عربي ودولي

الجمعة 10 أبريل 2026 2:42 مساءً - بتوقيت القدس

خفايا الوساطة: كيف أدارت الصين دفة التهدئة بين طهران وواشنطن؟

كشفت تقارير دبلوماسية ومصادر مطلعة عن الدور الخفي والحاسم الذي لعبته جمهورية الصين الشعبية في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم الإشادات الدولية التي نالتها باكستان بصفتها الوسيط العلني في هذه الأزمة، إلا أن التحركات الصينية في الكواليس كانت هي المفتاح الحقيقي لتحقيق الاختراق الدبلوماسي.

وأفادت مصادر بأن الآمال في تجنب التصعيد كانت تتلاشى قبل ساعات من إعلان الهدنة، خاصة مع استمرار التهديدات الأمريكية المباشرة ضد طهران. وفي تلك اللحظة الحرجة، تدخلت بكين بثقلها السياسي والاقتصادي لإقناع القيادة الإيرانية بقبول مقترح وقف إطلاق النار الأولي، مما حال دون وقوع كارثة اقتصادية وعسكرية عالمية.

وأكد مسؤولون مطلعون على سير المفاوضات أن الجهود الباكستانية، رغم أهميتها المحورية، لم تكن لتصل إلى نتيجة نهائية دون التدخل الصيني المباشر. فقد نجحت بكين في استثمار علاقاتها الاستراتيجية مع طهران لتبديد المخاوف الإيرانية، وهو ما انعكس في تصريحات الرئيس الأمريكي الذي أقر لاحقاً بالدور الصيني الرئيسي.

وتشير المعطيات إلى أن إيران أبدت رغبة واضحة في وجود 'ضامن' دولي موثوق لأي اتفاق مستقبلي، ووجدت في الصين الطرف الأقدر على أداء هذا الدور. وتأتي هذه الرغبة في ظل انعدام الثقة الإيرانية بالوعود الغربية، واستبعاد روسيا كطرف مقبول لدى الاتحاد الأوروبي في ظل الأزمة الأوكرانية الراهنة.

وتستعد العاصمة الباكستانية إسلام آباد لاستضافة جولات جديدة من المحادثات بين الطرفين، حيث شكلت فريقاً من الخبراء الفنيين للبحث في ملفات معقدة. وتشمل هذه الملفات قضايا الملاحة البحرية في الممرات الدولية والملف النووي، وهي قضايا تتطلب توافقات دقيقة وحساسة بين القوى الكبرى.

ويرى خبراء أن التنسيق الوثيق بين بكين وإسلام آباد كان قائماً منذ اليوم الأول لاندلاع الأعمال العدائية، بهدف حماية المصالح المشتركة في المنطقة. فالصين ليست فقط الشريك التجاري الأول لإيران، بل هي مستثمر ضخم في مشاريع البنية التحتية الباكستانية، مما يجعل استقرار المنطقة أولوية قصوى لها.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، مارست الصين سياسة 'الدبلوماسية الهادئة' بعيداً عن صدارة المشهد الإعلامي، حيث أجرى وزير خارجيتها عشرات الاتصالات مع الأطراف المعنية. كما قام المبعوث الصيني الخاص للشرق الأوسط برحلات مكوكية مكثفة لتقريب وجهات النظر، مع الحفاظ على مسافة تمنع انجرار بكين للنزاع بشكل علني.

وفي مجلس الأمن الدولي، استخدمت الصين وروسيا حق النقض ضد مشاريع قرارات كانت تهدف للضغط على طهران بشأن مضيق هرمز الاستراتيجي. هذا الموقف عزز من مكانة بكين لدى صانع القرار في إيران، وأعطاها القدرة على ممارسة ضغوط إيجابية لإنجاح مسار التهدئة الحالي.

ورغم هذا النجاح الأولي، لا تزال هناك ملفات شائكة تعيق الوصول إلى سلام دائم، ومن أبرزها ملف التصعيد في لبنان. حيث تسعى أطراف إقليمية لإدراج الساحة اللبنانية ضمن اتفاق الهدنة الشامل، وهو أمر يواجه تعقيدات بسبب الرؤية الأمريكية المنفصلة لهذا الملف.

وتشير المصادر إلى أن الولايات المتحدة تفضل إدارة ملف المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بشكل منفصل في واشنطن، بعيداً عن مسار التهدئة الإيراني. هذا التباين في وجهات النظر يضع الوسطاء أمام تحديات كبيرة تتطلب تنازلات مؤلمة من كافة الأطراف المعنية لضمان استمرار الهدنة.

إن الدور الصيني المتنامي في الشرق الأوسط يعكس تحولاً في موازين القوى الدولية، حيث لم تعد واشنطن اللاعب الوحيد القادر على صياغة الاتفاقات. فالثقة التي توليها طهران لبكين تجعل من الأخيرة حجر الزاوية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية تتعلق بأمن الطاقة والملاحة في الخليج.

ويرى مراقبون أن الصين تدرك تماماً حساسية موقفها، فهي لا تريد أن تظهر كخصم مباشر للمصالح الأمريكية، لكنها في الوقت ذاته تحمي حلفاءها الإقليميين. هذا التوازن الدقيق هو ما سمح لها بالتحرك في المساحات التي عجزت الدبلوماسية التقليدية عن اختراقها خلال الأشهر الماضية.

وفي سياق متصل، تواصل بكين جهودها في ملفات إقليمية أخرى مثل النزاع بين باكستان وأفغانستان، مما يعزز صورتها كقوة سلام إقليمية. وتستضيف المدن الصينية لقاءات دورية بين مسؤولين من طالبان وباكستان، في محاولة لتطويق الأزمات الحدودية التي تهدد مشاريع 'الحزام والطريق'.

يبقى التساؤل القائم حول مدى قدرة هذا الاتفاق الهش على الصمود أمام الضغوط الداخلية في كل من واشنطن وطهران. ومع ذلك، فإن دخول الصين كضامن محتمل يعطي زخماً إضافياً للمفاوضات، ويضع المجتمع الدولي أمام مرحلة جديدة من الدبلوماسية متعددة الأقطاب في أكثر مناطق العالم توتراً.

دلالات

شارك برأيك

خفايا الوساطة: كيف أدارت الصين دفة التهدئة بين طهران وواشنطن؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.