أقلام وأراء

الجمعة 10 أبريل 2026 12:36 مساءً - بتوقيت القدس

زياد خداش.. امتداد تربوي لنهج خليل السكاكيني

يدخل زياد خداش الصف، يضع حقيبته جانبًا، ينظر إلى الطلبة كمن يبحث عن بداية مختلفة، لا يبدأ بشرح الدرس، بل يفتح مساحة صمت قصيرة، ثم يطرح سؤالًا يربك التوقع، في هذه اللحظة لا يكون وحده، بل يحضر معه أثر قديم يتجدد، أثر خليل السكاكيني بوصفه فكرة قابلة للعيش، لا يظهر السكاكيني هنا كاسم في كتاب، بل كطريقة في التفكير داخل الحصة، يجرّب خداش أن يعيد طرح السؤال ذاته بصيغة معاصرة، كيف يمكن للتعليم أن يكون فعلًا حرًا داخل واقع يضبط كل شيء ويعيد تشكيله يوميًا؟


من الإعجاب إلى هوسٍ واعٍ

يتحوّل إعجاب خداش بالسكاكيني إلى اشتغال يومي يتجاوز القراءة العابرة، يعود إلى يومياته، يقرأها ببطء، يربطها بتجربته، ويعيد تفكيكها داخل سياق مختلف، لا يبحث عن تطابق، بل عن إمكانية استمرار الفكرة. يخلط بين زمنين دون أن يلغي الفارق بينهما، ويستثمر هذا التوتر لإنتاج معنى جديد، يرى في السكاكيني تجربة مفتوحة لا سيرة مكتملة، ويقرأه ليختبره لا ليحفظه، بهذا المعنى يتحول الإعجاب إلى هوس معرفي واعٍ، يحرّك التفكير بدل أن يجمّده، ويدفعه إلى إعادة طرح الأسئلة داخل واقع أكثر تعقيدًا من الواقع الذي كُتبت فيه تلك اليوميات.


تفكيك السكاكيني بدل تقديسه

ينطلق خداش من قناعة واضحة، لا قيمة لأي تجربة إذا تحولت إلى نموذج مغلق، يقترب من السكاكيني بوصفه مشروعًا مفتوحًا، يعيد النظر في اختياراته، ويختبر إمكانية نقلها إلى واقع مختلف، لا يتعامل معه كمرجع جاهز، بل كفكرة تحتاج إلى إعادة تركيب، يسائل ما يمكن أن يبقى وما يجب أن يتغير، ويعيد ترتيب الأولويات وفق شروط الحاضر، هنا يتحول الامتداد التربوي من نقل مباشر إلى عملية إنتاج، حيث لا تبقى الفكرة ثابتة، بل تتحرك داخل التجربة، بهذا الاشتغال لا يتحول السكاكيني إلى رمز مقدس، بل يبقى أداة تفكير قابلة للاستخدام والنقد في آن واحد.


السكاكيني داخل الصف

يحوّل خداش هذه القراءة إلى ممارسة يومية داخل الحصة، يطرح السؤال بدل تقديم الإجابة، ويعيد توزيع العلاقة بين الطالب والمعرفة، يخفف من مركزية العلامة، ويمنح الطلبة مساحة للتعبير والمشاركة، لا يعيد إنتاج أفكار السكاكيني كما هي، بل يعيد توظيفها داخل واقع مختلف تمامًا، يعمل على خلق توازن بين ما هو مطلوب منه وما يراه ممكنًا داخل الصف، هنا يظهر الامتداد التربوي بوصفه فعلًا عمليًا، حيث تتحول الفكرة إلى تجربة محسوسة، ويصبح الصف مساحة لاختبارها لا مجرد مكان لعرضها.


التفاوض مع النظام لا الانسحاب منه

يعمل خداش داخل منظومة تعليمية تضبط الإيقاع وتفرض معايير دقيقة للقياس، لا يختار الهروب منها، بل يختار التفاوض معها من الداخل، يخفف من حدّة التقييم حين يستطيع، ويعيد توزيع السلطة داخل الحصة دون أن يصطدم مباشرة بالبنية، يخلق مساحات للحوار، ويستثمر الهامش المتاح إلى أقصى حد ممكن، هذا الاشتغال لا يلغي القيود، لكنه يعيد ترتيبها، ويكشف أن الحرية لا تأتي من خارج النظام، بل يمكن أن تُبنى داخله أيضًا، بهذا المعنى يصبح الامتداد التربوي فعل توازن مستمر بين الممكن والمفروض.


اختبار الحرية داخل القيد

يواجه خداش نظامًا أكثر تعقيدًا مما واجهه السكاكيني، حيث تتوزع السلطة في الامتحانات والتقييمات والضغط المستمر لإنتاج نتائج قابلة للقياس، لا يتعامل مع هذا الواقع بوصفه عائقًا مطلقًا، بل كشرط يجب فهمه والعمل ضمنه، يختبر حدود الحرية داخل هذا القيد، ويبحث عن مساحات صغيرة يمكن توسيعها تدريجيًا، لا يطرح حلولًا جاهزة، بل يطرح أسئلة عملية، كيف يمكن إعادة توزيع السلطة داخل الصف دون كسر النظام، وكيف يمكن خلق تجربة تعليمية أكثر إنسانية ضمن شروط صعبة، هنا يتجسد الامتداد التربوي بوصفه بحثًا مستمرًا لا إجابة نهائية.


الكتابة كمعرفة لا تمرين

يوظف خداش الكتابة بوصفها أداة للفهم لا مجرد تدريب لغوي، يدفع الطلبة إلى كتابة يومياتهم، لا لتحسين التعبير فقط، بل لإعادة قراءة تجربتهم اليومية، تتحول الكتابة إلى مساحة للتفكير، ويصبح النص امتدادًا للحياة، لا تعود اللغة هدفًا، بل وسيلة لفهم الذات والعالم، بهذا التحول تتقاطع التجربة الشخصية مع المعرفة، ويغدو التعلم عملية داخلية لا مجرد استجابة لمتطلبات المنهاج، يظهر أثر السكاكيني هنا بوضوح، لكن بصيغة أقرب إلى واقع الطلبة، حيث تتحول الكتابة إلى أداة تحليل لا مجرد مهارة شكلية.


صف يصنع الأسئلة

يعيد خداش تعريف الصف بوصفه مساحة لإنتاج الأسئلة لا لتلقي الإجابات، يفتح النص الأدبي على احتمالات متعددة، ويشرك الطلبة في تفسيره بدل فرض معنى واحد، تتحول المعرفة إلى عملية مشتركة، ويصبح الطالب مشاركًا في إنتاجها لا متلقيًا لها، لا يحدث هذا خارج النظام، بل داخله، وهو ما يمنح التجربة طابعها المركب، يجمع بين الحدود والإمكان، بين ما هو مفروض وما يمكن إعادة تشكيله، فيتحول الصف إلى مساحة حركة لا مساحة تلقين جامدة.


يعيش خداش الفكرة ولا يكررها

تكشف تجربة خداش أن استعادة السكاكيني ليست عملية نقل، بل عملية اختبار مستمر، لا يسعى إلى إثبات صلاحية الفكرة، بل إلى اكتشاف حدودها داخل واقع جديد، يضعها في مواجهة التفاصيل اليومية، ويقيس قدرتها على الاستمرار، لا يعيد إنتاج نموذج جاهز، بل يخلق تجربة قابلة للتطور والتعديل، في هذا تكمن قيمة الامتداد التربوي، حيث تتحول الفكرة إلى ممارسة يومية تعيش داخل الصف، فالمشكلة ليست في غياب النماذج، بل في القدرة على تحويلها إلى حياة، وهنا تحديدًا يصبح التعليم فعلًا ممكنًا رغم كل القيود، يُعتبر خداش امتدادًا للسكاكيني لأنه يواصل سؤاله لا شكله، فيحوّل الفكرة إلى ممارسة يومية تعيش داخل الصف وتختبر نفسها رغم القيود.

دلالات

شارك برأيك

زياد خداش.. امتداد تربوي لنهج خليل السكاكيني

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.