دخلت الأسواق التركية مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية مع بدء تطبيق زيادات قياسية في أسعار المحروقات والطاقة، شملت الديزل والكهرباء والغاز الطبيعي. وتأتي هذه التحركات السعرية مدفوعة بالارتفاع المستمر في أسعار النفط بالأسواق العالمية، إلى جانب حالة عدم الاستقرار التي يعاني منها سعر صرف الليرة التركية أمام العملات الأجنبية.
وأفادت مصادر بأن أسعار الديزل سجلت ارتفاعاً جديداً بمقدار 7.65 ليرة للتر الواحد، ما دفع السعر لتجاوز ذروته التاريخية السابقة. ووصل سعر لتر الديزل في مدينة إسطنبول إلى نحو 85.12 ليرة، بينما سجل في العاصمة أنقرة 86.25 ليرة، وفي إزمير بلغ 86.52 ليرة، مما يضع أعباءً إضافية على قطاع النقل والخدمات.
وفي سياق متصل، أعلنت شركة الطاقة التركية المملوكة للدولة 'بوتاش' عن تعديلات واسعة في أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء المخصصة للمنازل. وتقرر رفع الأسعار بنسبة 25% كنسبة عامة، مع اعتماد نظام التعرفة التدريجية الذي يهدف إلى تحميل كبار المستهلكين تكلفة أعلى مقارنة بذوي الاستهلاك المحدود.
وشهدت تعرفة الغاز الطبيعي للمشتركين في 'المرحلة الثانية' قفزة هائلة، حيث ارتفع السعر من 7,772 ليرة إلى 18 ألف ليرة لكل ألف متر مكعب. وتمثل هذه الزيادة التي بلغت نسبتها 132% عبئاً كبيراً على نحو 3 ملايين مشترك يقعون ضمن هذه الفئة الاستهلاكية المرتفعة وفقاً لبيانات وزارة الطاقة.
ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك المنزلي، بل طالت الزيادات القطاع الصناعي ومحطات توليد الكهرباء التي تعتمد على الغاز. وارتفعت الأسعار لهذه القطاعات من 15 ألف ليرة إلى 18 ألف ليرة لكل ألف متر مكعب، بزيادة تقدر بنحو 20%، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على أسعار السلع والمنتجات النهائية.
وفي خطوة تهدف لحماية الأمن الغذائي، قررت السلطات التركية استثناء منتجي الخبز من هذه الزيادات الأخيرة في أسعار الطاقة. وبقي سعر الغاز المورد للمخابز مستقراً عند مستوى 10,396 ليرة لكل ألف متر مكعب، في محاولة لمنع ارتفاع أسعار الخبز الذي يعد سلعة أساسية للمواطنين.
الدعم الحكومي يركز حالياً على الفئات الأكثر حاجة، والمنازل ذات الاستهلاك المفرط لن تشملها الحماية المدعومة لضمان العدالة.
وأوضح مسؤولون في وزارة الطاقة أن السياسة الحالية تركز على توجيه الدعم الحكومي لمستحقيه من الفئات الأقل دخلاً. وأكدت المصادر أن المنازل الكبيرة التي تستهلك كميات مفرطة من الطاقة لن تستفيد من الدعم، وذلك لضمان توزيع الموارد الاقتصادية بشكل أكثر عدالة في ظل الأزمة الراهنة.
وعلى صعيد المؤشرات الاقتصادية الكلية، أظهرت بيانات المعهد التركي للإحصاء تراجعاً طفيفاً في معدل التضخم السنوي ليصل إلى 30.87% خلال شهر مارس. ورغم هذا التراجع الذي جاء أفضل من التوقعات، إلا أن أسعار النقل والمواد الغذائية لا تزال تشكل المحرك الرئيسي للضغوط التضخمية في البلاد.
وكانت استطلاعات الرأي الاقتصادي، ومنها استطلاع أجرته مصادر دولية، قد توقعت وصول التضخم الشهري إلى مستويات أعلى تناهز 2.32%. ويعزو المحللون هذه الضغوط إلى التقلبات الجوية وتأثيراتها على الإنتاج الزراعي، مضافاً إليها الارتفاعات المتتالية في تكاليف الطاقة والوقود.
من جانبه، قام البنك المركزي التركي بتحديث توقعاته لمعدلات التضخم بنهاية العام الجاري، واضعاً نطاقاً يتراوح بين 15% و21%. ويسعى البنك من خلال سياساته النقدية إلى الوصول لهدف مؤقت عند 16%، رغم التحديات الكبيرة التي تفرضها أسعار الطاقة العالمية على الميزان التجاري.
كما كشفت البيانات الرسمية عن ارتفاع مؤشر أسعار المنتجين المحليين بنسبة 2.3% على أساس شهري، مع زيادة سنوية تجاوزت 28%. ويعكس هذا الارتفاع حجم الضغوط التي تواجهها المصانع والشركات التركية في تغطية تكاليف الإنتاج المتصاعدة، مما يهدد بموجة غلاء جديدة في الأسواق المحلية.
وختاماً، يراقب الخبراء الاقتصاديون مدى قدرة الأسواق على استيعاب هذه الزيادات المتلاحقة في أسعار الطاقة والوقود. وتظل المخاوف قائمة من أن تؤدي هذه القفزات السعرية إلى تقويض الجهود الحكومية الرامية للسيطرة على التضخم وتحقيق استقرار نسبي في القوة الشرائية للمواطن التركي.





شارك برأيك
قفزة قياسية في أسعار الوقود والطاقة بتركيا والديزل يتجاوز ذروته التاريخية