تتصاعد التساؤلات في الأوساط الأمنية للاحتلال حول الجدوى الاستراتيجية من السعي لإسقاط النظام في طهران، مقابل خيار بديل يتمثل في إبقاء الدولة الإيرانية في حالة دائمة من عدم الاستقرار. ورغم أن الأهداف المعلنة للهجمات الإسرائيلية تتركز عادة على المنشآت النووية وقواعد الصواريخ الباليستية، إلا أن السلوك الميداني يشير إلى رغبة في تقويض تماسك الدولة لتقليل التهديدات طويلة الأمد.
ويرى المحرر العسكري لمجلة 'يسرائيل ديفينس'، عامي روحاكس دومبا أن السؤال الجوهري ليس حول هوية من يحكم طهران، بل في مدى قدرة هذا النظام على الحفاظ على استقراره. فمن وجهة نظر استراتيجية، يخدم استقرار أي نظام خصم قدرته على تطوير تهديدات وجودية تتطلب سنوات من التخطيط والتمويل المستمر والجهاز الإداري الفعال.
وتحدد الدوائر العسكرية الإسرائيلية ثلاثة عناصر رئيسية تشكل الخطر الإيراني، وهي البرنامج النووي العسكري، ومنظومات الصواريخ بعيدة المدى، والصناعة الدفاعية المستقلة. هذه العناصر الثلاثة تشترك في كونها تتطلب استثمارات مالية ضخمة ونظام دولة قادراً على إدارة مشاريع تكنولوجية معقدة لا يمكن إنجازها في بيئة سياسية مضطربة أو منهارة.
ويستند هذا التحليل إلى دراسات كلاسيكية في العلاقات الدولية، أبرزها ما قدمه الباحث كينيث والتز، الذي أكد أن تطوير الأسلحة النووية يحتاج إلى جهاز دولة مستقر تماماً. ففي الدول التي تعاني من أزمات سياسية حادة، يضطر القادة للتركيز على البقاء الفوري ومواجهة الاحتجاجات، مما يعجزهم عن وضع وتنفيذ خطط استراتيجية تمتد لعقود.
وتسوق مصادر إعلامية أمثلة من واقع الشرق الأوسط، حيث تحولت دول مثل سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا إلى نماذج للدول الضعيفة أو الفاشلة نتيجة الحروب الأهلية. ورغم وجود فصائل مسلحة وصواريخ في هذه المناطق، إلا أن أياً منها لم يستطع بناء صناعة دفاعية حديثة أو برنامج نووي متطور بسبب غياب مؤسسات الدولة القوية.
وفي المقابل، تبرز نماذج مثل تركيا ومصر، حيث مكنهما الاستقرار السياسي النسبي من بناء جيوش نظامية ضخمة وصناعات عسكرية متقدمة تشمل الطائرات بدون طيار والمنصات القتالية. وبالمثل، استغلت إيران سنوات استقرارها الداخلي لإنشاء بنية تحتية عسكرية معقدة وبرنامج نووي وصل إلى مراحل متقدمة، وهو ما يثير قلق الاحتلال بشكل مستمر.
وتشير التحليلات إلى أن البرامج النووية ليست مجرد تحديات تكنولوجية، بل هي مشاريع تنظيمية بامتياز تتطلب رقابة صارمة وسلاسل توريد معقدة. وبحسب خبراء دوليين، فإن هذه المشاريع تحتاج إلى مؤسسات بحثية وأجهزة حكومية قادرة على تخصيص الموارد المالية والبشرية دون انقطاع، وهو ما يهدده عدم الاستقرار السياسي بشكل مباشر.
التهديد الاستراتيجي لا يُبنى في دولة منهارة، وحالة عدم الاستقرار المستمرة داخل إيران قد تحدّ بشكل كبير من قدرتها على تطوير وصيانة برامجها العسكرية المعقدة.
لذلك، فإن إثارة الاحتجاجات الداخلية والأزمات الاقتصادية في إيران قد تكون أداة إسرائيلية لتعطيل القدرات العسكرية دون الحاجة لخوض مواجهة شاملة لإسقاط النظام. فعدم الاستقرار يؤدي إلى هجرة العقول العلمية وتشتت الميزانيات الدفاعية، مما يجعل الحفاظ على السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة أمراً في غاية الصعوبة.
ويخلص المحرر العسكري إلى أن سيناريو إسقاط النظام قد يؤدي إلى فوضى إقليمية غير محسومة النتائج، وهو ما قد لا تفضله تل أبيب في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، فإن حالة 'اللا استقرار' تضمن بقاء الخصم في حالة دفاعية دائمة، مشغولة بالأزمات المعيشية والسياسية الداخلية بعيداً عن تطوير طموحاتها الإقليمية والنووية.
إن المقارنة بين الحالة السورية قبل الحرب وبعدها تعطي مؤشراً واضحاً للاحتلال؛ فسوريا التي حاولت تطوير مفاعل نووي بمساعدة كوريا الشمالية فقدت هذه القدرة تماماً بعد دخولها في دوامة الصراع الداخلي. هذا النموذج يغري صانع القرار في تل أبيب لتكرار السيناريو مع إيران عبر استنزاف مواردها في صراعات داخلية لا تنتهي.
ويؤكد التحليل أن استقرار الخصم في الشرق الأوسط قد يكون أكثر خطورة من انهياره، لأن الدولة المستقرة التي تمتلك موارد اقتصادية وبنية تكنولوجية هي الوحيدة القادرة على بناء تهديد حقيقي. ومن هنا، يصبح الهدف الإسرائيلي هو إضعاف قدرة طهران على البقاء كدولة مستقرة ومنظمة قادرة على إدارة مشاريعها العسكرية الكبرى.
وتلعب العقوبات الاقتصادية والعمليات السيبرانية دوراً محورياً في هذه الاستراتيجية، حيث تهدف إلى خلق فجوة بين النظام والشعب الإيراني. هذه الفجوة تترجم لاحقاً إلى اضطرابات تمنع الدولة من التركيز على تطوير الصواريخ الباليستية أو تخصيب اليورانيوم بمستويات عالية، نظراً لانشغال الأجهزة الأمنية بالداخل.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن المصلحة الإسرائيلية تتأرجح بين الرغبة في تدمير القدرات العسكرية مباشرة وبين استنزاف الدولة من الداخل. فالرهان الآن ليس فقط على من يمسك بزمام السلطة في طهران، بل على مدى هشاشة هذه السلطة وقدرتها على الصمود أمام الضغوط المتزايدة التي تستهدف استقرارها البنيوي.
إن هذا التحول في الرؤية يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن الحروب التقليدية قد لا تنهي التهديدات التكنولوجية، لكن تفكيك الحاضنة السياسية والتنظيمية لهذه التكنولوجيا هو الكفيل بوأدها. وبناءً عليه، تظل إيران 'غير المستقرة' هي الخيار الأقل كلفة والأكثر فاعلية في حسابات الأمن القومي للاحتلال الإسرائيلي.





شارك برأيك
تحولات العقيدة الأمنية للاحتلال: هل يفضل الاحتلال 'إيران غير مستقرة' على إسقاط النظام؟