تواجه سوق العمل في مصر تحديات هيكلية متزايدة، حيث كشفت تقارير دولية عن أرقام صادمة تتعلق بعمالة الأطفال وتراجع الحقوق النقابية. وأبدت منظمة العمل الدولية قلقاً بالغاً إزاء ارتفاع معدلات تشغيل القاصرين، مشيرة إلى أن ملايين الأطفال ينخرطون في مهن شاقة تهدد سلامتهم ومستقبلهم.
ووفقاً لتقرير لجنة الخبراء لعام 2026، فإن عدد الأطفال العاملين في مصر بلغ نحو 4.2 ملايين طفل، من بينهم 3.7 ملايين يعملون في مهن تصنف بأنها خطرة. وتتركز هذه الظاهرة بشكل أساسي في المناطق الريفية، مما يعكس فجوة عميقة بين التشريعات الوطنية والواقع المعيشي للأسر المصرية.
وأشار التقرير إلى أن قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، الذي بدأ تطبيقه في سبتمبر الماضي، تضمن نصوصاً لحماية العاملين من الفصل التعسفي. ومع ذلك، شددت المنظمة على أن هذه الضمانات لا تزال تفتقر إلى التفعيل العملي الذي يضمن حماية حقيقية للنقابات المستقلة والمفاوضة الجماعية.
وفي سياق الاحتجاجات الميدانية، دخل نحو 600 عامل في شركة 'وبريات سمنود' بمحافظة الغربية في إضراب مفتوح عن العمل. وجاءت هذه الخطوة رداً على قرار الإدارة بصرف نصف راتب شهر مارس فقط، في ظل أزمة مالية طاحنة تعصف بالشركة التي تساهم فيها الحكومة بنسبة تتجاوز 50%.
وأكد العمال المضربون أن حقوقهم الأساسية في الأجور والتأمينات الاجتماعية والصحية باتت في خطر حقيقي، واصفين الوضع بأنه 'قضية حياة أو موت'. وأوضحوا أن حرمانهم من الخدمات العلاجية رغم خصم الاشتراكات من رواتبهم أدى إلى تفاقم الحالات المرضية الحرجة بين زملائهم.
وعلى الصعيد التشريعي، شهد مجلس النواب المصري تحركاً جديداً لمراجعة القوانين التي أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط العمالية. حيث تمت إحالة مشروع قانون لتعديل أحكام القانون رقم 73 لسنة 2021، الخاص بشروط شغل الوظائف والاستمرار فيها، إلى اللجان المختصة لدراسته.
ويهدف التعديل المقترح إلى معالجة الإشكاليات التي أفرزها تطبيق قانون 'تحليل المخدرات' للموظفين، والذي تسبب في فصل آلاف العاملين. وقالت مصادر برلمانية إن الواقع العملي كشف عن حالات فصل غير عادلة لموظفين تناولوا أدوية علاجية أثرت على نتائج تحاليلهم دون منحهم حق التظلم.
الأرقام بخصوص عمالة الأطفال تعكس فجوة واضحة بين السياسات المعلنة والنتائج الفعلية على أرض الواقع.
وانتقدت هيئات نقابية وحقوقية غياب الشفافية في إجراءات التحليل الفجائي التي يتعرض لها الموظفون في الجهاز الإداري للدولة. وطالبت هذه الجهات بضرورة التفرقة بين التعاطي الفعلي للمواد المخدرة وبين استخدام الأدوية الموصوفة طبياً، لضمان عدم ضياع حقوق العاملين وأسرهم.
ودعت دار الخدمات النقابية والعمالية إلى فتح حوار مجتمعي شامل يضم كافة الأطراف لمناقشة التعديلات القانونية المقترحة. وشددت على أهمية الاستماع للمتضررين الذين واجهوا مآسٍ اجتماعية نتيجة قرارات إنهاء الخدمة التي وصفتها بالمتسرعة والمفتقرة للمعايير الدولية.
كما طالبت الهيئات النقابية رئيس الوزراء بإصدار قرار يلغي جميع قرارات الفصل التي صدرت بناءً على إجراءات مشوبة بالخطأ أو انعدام الشفافية. واقترحت تشكيل لجنة محايدة لتلقي الشكاوى والتحقيق في الوقائع التي أدت إلى تشريد آلاف الأسر خلال السنوات الماضية.
وفيما يخص العمل الإجباري، حذرت لجنة الخبراء الدولية من ممارسات قد تندرج تحت هذا الإطار في بعض مراكز الإصلاح والتأهيل. ورغم النفي الحكومي، أكدت اللجنة أن المعايير الدولية تشترط أن يكون العمل اختيارياً تماماً وبمعزل عن أي سياق قسري، لضمان كرامة العامل.
وطالبت منظمة العمل الدولية الحكومة المصرية بتبسيط إجراءات تسجيل النقابات المستقلة وإزالة العقبات الإدارية التي تعيق عملها. واعتبرت أن تعزيز الحوار الاجتماعي والشفافية في تداول البيانات يمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية في البلاد.
وشددت المنظمة على ضرورة تعديل القوانين التي تسمح بعمل الأطفال من سن 12 عاماً في بعض الأعمال الخفيفة، معتبرة ذلك ثغرة تشريعية خطيرة. ودعت إلى تعزيز الحماية من أسوأ أشكال الاستغلال، بما في ذلك الاتجار بالأطفال وضمان معاملتهم كضحايا يحتاجون للرعاية لا كجناة.
ختاماً، يبقى المشهد العمالي في مصر معلقاً بين وعود الإصلاح التشريعي وضغوط الأزمات الاقتصادية المتلاحقة. ويؤكد مراقبون أن استقرار سوق العمل يتطلب إرادة سياسية حقيقية لتنفيذ الاتفاقيات الدولية وحماية الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع من التغول والضياع.





شارك برأيك
أزمة عمالية في مصر: ملايين الأطفال في سوق العمل وإضرابات احتجاجاً على الأجور