في 28 فبراير 2026، انطلقت “عملية الغضب الملحمي”. كان الهدف الأولي من العملية على إيران هو القضاء على التهديد النووي الإيراني وإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من خلال ضربة عسكرية سريعة وحاسمة. إلا أن مسار الحرب انحرف تمامًا عن الخطة الأمريكية الأولية. فقد نجحت إيران، بفضل مرونتها الاستراتيجية الاستثنائية وقدراتها في الحرب غير المتكافئة، في مقاومة الهجوم الأمريكي، ونسّقت مع حلفائها الإقليميين، وأغلقت مضيق هرمز، مما أدى إلى تصعيد الصراع إلى أزمة إقليمية شاملة. لم تقتصر هذه الحرب على زجّ الولايات المتحدة في مآزق متعددة - عسكرية وسياسية واقتصادية ودبلوماسية - بل شكّلت أيضًا نقطة تحوّل حاسمة في تطور المشهد الجيوسياسي العالمي، إذ عجّلت بتفكك الهيمنة الأمريكية الأحادية القطب، وحرّرت الشرق الأوسط من سيطرة قوة عظمى واحدة، وأرست نظامًا جيوسياسيًا جديدًا متعدد المراكز ومتنوعًا.
أولًا: الدوافع الأساسية للحرب: تداخل ثلاثي بين المقامرة السياسية، والإكراه من الحلفاء، وسوء التقدير الاستراتيجي
لم يكن إصرار إدارة ترامب على شنّ حرب ضد إيران قائمًا على اعتبارات الأمن القومي العقلانية، بل على مقامرة استراتيجية تغذيها طموحات سياسية شخصية، وتشجيع حماسي من حلفاء كإسرائيل، وسوء تقدير خطير للتفكير الاستراتيجي على أعلى المستويات. وقد تضافرت هذه العوامل المتعددة لتصعيد مخاطر الحرب في نهاية المطاف.
(أ) مدفوعًا بطموح سياسي شخصي: السعي وراء “نصر تاريخي”
بعد دخوله ولايته الثانية، وفي ظل تصاعد الانقسامات السياسية الداخلية ومحدودية الإنجازات الاقتصادية، كان ترامب في أمسّ الحاجة إلى ترك إرث سياسي بارز لترسيخ موقعه. وفي منطق حكمه، كان “القضاء التام على التهديد النووي الإيراني كقائد أعلى للقوات المسلحة” يُعتبر إنجازًا جوهريًا يُمكّنه من تجاوز الرؤساء السابقين وحجز مكان له في التاريخ. داخل البيت الأبيض، تبيّن أن ترامب كان يُعلّق آمالًا كبيرة على تحقيق نصر ميداني، إذ كان يُتابع عن كثب مقاطع الفيديو العسكرية المُعدّلة التي تُظهر سير العمليات، وينظر إلى الحرب ضد إيران كورقة ضغط رئيسية لتغيير الوضع السياسي الداخلي وتعزيز دعم الناخبين الجمهوريين، متجاهلًا تمامًا المخاطر الجسيمة المحتملة للحرب. باختصار، كان يُحوّل القوة العسكرية للبلاد إلى أداة للمقامرة السياسية الشخصية.
(2) التكرار الخاطئ لنموذج “الحل الأحادي”: الاعتماد على التجارب السابقة
كان صانعو القرار في إدارة ترامب متشبثين بشدة بالاعتماد على النجاحات السابقة في التدخلات العسكرية قصيرة الأجل، مصرّين على نموذج “الحل الأحادي” المتمثل في “الضربات السريعة والدقيقة، والإطاحة بالنظام المعادي، ودعم القوات الموالية لأمريكا”. واعتبر البيت الأبيض العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا في يناير 2026 مثالًا ناجحًا لهذا النموذج. وبناءً على ذلك، استنتج صانعو القرار خطأً أن إيران وفنزويلا تتشاركان بيئات جيوسياسية متشابهة وأنظمة متماسكة، وأن غارة جوية أولية ساحقة كفيلة بتفكيك النظام الإيراني بسرعة والسيطرة على نفط الشرق الأوسط. هذا التطبيق الأعمى للتجارب، بمعزل عن الظروف الوطنية الإيرانية الفعلية، تجاهل تمامًا مساحة إيران الشاسعة، وتضاريسها المعقدة، وتماسكها الوطني القوي، مما زرع بذور هزيمة استراتيجية لاحقة.
(ثالثًا) النفوذ الإسرائيلي المتعمد وعزلة المعلومات في البيت الأبيض: اتخاذ القرارات نحو التحيّز الشديد
كانت إسرائيل القوة الخارجية الرئيسية التي أشعلت فتيل الحرب. ولأشهر، دأب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على تزويد ترامب بمعلومات استراتيجية مضللة، مُبالغًا في تقدير تقدم البرنامج النووي الإيراني، ومُصنّفًا الضربات العسكرية السابقة محدودة النطاق بأنها “مهمة لم تُنجز”، ومُروّجًا لفكرة أن معركة حاسمة أخيرة هي وحدها الكفيلة بالقضاء على التهديد الإيراني، مُتعمدًا خلق انطباع زائف بأن “إيران ضعيفة”. والأخطر من ذلك، أن ترامب كان محاصرًا في عزلة معلوماتية مُغلقة، حيث لم يتلقَّ فريق صنع القرار المقرب منه سوى المعلومات التي تُوافق توقعاته، مُكمّمًا بذلك أي صوت مُعارض. وقد أكد المدير السابق للمركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، جو كينت، أن معلومات استخباراتية حيوية لم تصل إلى المستوى الرئاسي قبل الحرب، وأن اعتراضات مسؤولين رفيعي المستوى، مثل نائب الرئيس جيه دي فانس، قوبلت بالرفض المباشر. كان صناع القرار مُنغمسين في معلومات ميدانية أحادية الجانب ومواتية، فاقدين تمامًا قدرتهم على تقييم الوضع بموضوعية.
(رابعًا) استهانة خطيرة بإرادة إيران للمقاومة: فشل ذريع في التخطيط الاستراتيجي
استنادًا إلى رد إيران المحدود بعد اغتيال القائد السابق في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وعملية “مطرقة منتصف الليل” التي نُفذت في 22 يونيو 2025، وضع صانعو القرار الأمريكيون توقعًا استراتيجيًا خاطئًا، معتقدين أن النظام الإيراني سينهار سريعًا بعد اغتيال علي خامنئي، وأن أي رد سيكون محدودًا ورمزيًا. إلا أن الولايات المتحدة تجاهلت تمامًا شعور النظام الإيراني بالأزمة الوجودية، ونظامه الدفاعي الممتد لعقود، وعزم الشعب على المقاومة. لم تكن لديها أي فكرة عن قدرات إيران في الحرب غير المتكافئة ونظام تحالفاتها الإقليمية، مما أدى في نهاية المطاف إلى أن يكون رد إيران خارجًا عن سيطرة الولايات المتحدة من حيث الشدة والنطاق بعد اندلاع الحرب.
ثانيًا: الوضع الميداني الراهن: الولايات المتحدة حققت انتصارات تكتيكية محلية، مع جمود استراتيجي شامل
مع دخول الحرب أسبوعها الخامس، برزت تناقضات صارخة في ساحة المعركة: حقق الجيش الأمريكي انتصارات تكتيكية محلية بفضل معداته المتطورة، لكن أهدافه الاستراتيجية لم تتحقق على الإطلاق، مما أدخله في حالة جمود؛ أما إيران، فبدلًا من الانهيار، انتزعت زمام المبادرة، وجرّت الحرب إلى حرب استنزاف تصب في مصلحتها.
(أ) نتائج تكتيكية محدودة للولايات المتحدة، وتصعيد إيران للهجوم المضاد بشكل شامل
زعم البنتاغون أن الضربات الجوية الأولية لـ”عملية الغضب الملحمي” نجحت في اغتيال المرشد الأعلى الإيراني خامنئي وعدد من مساعديه الرئيسيين، وتدمير ما يقرب من 90% من القدرات الصاروخية الإيرانية، و70% من منصات إطلاقها، وأكثر من 150 سفينة حربية. إلا أن هذا الزعم كان مبالغًا فيه للغاية. في الواقع، شنت إيران على الفور هجومًا مضادًا شاملًا وعالي الكثافة، متجاوزةً جميع التوقعات الاستراتيجية الأمريكية: أولًا، شنت هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة مكثفة على 27 قاعدة أمريكية في العراق وسوريا والسعودية، مما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بمركز القيادة الأمريكي وأنظمة الدفاع الجوي والمنشآت اللوجستية؛ ثانيًا، فعّلت إيران بشكل كامل فصائل الحوثيين وحزب الله وقوات “محور المقاومة” الأخرى، وشنّت هجمات متواصلة على الأراضي الإسرائيلية، مما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بالقوات المدرعة الإسرائيلية واختراق حدود أنظمة دفاعها الجوي؛ ثالثًا، مستغلةً موقعها الجغرافي المتميز، أغلقت إيران مضيق هرمز، الذي تمر عبره 20% من شحنات النفط العالمي، ما شكّل ورقة ضغط استراتيجية رادعة، وعرقل استراتيجية الولايات المتحدة الحربية بشكل كامل.
(2) العمليات البرية المحتملة تواجه مخاطر لا يمكن السيطرة عليها
في محاولة لقلب موازين الحرب، نشرت الولايات المتحدة أكثر من 10,000 جندي إضافي في الشرق الأوسط، ليصل إجمالي وجودها العسكري في المنطقة إلى أكثر من 50,000 جندي، ومع ذلك لا تزال عاجزة عن كسر الجمود. يشير الخبراء العسكريون عمومًا إلى أن إيران تمتلك 1.6 مليون كيلومتر مربع من الأراضي، ونحو 100 مليون نسمة، ونظامًا صناعيًا متكاملًا؛ لذا فإن 50,000 جندي لا تكفي بأي حال من الأحوال لتحقيق الاحتلال والسيطرة. إذا شنت الولايات المتحدة عملية برية بالقوة، سواء للاستيلاء على جزر المضائق أو مراكز النفط، فإنها ستتعثر في التضاريس الجبلية الإيرانية والمقاومة الواسعة، مكرّرةً أخطاء الحرب الأفغانية، ومواجهةً خطر تكبّد خسائر فادحة وفقدان السيطرة الكاملة على الصراع.
ثالثًا: الولايات المتحدة غارقة في معضلات متعددة: هيمنة متضخمة وتراجع حاد في النفوذ العالمي
تبددت أوهام إدارة ترامب بتحقيق نصر سريع. وتغرق الولايات المتحدة في أزمة رباعية الأبعاد - عسكرية وسياسية واقتصادية ودبلوماسية - الأمر الذي يكشف عن محدودية هيمنتها الأحادية ومواطن ضعفها.
(أ) ردود الفعل السياسية والاقتصادية الداخلية تهز أسس الحكم
أدى الحصار المفروض على مضيق تايوان إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، حيث تجاوز سعر البنزين في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون. واستمر تراجع سوق الأسهم، مما يناقض بشكل مباشر وعد ترامب الانتخابي بـ”خفض تكلفة المعيشة”، وأثار احتجاجات واسعة النطاق مناهضة للحرب. وأظهرت استطلاعات الرأي استمرار الانخفاض الحاد في التأييد الشعبي للحرب، مما يهدد بشدة فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي. انتقلت إدارة ترامب من شنّ الحرب استباقيًا إلى السعي الحثيث نحو استراتيجية خروج “منتصرة”، مما أبرز التناقضات الداخلية وألحق ضررًا بالغًا بمصداقيتها السياسية.
(2) صدمة هيكلية لسلاسل التوريد العالمية، بتكاليف اقتصادية لا تُحصى
يتجاوز تأثير حصار المضيق قطاع الطاقة بكثير. تُظهر بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي أن الإمدادات العالمية من السلع الأساسية، مثل الأسمدة (46%)، والكبريت (50%)، والميثانول (الثلث)، والمواد الخام لبطاريات السيارات الكهربائية (الجرافيت، والألومنيوم، والهيليوم، وغيرها)، قد تعطلت. كما تفاقم التضخم الغذائي العالمي، وتعثر تقدم الصناعات عالية التقنية وانتقال الطاقة. في الوقت نفسه، أدت الهجمات على مراكز بيانات Amazon AWS في البحرين والإمارات العربية المتحدة إلى شلل تام لخدمات الإنترنت المحلية. وواجهت استثمارات بمليارات الدولارات من عمالقة التكنولوجيا مثل مايكروسوفت وجوجل في الشرق الأوسط مخاطر جسيمة، مما أجبر على إعادة هيكلة استراتيجيات البنية التحتية الرقمية العالمية، وارتفاع حاد في تكاليف الحوسبة، وخسائر اقتصادية هائلة.
(ثالثًا) تراجع التفوق العسكري بشكل ملحوظ، وعودة شبح مقبرة الإمبراطوريات
كشفت الحرب بوضوح هشاشة الهيمنة العسكرية الأمريكية. فقد دُمّر عدد كبير من المعدات عالية القيمة، مثل طائرات الإنذار المبكر E-3 وطائرات التزوّد بالوقود KC-135، مما ألحق ضررًا بالغًا بالتفوق الجوي. وأجبر شلل قواعد العمليات الأمامية الطائرات الحربية الأمريكية على شنّ ضربات بعيدة المدى، مما زاد الضغط اللوجستي بشكل كبير وتسبب في أعطال ميكانيكية متكررة. وأصبحت أنظمة الإنذار المبكر والاعتراض شبه عديمة الفائدة؛ إذ انخفض وقت الإنذار من الهجمات الصاروخية الإيرانية من ساعة إلى 15 ثانية، وفشلت أنظمة الاستخبارات والدفاع الأمريكية فشلًا ذريعًا. وأصبحت إيران، بتضاريسها الجبلية وتحصيناتها تحت الأرض، “مقبرة إمبراطوريات” أصعب غزوًا من أفغانستان، وتلاشى التفوق التكنولوجي الأمريكي تمامًا بفعل الحرب غير المتكافئة.
(رابعًا) تزايد العزلة الدبلوماسية، وقوى التنافر داخل منظومة التحالفات
لم تحظَ تحركات الولايات المتحدة في شنّ الحرب بتأييد دولي واسع النطاق؛ بل على العكس، عارضتها معظم الدول. وقد تفاقم استياء الدول الأوروبية والآسيوية المعتمدة على الطاقة، والمتضررة بشدة من أزمة سلاسل الإمداد، من الولايات المتحدة. وبرزت انقسامات حادة بين حلفاء الشرق الأوسط، حيث أبدى بعضهم عدم رغبتهم في الاستمرار في الانجرار وراء الولايات المتحدة إلى مستنقع الحرب. وبدأت منظومة التحالفات الشرق أوسطية الراسخة، التي بنتها الولايات المتحدة منذ زمن طويل، تُظهر تصدعات، ويستمر نفوذها الدبلوماسي العالمي في التراجع.
رابعًا: المرونة الاستراتيجية الإيرانية: تحول كامل من الدفاع السلبي إلى الاستنزاف النشط
في مواجهة هجوم شامل من القوة العسكرية الرائدة في العالم، أظهرت إيران مرونة استراتيجية فاقت توقعات الولايات المتحدة بكثير، مُكملةً تحولًا استراتيجيًا من “الصبر الاستراتيجي” إلى “الاستنزاف النشط”، ومُحكمةً قبضتها على زمام المبادرة، ومُصبحةً نموذجًا يُحتذى به في مقاومة التدخلات الخارجية المهيمنة.
(أ) المزايا الجغرافية الطبيعية ونظام دفاعي متكامل يعززان أساس البقاء
توفر التضاريس الجبلية الشاسعة لإيران، ومساحتها البالغة 1.6 مليون كيلومتر مربع، عمقًا استراتيجيًا لا مثيل له. وقد أدى تطوير تحصينات الصواريخ تحت الأرض وأنظمة الحرب المتنقلة على مدى عقود إلى أن أكثر من 20 ألف غارة جوية أمريكية لم تمس سوى جزء من قدراتها العسكرية. وأكد تقرير لشبكة CNN أن إيران تمتلك أكثر من 20 قاعدة صواريخ سرية، تستخدم تكتيك الكر والفر الذي يسمح للأسلحة الأمريكية الموجهة بدقة بضرب أهداف وهمية بشكل متكرر. وقد أحبط هذا النظام الدفاعي المتين محاولة الولايات المتحدة لتفكيك النظام الإيراني بسرعة.
(ب) تحول جذري في الاستراتيجية العسكرية: حرب الاستنزاف تصبح التكتيك الأساسي
شكل اغتيال علي خامنئي نقطة تحول في الاستراتيجية العسكرية الإيرانية. فقد تخلى النظام تمامًا عن صبره الدفاعي طويل الأمد، وانتقل إلى وضع هجومي، ورفع مستوى هدفه الحربي من “ضمان بقاء النظام” إلى “إعادة تعريف الردع الإقليمي”. أدركت القيادة الإيرانية بوضوح أن المواجهة المباشرة مع الجيش الأمريكي لم تكن في صالحها، ولذلك رفضت مقترحات وقف إطلاق النار قصير الأجل، وشرعت بحزم في حرب استنزاف طويلة الأمد. ومن خلال زيادة تكلفة الحرب باستمرار، سعت إلى استنزاف صبر الولايات المتحدة الاقتصادي والسياسي، والتحكم تدريجيًا في وتيرة الصراع.
(ثالثًا) الاستخدام الدقيق للمساومات الاستراتيجية: تنسيق قوى متعددة لموازنة الولايات المتحدة وإسرائيل
أدركت إيران بدقة أهمية الطاقة العالمية وديناميكيات القوى الإقليمية، مستخدمةً حصار مضيق هرمز كورقة ضغط رئيسية. وربطت الصراع العسكري الإقليمي ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار الاقتصادي العالمي، مما أجبر الولايات المتحدة على الامتناع عن تصعيد الصراع بسهولة. وفي الوقت نفسه، ومن خلال بناء تحالف استراتيجي مع روسيا وقوى المقاومة الإقليمية، وكسب الدعم الاقتصادي والسياسي الخارجي، تمكنت من كسر العزلة والحصار اللذين فرضتهما الولايات المتحدة وإسرائيل، محققةً بذلك نصرًا استراتيجيًا للضعيف على القوي.
خامسًا: الخيارات الاستراتيجية لدول المنطقة: التمايز والوعي الذاتي الكامل
أصبحت هذه الحرب نقطة تحول حاسمة في المواقف الاستراتيجية لدول الشرق الأوسط. فقد تحررت هذه الدول من مأزق الانحياز السلبي السابق، واتخذت خيارات متباينة بناءً على أمنها ومصالحها. واستيقظ الوعي الذاتي الإقليمي بشكل كامل، مما أدى إلى كسر نمط الهيمنة الأحادية الأمريكية.
أولًا: مُشعلو الحروب المتطرفون: إسرائيل والإمارات العربية المتحدة متورطتان بعمق في الحرب
بينما حظيت إسرائيل، بصفتها مُشعلة الحرب، ببعض الدعم الشعبي، إلا أنها واجهت مأزق ضعف أنظمة دفاعها الجوي والقتال على جبهات متعددة. وقد زاد استهلاكها غير المتكافئ للصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن والصواريخ الإيرانية الرخيصة من الضغط الاقتصادي والعسكري عليها بشكل كبير. خططت الإمارات للتعاون مع الولايات المتحدة لإعادة فتح مضيق هرمز، وقد عرّض هذا التحرك مركزها الاقتصادي لخطر الرد الإيراني، مما زاد من حدة الانقسامات الداخلية في دول الخليج.
(2) الدول المراقبة الحذرة: السعودية ومصر ودول أخرى تسعى إلى حلول مستقلة
عقدت قوى إقليمية كبرى، كالسعودية ومصر وتركيا وباكستان، اجتماعات متعددة الأطراف لمناقشة الوضع. ورغم اختلاف مواقفها - إذ دعت باكستان إلى مفاوضات غير مشروطة، بينما أصرت السعودية على فرض قيود نووية - إلا أن جميعها أبدت قلقها إزاء مخاطر امتداد الحرب. وعملت هذه القوى مجتمعةً على استئناف مشاريع مثل ممرات النقل البري وخطوط أنابيب الغاز الطبيعي التي تتجاوز مضيق هرمز، ساعيةً إلى بناء نظام إقليمي جديد في “مرحلة ما بعد المضيق”، منتقلةً من رد الفعل السلبي إلى التأثير الفعال في تشكيل المشهد الجيوسياسي.
(3) الدول المتوازنة والبراغماتية: الأردن يسعى للبقاء في خضم الأزمة، متمسكًا بموقفه
اعتمد الأردن على قدراته الدفاعية، فاعترض العديد من الصواريخ الإيرانية العابرة لأراضيه، ضامنًا بذلك أمنه القومي. مع ذلك، حالت المشاعر المعادية لإسرائيل المتأصلة داخل البلاد دون انضمامه إلى إسرائيل في جهود دفاعية منسقة. وحافظ على موقف متوازن في الصراعات الإقليمية، رافضًا الانقياد الأعمى للقوى العظمى، مما يعكس استراتيجية البقاء البراغماتية لدولة صغيرة أو متوسطة الحجم.
(رابعًا) التدخل الروسي الدقيق يُعيد تشكيل بنية القوى الإقليمية
انتهزت روسيا الفرصة التي أتاحتها الحرب للتدخل بقوة، معلنةً عزمها على سدّ فجوة إمدادات الطاقة العالمية. وقد حقق هذا ثلاثة أهداف: أولًا، إضعاف قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغط باستخدام الطاقة كورقة ضغط؛ ثانيًا، تقديم الدعم الاقتصادي لإيران، مما عزز التعاون المناهض للهيمنة؛ ثالثًا، استبدال الولايات المتحدة كقوة محورية للاستقرار الإقليمي وإمدادات الطاقة، مما عزز نفوذها الجيوسياسي في الشرق الأوسط بشكل كبير، في تناقض صارخ مع الهزيمة الاستراتيجية للولايات المتحدة.
سادسًا: نتائج الحرب وتأثيرها طويل الأمد: نهاية حقبة القطب الواحد، وبداية نظام متعدد الأقطاب
لم تفشل هذه المغامرة الاستراتيجية التي بدأتها الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها المرجوة فحسب، بل أصبحت أيضًا حافزًا لإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي العالمي. وبغض النظر عن كيفية انتهاء الحرب، فإنها ستغير بشكل جذري بنية القوى في الشرق الأوسط، بل والعالم أجمع.
(أ) التوجهات قصيرة المدى: من غير المرجح أن تنهي الولايات المتحدة الحرب بسلاسة؛ وقف إطلاق نار هش هو النتيجة الأكثر ترجيحًا
تحت ضغط انتخابات التجديد النصفي المحلية والوضع الاقتصادي، ستسعى إدارة ترامب حتمًا إلى التفاوض على وقف إطلاق النار في الأسابيع المقبلة. ومع ذلك، فقد انتزعت إيران زمام المبادرة في حرب الاستنزاف، وتلقت دعمًا من روسيا، ولن تقبل أبدًا باتفاق يضر بمصالحها الجوهرية. والنتيجة الأكثر ترجيحًا هي وقف إطلاق نار غير رسمي وهش، مع إعلان الولايات المتحدة من جانب واحد “انتصارًا استراتيجيًا”. ومع ذلك، لن تضعف القدرات النووية الإيرانية ونفوذها الإقليمي بشكل جوهري؛ بدلًا من ذلك، ستعزز عزمها على تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية. لا تزال التناقضات الجوهرية قائمة دون حل، ويبقى احتمال نشوب صراع إقليمي قائمًا.
(2) الأثر متوسط المدى: إعادة تشكيل كاملة لبنية الأمن في الشرق الأوسط وانهيار مصداقية الولايات المتحدة
أدى انهيار نظرية “النصر السريع” الأمريكية وهزيمتها العسكرية إلى تحطيم صورتها الزائفة كـ”ضامن للأمن الإقليمي”. تشهد القوى الإقليمية صحوة كاملة لاستقلالها، ولم تعد تعتمد على الهيمنة الأمريكية. تتصاعد مراكز القوى مثل السعودية وتركيا وإيران تدريجيًا، ويتحول النظام الإقليمي من “الهيمنة الأمريكية” إلى “التوازن متعدد الأقطاب”. حتى لو تكبدت إيران خسائر في الحرب، فإنها ستعزز مكانتها الإقليمية بشكل كبير من خلال إظهار صورة مقاومة القوى العظمى، مما يزيد من تماسك “محور المقاومة”.
(3) التحول طويل المدى: إعادة هيكلة المشهد الجيواقتصادي العالمي وتسارع التعددية القطبية
لقد انكشفت هشاشة ممر ملاحي في مضيق هرمز بشكل كامل، مما دفع الدول المستوردة للطاقة إلى تسريع تنويع سلاسل إمدادها. يتعرض نظام البترودولار لهجوم، وتُسرّع دول الشرق الأوسط من استخدام العملات المحلية لتسوية معاملات تجارة الطاقة، مما يُعجّل عملية التخلي عن الدولار. نجحت روسيا في التغلغل في المشهدين الطاقي والسياسي للشرق الأوسط، مما عزز التوجه نحو التعددية القطبية العالمية. في الوقت نفسه، أصبحت البنية التحتية الرقمية اتجاهًا جديدًا في الحروب، مما يُدق ناقوس الخطر بشأن الأمن القومي العالمي ونشر رؤوس الأموال. بات الأمن المادي والمخاطر الجيوسياسية من الاعتبارات الأساسية في التخطيط الاقتصادي العالمي.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 07 أبريل 2026 10:41 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
الحرب على إيران تُفضي إلى انهيار الهيمنة الأمريكية الأحادية القطبية وتُسرّع من تشكيل نظام جيوسياسي متعدد الأقطاب جديد في الشرق الأوسط