واشنطن – سعيد عريقات – 7/4/2026
تحليل إخباري
مع طرح "مجلس السلام" مقترحاً يقضي بنزع سلاح حركة حماس خلال مهلة تمتد لتسعين يوماً، تدخل مساعي تثبيت وقف إطلاق النار في غزة مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً. فالمبادرة، التي تدفع بها إدارة الرئيس دونالد ترمب، تبدو في ظاهرها محاولة لتكريس تهدئة طويلة الأمد، لكنها في عمقها تكشف عن شبكة من التناقضات البنيوية التي تجعل تحقيقها على أرض الواقع أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن محفوفاً بمخاطر إعادة إنتاج الأزمة.
في جوهره، يعكس هذا المطلب غياباً واضحاً للتوازن بين الالتزامات المفروضة على الأطراف. إذ يُطلب من حماس تفكيك بنيتها العسكرية، وتسليم خرائط أنفاقها، والتخلي عن أدوات الردع التي راكمتها عبر سنوات، في حين لا تقترن هذه الخطوات بضمانات ملزمة ومكافئة من الجانب الإسرائيلي، سواء لجهة وقف العمليات العسكرية بشكل كامل أو الانسحاب الشامل من القطاع. هذا التفاوت لا يضعف فقط أسس الثقة، بل يعزز الانطباع بأن العملية برمتها تُدار كإملاء سياسي أكثر من كونها تسوية تفاوضية متكافئة.
وبحسب خبراء ، لا يمكن فصل هذا الخلل عن السياق الأوسع للصراع، حيث يُنظر إلى سلاح حماس، من داخل بيئتها السياسية، كامتداد لفكرة "الردع" في مواجهة الاحتلال، لا كأداة عسكرية منفصلة يمكن التخلي عنها بقرار تقني. ومن هنا، فإن المطالبة بنزعه دون معالجة جذور الأزمة، بما في ذلك الحصار، والسيادة، وحرية الحركة، تبدو وكأنها مقاربة تختزل الصراع في مظاهره المسلحة، متجاهلة أسبابه البنيوية. وبهذا المعنى، فإن أي فراغ أمني قد ينشأ عن نزع السلاح لن يكون بالضرورة مدخلاً للاستقرار، بل قد يفتح المجال أمام أشكال جديدة من التوتر.
ويزداد هذا التعقيد مع عامل الزمن، حيث تعكس المهلة التي حددها المقترح—رغم كونها أطول نسبياً—رغبة في تحقيق إنجاز سياسي ضمن إطار زمني محدد. غير أن تسويات من هذا النوع لا تُبنى تحت ضغط الجداول الزمنية، بل تحتاج إلى مسار تراكمي يقوم على بناء الثقة وتدرج الالتزامات. وعليه، يتحول عامل الزمن من أداة تنظيم إلى عنصر قد يهدد بتقويض العملية التفاوضية، إذ يدفع الأطراف نحو مواقف أكثر تصلباً بدلاً من الانخراط في تنازلات مدروسة.
وفي سياق موازٍ، يبرز خلل آخر لا يقل أهمية يتعلق بمدى التزام "مجلس السلام" بتعهداته المالية، وهو ما ينعكس مباشرة على مصداقية الطرح برمته. فحتى الآن، لم تُترجم الوعود التي أُعلنت في 19 شباط الماضي إلى خطوات عملية، رغم تعهد الولايات المتحدة بتقديم عشرة مليارات دولار، إلى جانب سبعة مليارات من بقية المشاركين. وفي رد على سؤال لمراسل "القدس"، أقرّ مسؤول في إدارة دونالد ترمب بأنه لا يملك معلومات محدثة تتجاوز ما أُعلن سابقاً، خاصة في ظل انشغال واشنطن بحربها مع إيران، ما يعزز الشكوك حول جدية الالتزامات.
في موازاة ذلك، يبرز الربط بين إعادة إعمار غزة ونزع السلاح كأحد أكثر عناصر الخطة إثارة للجدل. فبينما تمثل إعادة الإعمار حاجة إنسانية ملحّة لسكان القطاع، فإن استخدامها كورقة ضغط سياسي يضع المدنيين في موقع هش، حيث تصبح حقوقهم الأساسية مشروطة بمآلات التفاوض. هذا التداخل بين الإنساني والسياسي لا يثير فقط تساؤلات أخلاقية، بل يهدد أيضاً بإضعاف أي شرعية محتملة للاتفاق، إذ يغذي شعوراً بأن المساعدات تُستخدم كأداة ابتزاز لا كالتزام قانوني وإنساني.
ويأتي موقف بنيامين نتنياهو، الذي يلوّح بإمكانية فرض نزع السلاح بالقوة، ليضيف بعداً آخر من التعقيد. فبدلاً من خلق بيئة تفاوضية مشجعة، يعزز هذا الخطاب مناخ انعدام الثقة، ويدفع حماس إلى التشبث بمواقفها. وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، حتى خلال فترات التهدئة، تتعزز قناعة الحركة بأن أي تنازل استراتيجي في ملف السلاح قد يعرّضها لخسارة مزدوجة: أمنية وسياسية.
كما أن الفجوة بين التعهدات المتعلقة بإدخال المساعدات إلى غزة وبين ما يتحقق فعلياً على الأرض، تشكل عاملاً إضافياً في إضعاف فرص التقدم. فالأرقام التي تعكس تدفقاً محدوداً للشاحنات مقارنة بما نصت عليه اتفاقات سابقة، تمنح حماس مبرراً للتشكيك في جدية الالتزامات الدولية، وتقلل من حوافزها للانخراط في ترتيبات طويلة الأمد قد لا تُحترم.
في ضوء ذلك، يتضح أن مطلب نزع سلاح حماس، بصيغته الحالية، لا يمكن فصله عن اختلالات أعمق في بنية العملية السياسية ذاتها. فبدلاً من أن يكون جزءاً من مسار متكامل يعالج جذور الصراع، يُطرح كشرط مسبق يعيد ترتيب موازين القوة دون تقديم ضمانات كافية. وبينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فرض واقع أمني جديد، تصر حماس على ربط أي تحول استراتيجي بتغييرات ملموسة في شروط الصراع.
ويعتقد الخبراء أي مقاربة قابلة للحياة لا بد أن تتجاوز منطق الإكراه السياسي نحو بناء إطار تفاوضي تدريجي، يقوم على التزامات متبادلة، وضمانات واضحة، وفصل نسبي بين المسارات الإنسانية والسياسية. دون ذلك، سيظل نزع السلاح هدفاً نظرياً يصطدم بواقع معقد، وسيبقى خطر الانزلاق نحو جولة جديدة من التصعيد قائماً، في بيئة لم تُحسم فيها بعد أسئلة السيادة والأمن والعدالة.





شارك برأيك
نزع سلاح حماس بين الإكراه السياسي واختلالات التسوية