أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 7:42 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل وعقدة الأمن: هوس وجودي يتجاوز القوة العسكرية والنووية

رغم مرور خمسة وسبعين عاماً على تأسيسها، وبلوغها مستويات متقدمة من القوة الاقتصادية والعسكرية، لا تزال إسرائيل تعيش حالة من القلق الأمني الوجودي الذي لا يضاهيه قلق في أي دولة أخرى. هذا الهوس يأتي في وقت تتمتع فيه تل أبيب بحماية استراتيجية من الولايات المتحدة، وتمتلك ترسانة نووية تقدر بمئات الرؤوس الحربية، فضلاً عن ناتج قومي يتجاوز 400 مليار دولار، مما يجعل تبريراتها الأمنية موضع تساؤل عميق.

لقد استثمرت إسرائيل طويلاً في ادعاءات التهديد الوجودي من دول الجوار، إلا أن هذا الجدار انهار عملياً بعد اتفاقيات السلام والتطبيع مع عدة دول عربية، وتراجع التهديد العسكري التقليدي من جيوش المنطقة. ومع ذلك، سارعت الأوساط الإسرائيلية إلى اختراع أعداء جدد أو تضخيم منافسين إقليميين مثل إيران، لدفع القوى العظمى نحو مواجهات عسكرية تخدم مصالحها التوسعية وتضمن تفوقها النوعي.

في الملف الإيراني، يظهر التناقض الإسرائيلي بوضوح؛ فبينما تمتلك إسرائيل قدرات نووية هائلة، تشن حملات دولية لمنع طهران من امتلاك برنامج سلمي، وقد نجحت سابقاً في دفع الإدارة الأمريكية للانسحاب من الاتفاق النووي. هذا السلوك يعكس رغبة في إبقاء المنطقة في حالة من عدم الاستقرار، بما يضمن استمرار التدخل العسكري الإسرائيلي في العمق الإقليمي تحت ذريعة 'الدفاع عن النفس'.

أما على الصعيد الميداني، فتمارس إسرائيل احتلالاً مباشراً للضفة الغربية مدعوماً بميليشيات من المستوطنين المسلحين الذين يتجاوز عددهم نصف مليون، في مواجهة شعب أعزل محاصر خلف مئات الحواجز العسكرية. هذا الواقع يثبت أن الأمن الذي تنشده إسرائيل ليس مجرد حماية للحدود، بل هو أداة لإدامة السيطرة على الأرض الفلسطينية ومنع قيام دولة مستقلة، عبر تحويل المدن والقرى إلى 'جزر' معزولة.

وتتحدث التقارير الأمنية الإسرائيلية باستمرار عن تآكل قوة الردع، مشيرة إلى خمس جبهات نشطة تشمل غزة ولبنان وسوريا والضفة وإيران، في محاولة لتبرير العمليات العسكرية المتكررة. وتلجأ مصادرها إلى تضخيم قدرات المقاومة في غزة أو الادعاء بامتلاك حزب الله لأسلحة كيماوية، لخلق غطاء دولي يسمح لها باستخدام أطنان من المتفجرات في حروبها الخاطفة والمستمرة.

إن هذا السلوك الناجم عن 'المرض النفسي بهاجس الأمن' له دافعان أساسيان؛ الأول هو مواصلة ابتزاز العالم الغربي سياسياً وعسكرياً لتحقيق حلم 'الدولة العظمى' إقليمياً. أما الثاني فهو محاولة إقناع المجتمع الدولي باستحالة الانسحاب من الأراضي المحتلة في الجولان وفلسطين، من خلال تصوير المناطق المحيطة بها كتهديدات دائمة لا يمكن احتواؤها إلا بالسيطرة العسكرية أو تحويلها إلى مناطق عازلة.

في نهاية المطاف، تظل إسرائيل دولة غير طبيعية في نظر نفسها قبل غيرها، لأنها ترفض الاندماج في محيطها عبر إنهاء الاحتلال والالتزام بقرارات الشرعية الدولية. وبدلاً من العيش كدولة مسالمة مثل جيرانها، تختار تل أبيب البقاء في دوامة الهوس الأمني، محاولةً الجمع بين نقيضين لا يجتمعان أبداً: استمرار احتلال أراضي الغير، وتوقع الحصول على أمن وسلام دائمين.

دلالات

شارك برأيك

إسرائيل وعقدة الأمن: هوس وجودي يتجاوز القوة العسكرية والنووية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.