تصدر الجنيه المصري قائمة أسوأ العملات العالمية أداءً مقابل الدولار الأمريكي منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الاحتلال والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. ووفقاً لبيانات اقتصادية حديثة، فقد تراجعت قيمة العملة المصرية بنحو 12.2%، متجاوزة نسب الانخفاض في عملات دول ناشئة أخرى مثل جنوب أفريقيا وناميبيا، رغم المكاسب المحدودة التي حققتها في النصف الثاني من العام المنصرم.
أفادت مصادر بأن الحرب الدائرة دعمت قوة الدولار ليسجل أفضل أداء شهري له منذ أواخر عام 2024، وهو ما انعكس سلباً على موازين المدفوعات في الدول النامية. إلا أن الحالة المصرية بدت أكثر تأثراً بسبب الهشاشة الهيكلية، حيث سجل الجنيه أدنى مستوى تاريخي له، وسط توقعات بمزيد من الهبوط في حال استمرار الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي وتزايد الحاجة لتمويل فجوة الموازنة وتأمين احتياجات الطاقة.
شهدت السوق المصرية عودة لظهور نشاط الصرف الموازي (السوق السوداء) بعد فترة من الاستقرار النسبي التي تلت تعويم الربع الأول من عام 2024. ويعزو مراقبون هذا الارتباك إلى خروج تدفقات استثمارية ضخمة من أدوات الدين المحلية تقدر بما بين 8 إلى 9 مليارات دولار، بالتزامن مع ارتفاع حاد في طلبات تمويل الاستيراد وتضاعف فاتورة الغاز الطبيعي لتصل إلى 1.1 مليار دولار شهرياً.
على صعيد الأرقام الرسمية، قفز سعر صرف الدولار في البنوك المصرية ليتجاوز حاجز 54.50 جنيهاً، بينما سجلت العقود الآجلة للعملة المحلية لمدة عام مستويات قياسية تراوحت بين 63.85 و64.4 جنيهاً للدولار الواحد. هذا التدهور في قيمة العملة ألقى بظلاله مباشرة على أسعار المعادن النفيسة، حيث وصل سعر غرام الذهب من عيار 21 إلى نحو 7150 جنيهاً، مدفوعاً بضعف القوة الشرائية للجنيه.
حذرت وكالات تصنيف ائتماني دولية من أن استمرار الحرب الإيرانية يهدد بخروج ما تبقى من استثمارات الأجانب في أذون وسندات الخزانة، والتي تقدر بنحو 20 مليار دولار. وأوضحت التقارير أن نقاط الضعف الهيكلية، المتمثلة في ارتفاع الدين العام الذي يتجاوز 82% من الناتج المحلي، تحد بشكل كبير من قدرة المالية العامة على امتصاص الصدمات الخارجية المفاجئة أو التكيف مع ارتفاع أسعار النفط العالمية.
تشير البيانات المالية إلى أن مدفوعات الفائدة وحدها تستنزف ما يقرب من ثلثي الإيرادات الحكومية، مما يضع الدولة أمام مخاطر سيولة حقيقية، خاصة مع استحقاقات ديون خارجية ضخمة مرتقبة. وفي ظل إغلاق مضيق هرمز وتأثر إمدادات الطاقة العالمية، تواجه مصر ضغوطاً تضخمية متزايدة ناتجة عن ارتفاع كلفة الواردات، وهو ما قد يؤدي إلى موجة جديدة من تخارج رؤوس الأموال بحثاً عن ملاذات أكثر أماناً.
يرى خبراء اقتصاديون أن تحول الاقتصاد المصري إلى نموذج ريعي يعتمد على الدعم السياسي والتمويلات الخارجية بدلاً من الإنتاج والتصدير هو السبب الرئيس وراء هذا الانهيار. وأكدت مصادر اقتصادية أن غياب الاستثمار الحقيقي في القطاعات الصناعية والزراعية جعل العملة المحلية عرضة للتقلبات مع كل أزمة إقليمية، سواء كانت الحرب الروسية الأوكرانية أو العدوان على غزة وصولاً إلى الصراع الحالي مع إيران.
الاقتصاد المصري أصبح ريعياً يعتمد على عوامل خارجية بعد تدمير القطاعات الإنتاجية الحقيقية، ما جعله عاجزاً عن مواجهة الصدمات الدولية.
انتقد محللون الاعتماد المتكرر على 'الأموال الساخنة' التي تهرب مع أول بادرة للأزمات، مشيرين إلى أن مصر لم تستفد من الدروس السابقة حين خرجت مليارات الدولارات في عام 2022. واعتبروا أن السياسات الحالية التي تركز على بيع الأصول العامة والاقتراض الخارجي لتمويل عجز الموازنة لا تمثل حلولاً مستدامة، بل تزيد من ارتهان القرار الاقتصادي للخارج وتضعف الثقة الشعبية في العملة الوطنية.
في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، أعلنت الحكومة المصرية رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه اعتباراً من يوليو المقبل، إلا أن هذا القرار قوبل بمخاوف من كونه تمهيداً لتعويم جديد. ويربط الشارع المصري عادة بين رفع الأجور الرسمية وبين إجراءات خفض قيمة الجنيه، كما حدث في مارس 2024 حين فقدت العملة نحو 40% من قيمتها فور صدور قرارات مماثلة، مما أدى لقفزة هائلة في أسعار السلع الأساسية.
تتزايد المخاوف من فرض زيادات جديدة على أسعار الوقود والكهرباء، لتكون الرابعة من نوعها خلال عام واحد، في ظل سعي الحكومة لتقليص فاتورة الدعم استجابة لشروط المؤسسات الدولية. وقد شملت الزيادات الأخيرة كافة أنواع البنزين والسولار، مما أدى إلى ارتفاع كلفة النقل والإنتاج، وزاد من معاناة المواطنين الذين يواجهون تضخماً غير مسبوق في أسعار الغذاء والخدمات الأساسية.
تأتي هذه الأزمات في وقت تعاني فيه موارد مصر التقليدية من النقد الأجنبي من تراجع حاد، حيث انخفضت إيرادات قناة السويس نتيجة التوترات الملاحية المرتبطة بالحرب. كما تأثر قطاع السياحة، الذي كان يمثل بارقة أمل للاقتصاد، وسط تحذيرات من تراجع أعداد الزائرين وتأثر تحويلات المصريين بالخارج بسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية في دول الخليج العربي المتأثرة بالصراع الإقليمي.
على الجانب العسكري والسياسي، دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها السادس، مع استمرار إغلاق طهران لمضيق هرمز الاستراتيجي، مما تسبب في شلل جزئي لحركة النفط العالمية. وتسعى واشنطن من خلال هذه العمليات إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني ومنظومة الصواريخ الباليستية، وهو ما يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان، وينعكس مباشرة على استقرار الأسواق المالية في دول الجوار.
داخل الكيان الإسرائيلي، تظهر استطلاعات الرأي تراجعاً ملحوظاً في الثقة الشعبية بمسار الحرب، رغم التأييد الأولي الواسع، وذلك بسبب الكلفة الاقتصادية والبشرية المتزايدة. وفي ظل هذا الجمود العسكري، تبرز توقعات دولية تشير إلى إمكانية لجوء الإدارة الأمريكية لخيارات عسكرية أكثر تدميراً لإنهاء الصراع، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية ووصول أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة.
ختاماً، يظل مستقبل الجنيه المصري رهيناً بمدى قدرة الحكومة على التحول نحو اقتصاد إنتاجي حقيقي وتقليل الاعتماد على القروض والديون قصيرة الأجل. ومع استمرار الضغوط الخارجية والداخلية، يترقب المصريون بحذر الإجراءات التقشفية القادمة، في وقت يطالب فيه خبراء بضرورة تبني خطط تنموية شاملة تشجع الاستثمار المحلي وتحمي الفئات الأكثر تضرراً من تآكل القيمة الشرائية لمدخراتهم.





شارك برأيك
الجنيه المصري يتذيل أداء العملات العالمية مع استمرار الحرب على إيران وتخارج المليارات