اسرائيليات

السّبت 28 مارس 2026 8:27 مساءً - بتوقيت القدس

قلق إسرائيلي من تنامي دور الوساطة التركية في الحرب ضد إيران

تتابع الدوائر السياسية والأمنية في تل أبيب باهتمام بالغ التحركات الدبلوماسية المكثفة التي تقودها أنقرة في الآونة الأخيرة، حيث تُصنف هذه الجهود ضمن استراتيجية تركية أوسع لتعزيز النفوذ والمنافسة على القيادة الإقليمية. وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المساعي الدولية للوساطة بهدف وقف التصعيد العسكري ضد إيران، وهو ما تراه مصادر إسرائيلية تحدياً قد يلقي بظلاله على ترتيبات المنطقة في المرحلة المقبلة.

وحذر روعي بنياميني، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، من أن النشاط التركي لا ينبع فقط من الرغبة في تحقيق الاستقرار، بل تحركه دوافع استراتيجية عميقة تهدف إلى خلق ثقل موازن للهيمنة الإسرائيلية. وأشار بنياميني في تحليل نشرته وسائل إعلام عبرية إلى أن التحركات التي يقودها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تشمل تنسيقاً رفيع المستوى مع واشنطن وطهران، بالإضافة إلى عواصم إقليمية مؤثرة مثل الرياض والقاهرة وإسلام أباد.

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن أنقرة تخشى بشكل حقيقي من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لانهيار النظام في إيران أو توسع رقعة الحرب، خاصة فيما يتعلق بملفات الطاقة وتدفق موجات جديدة من اللاجئين عبر حدودها. كما يبرز التخوف التركي من استغلال الأقلية الكردية لحالة الفوضى الإقليمية لتعزيز تطلعاتها الانفصالية، مما يفسر الموقف التركي الذي يميل إلى الحياد النسبي وتجنب المواجهة المباشرة مع طهران.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تسعى تركيا لتقديم نفسها كلاعب لا يمكن تجاوزه أمام إدارة ترامب، من خلال إظهار قدرتها على الربط بين القوى المتصارعة وتأمين مسارات السلام. هذا الدور يمنح أنقرة فرصة لتعميق تعاونها الأمني مع دول مثل السعودية وباكستان، وترسيخ تحالفها مع قطر التي تمثل مرساة اقتصادية ومنصة للتأثير الأيديولوجي في المنطقة، وصولاً إلى دورها الفاعل في صياغة الواقع الجديد في سوريا.

ويرى مراقبون أن الطموح التركي يتجاوز حدود الشرق الأوسط ليصل إلى أفريقيا وليبيا والقرن الأفريقي، حيث تعمل أنقرة على توسيع موطئ قدمها سياسياً وعسكرياً. وفي سياق الوساطة الحالية، تحاول تركيا التموضع في ملتقى الطرق بين واشنطن وطهران والعالم العربي، لتضمن لنفسها دوراً قيادياً في تشكيل ملامح اليوم التالي للحرب، بما يضمن بقاء مصالحها الحيوية بعيداً عن التهديد.

ويكمن جوهر الخلاف بين الرؤيتين الإسرائيلية والتركية في مصير النظام الإيراني؛ فبينما تطمح تل أبيب لتقويض قدرات طهران العسكرية والنووية، ترى أنقرة في بقاء النظام ضرورة لاستقرارها الداخلي. هذا التباين يضع إسرائيل أمام معضلة دبلوماسية، حيث تخشى أن تؤدي الوساطة التركية إلى اتفاق سريع يضمن تهدئة مؤقتة دون معالجة الجذور الحقيقية للصراع، مثل الملف النووي وصواريخ طهران الباليستية.

وتعتقد مصادر مطلعة أن نجاح تركيا في فرض نفسها كوسيط مقبول لدى واشنطن قد يدفع نحو تسويات جزئية تتجاهل المطالب الإسرائيلية بضرورة تفكيك شبكة الوكلاء الإقليميين التابعين لإيران. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن إسرائيل قد تجد نفسها في مواجهة نظام إيراني لم يفقد أنيابه، مدعوماً ببيئة إقليمية تشهد حضوراً تركياً أعمق وأكثر تأثيراً في القرارات الاستراتيجية الكبرى.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه دولة الاحتلال في هذه المرحلة لا يقتصر فقط على منع التوصل إلى اتفاقات تراها 'منقوصة'، بل في قدرتها على طرح بديل دبلوماسي فعال يحقق أهدافها الأمنية. ومع استمرار التصريحات الأمريكية حول ضرورة وقف الحرب، تزداد الضغوط على صانع القرار في تل أبيب لمواجهة النفوذ التركي المتصاعد الذي يسعى لقطف ثمار التهدئة وتحويلها إلى مكاسب سياسية طويلة الأمد.

ختاماً، تظل التحركات التركية في نظر الأوساط الإسرائيلية بمثابة 'حملة نفوذ' ذكية تستغل الفراغات السياسية لإعادة صياغة موازين القوى، وهو ما يتطلب من إسرائيل يقظة دبلوماسية عالية. فالمعركة ليست عسكرية فحسب، بل هي صراع على من يمتلك مفاتيح الحل في المنطقة، ومن سيحدد قواعد اللعبة في المرحلة التي ستعقب توقف أزيز الطائرات والمدافع.

دلالات

شارك برأيك

قلق إسرائيلي من تنامي دور الوساطة التركية في الحرب ضد إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.