملف فوراً إلى أروقة الكونغرس للبت في النزاع خلال مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز 48 ساعة. ويشترط الدستور موافقة أغلبية الثلثين في كل من مجلسي الشيوخ والنواب لتثبيت العزل، وبخلاف ذلك يستعيد الرئيس كامل صلاحياته الدستورية مباشرة.
ليست هذه المرة الأولى التي يلوح فيها الديمقراطيون بهذا الخيار، فقد سبق وأن طالب قادة الحزب مثل نانسي بيلوسي وتشاك شومر بتفعيل التعديل عقب أحداث الكابيتول في يناير 2021. ومع ذلك، لم تسفر تلك الدعوات عن إجراءات فعلية، وظلت في إطار الضغط السياسي ضد إدارة ترمب في أيامها الأخيرة آنذاك.
يرى خبراء قانونيون، ومنهم سكوت أندرسون من معهد بروكينجز أن اللجوء لهذا الخيار يواجه عقبات تجعله أقرب إلى المستحيل في الظرف الراهن. ويؤكد أندرسون أن غياب انشقاق واسع وجوهري داخل صفوف الحزب الجمهوري يحرم الديمقراطيين من الوصول إلى نصاب الثلثين المطلوب في غرفتي التشريع.
على الصعيد السياسي، يخشى بعض الديمقراطيين من أن التركيز المفرط على إجراءات العزل قد يأتي بنتائج عكسية في الانتخابات القادمة. وتفضل أصوات داخل الحزب التركيز على قضايا معيشية مثل التضخم ونمو الوظائف والرعاية الصحية، بدلاً من الظهور بمظهر المعارضة التي تلاحق ترمب قضائياً ودستورياً فقط.
من جانبه، هاجم رئيس مجلس النواب مايك جونسون، الحليف الوثيق لترمب، هذه التحركات واصفاً إياها بأنها تعبير عن 'كراهية غير منطقية'. واعتبر جونسون في تصريحاته أن الديمقراطيين يفتقرون إلى رؤية حقيقية تخدم الشعب الأمريكي، ويلجؤون إلى هذه المناورات الدستورية لتغطية فشلهم السياسي.
يبقى التعديل الخامس والعشرون سلاحاً دستورياً ذا حدين، فبينما يراه البعض صمام أمان لحماية الدولة، يعتبره آخرون أداة للانقلاب السياسي. وفي ظل الاستقطاب الحاد الذي تعيشه الولايات المتحدة، يظل تفعيل هذا النص رهناً بتوافق وطني واسع يبدو بعيد المنال في الوقت الحالي.





شارك برأيك
التعديل 25 في الدستور الأمريكي: هل ينجح الديمقراطيون في عزل ترمب؟