عربي ودولي

الجمعة 10 أبريل 2026 12:42 مساءً - بتوقيت القدس

جذور الصراع حول الهوية في الثورة الجزائرية: كيف واجهت الحركة الوطنية نزعات التفرقة؟

شهدت مسيرة التحرر الوطني في الجزائر صراعاً فكرياً وسياسياً محتدماً لم يقتصر على مواجهة الوجود الاستعمار الفرنسي فحسب، بل امتد ليشمل حماية الهوية الوطنية من محاولات التفتيت الداخلي. فقد تبلورت رؤية قيادية تعتبر وحدة الشعب القائمة على التاريخ والدين واللغة شرطاً أساسياً للسيادة، وهو ما جعل من الحفاظ على الانسجام المجتمعي معركة استراتيجية توازي في أهميتها الكفاح المسلح.

في هذا السياق، برزت كتابات وشهادات بن يوسف بن خدة، أحد أبرز قادة الثورة ورئيس الحكومة المؤقتة، لتسلط الضوء على ما عُرف بـ 'الأزمة البربرية' التي عصفت بالحركة الوطنية في أواخر الأربعينيات. وأوضح بن خدة أن هذه النزعة كانت تهدف إلى إحداث شقاق داخل صفوف المناضلين، مما يخدم بشكل مباشر أجندة المستعمر الساعي لإضعاف الجبهة الداخلية عبر توظيف التمايزات الثقافية.

وتشير الوثائق التاريخية إلى أن قيادة حزب الشعب الجزائري اتخذت مواقف حازمة تجاه العناصر التي حاولت الخروج عن الثوابت الوطنية. وقد شملت هذه الإجراءات طرد المحرضين على العمل الانعزالي وإلغاء بعض المنشورات التي تروج لتوجهات عنصرية أو جهوية تتنافى مع مبادئ وحدة الأمة الجزائرية التي صاغها الرواد الأوائل.

لقد كشفت التحقيقات الداخلية في تلك الحقبة عن وجود تنظيم سري عُرف بـ 'حزب الشعب القبائلي' كان يتحرك داخل أطر حركة انتصار الحريات الديمقراطية. وبحسب شهادة بن خدة، فإن الحصول على مراسلات مسربة من السجن المدني بالجزائر كان الدليل المادي الذي عجل باتخاذ قرارات حاسمة لتطهير الصفوف من هذا العمل التقسيمي.

وعلى الرغم من محاولات تصوير الصراع كخلاف لغوي، إلا أن قادة الثورة أكدوا أن الثقافة واللغة القبائلية كانت دوماً جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني ومسموحاً بها داخل الحزب دون عقدة. وكان الخطباء والمناضلون يستخدمون اللهجات المحلية في اجتماعاتهم وأناشيدهم الوطنية، طالما أنها تخدم الهدف الأسمى وهو استقلال الجزائر العربية الإسلامية.

ويؤكد المؤرخون أن شعار 'الجزائر الجزائرية' الذي رفعه أنصار هذا التيار كان يحمل في طياته محاولة لإفراغ الدولة المستقلة من محتواها الحضاري. واعتبر القادة الثوريون أن هذا الطرح يتماهى مع المخططات الفرنسية التي كانت تهدف لخلق تيار جزائري في مظهره لكنه فرنسي في توجهاته وقناعاته الثقافية واللائكية.

شكل مؤتمر الصومام في عام 1956 محطة مفصلية في تاريخ الثورة، حيث أعاد التأكيد على مركزية الوحدة الوطنية كخيار استراتيجي لا رجعة فيه. وشددت قرارات المؤتمر على أن أي نزعة تعصبية ملونة بالصبغة العنصرية تعد انحرافاً خطيراً يهدد مسار التحرير، ويجب التصدي له بكل حزم لضمان تماسك الشعب.

من جانبه، يرى المؤرخ الدكتور ناصر الدين سعيدوني أن الخطة الفرنسية كانت تهدف لإيجاد نخبة نشأت في المدارس الاستعمارية لتكون أداة لاختراق الجناح الاستقلالي. هذا الاختراق تسبب في أزمة عام 1949 التي كادت أن تذهب بوحدة الحزب، لولا يقظة القيادة التي فضلت التضحية ببعض العناصر النشطة على حساب وحدة المبدأ.

وفي شهادة للدكتور عثمان سعدي، أشار إلى أن أنصار النزعة البربرية تأثروا بتعاليم 'الآباء البيض' والفرنسيين الذين غرسوا في نفوسهم كراهية كل ما هو عربي. وكان الهدف من هذه الحملات المسمومة هو تبرير 'فرنسة الجزائر' من خلال الادعاء بأن العرب غزاة، وهي مغالطة تاريخية فندها قادة الثورة من أبناء منطقة القبائل أنفسهم.

لقد كان للبطل المجاهد عميروش مواقف خالدة في محو ترسبات هذه النزعات في المنطقة التي كان يقودها، حيث كان يؤمن بعمق الانتماء العربي الإسلامي للجزائر. وقام عميروش بإرسال مئات الطلبة إلى الدول العربية الشقيقة لتحضير الكوادر القادرة على تعريب الإدارة والتعليم فور استعادة السيادة الوطنية المسلوبة.

وتوضح الوثائق أن النشيد الوطني لحزب الشعب 'فداء الجزائر' كتبه الشاعر مفدي زكريا، وهو من منطقة ميزاب، وكان ينشده جميع المناضلين باختلاف أصولهم. هذا التلاحم كان يثبت عملياً أن الهوية الوطنية تتجاوز اللهجات المحلية لتصب في وعاء حضاري واحد يجمع بين الأصالة والتطلع للحرية.

في فيدرالية الحزب بفرنسا، شهدت عام 1948 تحركات مكثفة لإعادة السيطرة على التنظيم بعد محاولات اختراقه من قبل تيارات طلابية متأثرة بالفكر الغربي. ونجح المناضلون الأوفياء في تنظيم مظاهرات حاشدة بباريس رفعت العلم الجزائري، مما أكد قوة التنظيم وقدرته على تجاوز الأزمات الداخلية المفتعلة.

إن قراءة هذا الصراع التاريخي تظهر أن النخبة الوطنية كانت تدرك مبكراً خطورة 'النزعة الشعوبية' كأداة استعمارية لتفكيك الدول. ولذلك، فإن الدفاع عن اللغة العربية والإسلام لم يكن مجرد خيار ثقافي، بل كان حصناً سياسياً منيعاً ضد سياسات الاستيعاب والدمج التي حاولت فرنسا فرضها طيلة قرن وثلث من الزمان.

ختاماً، يبقى إرث بن يوسف بن خدة ورفاقه شاهداً على أن بناء الدولة الوطنية الجزائرية قام على أنقاض محاولات التجزئة. وتظل دروس تلك الحقبة تؤكد أن قوة الشعوب تكمن في وحدة هويتها وانسجام مكوناتها، وأن أي محاولة للعب على أوتار العرق أو الجهة لا تخدم في النهاية إلا القوى الطامعة في مقدرات الأمة.

دلالات

شارك برأيك

جذور الصراع حول الهوية في الثورة الجزائرية: كيف واجهت الحركة الوطنية نزعات التفرقة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.