تشير القراءات التحليلية لأسباب التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران إلى دور محوري لعبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حسم قرار الرئيس دونالد ترامب. ففي مكالمة هاتفية جرت في الثالث والعشرين من فبراير، قدمت مصادر استخبارية فرضية مفادها أن اجتماعاً وشيكاً للمرشد الإيراني وكبار مستشاريه يمثل فرصة ذهبية لاغتيال القيادة بالكامل. هذا التحرك الإسرائيلي جاء ليربط بين طموحات ترامب في تحقيق نصر سريع وبين استراتيجية 'قطع الرأس' التي تم تسويقها كحل نهائي للأزمة الإيرانية.
اعتمد نتنياهو في إقناعه لترامب على ما يسمى بـ 'المثال الفنزويلي'، حيث تم تصوير النظام الإيراني كبناء هش سيهار بمجرد التخلص من قيادته العليا، تماماً كما جرى التعامل مع الرئيس نيكولاس مادورو. وقد تقاطع هذا التحليل مع تصريحات ترامب العلنية التي أعلن فيها وفاة المرشد الأعلى، واصفاً الحدث بأنه الفرصة الأعظم للشعب الإيراني لاستعادة بلاده. وبدا أن واشنطن تراهن على أن الضربة العسكرية ستجبر من تبقى من القيادة الإيرانية على التفاوض من موقع ضعف شديد.
ترافق هذا السيناريو مع استغلال نتنياهو لحاجة ترامب السياسية إلى 'مهرب' من الأزمات الداخلية والملفات الشائكة التي تلاحقه في الولايات المتحدة. ويرى مراقبون أن القرار لم يكن مجرد مزاج شخصي، بل ارتبط باستراتيجية أمريكية أوسع تهدف للسيطرة على احتياطات الطاقة العالمية وتأمين أسواق النفط. ومع ذلك، فإن النجاح المفترض في فنزويلا كان المحرك الأساسي الذي استخدمه نتنياهو لتسويق فكرة تصفية القيادة الإيرانية كحل استراتيجي قليل التكلفة.
في المقابل، لم تلتزم طهران الصمت، حيث أعلنت عن انتخاب مرشد جديد وبدأت بتنفيذ سلسلة من الهجمات الانتقامية المكثفة التي طالت العمق الإسرائيلي وقواعد أمريكية في المنطقة. ورغم محاولات الرئيس مسعود بزشكيان التهدئة عبر تقديم 'اعتذارات' دبلوماسية عن بعض الهجمات، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى تصعيد غير مسبوق. وقد شملت الردود الإيرانية استهداف مرافق اقتصادية حيوية، مما يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان عسكري واقتصادي.
نتنياهو نجح في استغلال نقاط ضعف الرئيس الأمريكي ليدفع واشنطن نحو منطقة الزلازل الشرق أوسطية من جديد.
برزت إشكالية كبرى في تعامل ترامب مع المعلومات الاستخبارية الحساسة، حيث انتقدت مصادر أمنية إدلاءه بتصريحات كشفت عن تفاصيل سرية تتعلق بالضربة الكبرى. هذه السوابق في كشف أسرار العمليات، مثل الإشارة لزيارة عملاء إسرائيليين لمنشأة فوردو النووية، زادت من تعقيد المشهد الأمني. ويبدو أن التداخل بين الرغبة في الاستعراض السياسي وبين مقتضيات العمل العسكري السري قد أدى إلى نتائج عكسية لم تكن في حسبان المخططين في واشنطن وتل أبيب.
سواء كانت الحرب قراراً استراتيجياً معداً سلفاً أو نتيجة لنجاح نتنياهو في استغلال نقاط ضعف ترامب، فإن المحصلة هي دخول الولايات المتحدة في 'منطقة زلازل' جديدة. تسعى إسرائيل جاهدة لاستثمار هذا الصراع لتغيير موازين القوى الإقليمية بشكل جذري ودائم. ومع ذلك، فإن الفشل في تحقيق سيناريو 'الانهيار السريع' للنظام الإيراني يفتح الباب أمام احتمالات كارثية قد لا تتوقف عند حدود الشرق الأوسط بل تمتد لتشمل القوى العظمى مثل روسيا والصين.
تعاني المنطقة العربية اليوم من تداعيات هذه المقامرة العسكرية، حيث تجد الدول نفسها في مواجهة خسائر اقتصادية وأمنية لا يمكن التنبؤ بنهاياتها. إن الرهان على أن 'قطع الرأس' سينهي الحرب أثبت سذاجته أمام تعقيدات المؤسسات الإيرانية وتاريخها في المواجهة. وبدلاً من الاستقرار الموعود، أدت هذه الضربات إلى فتح أبواب الفوضى على مصراعيها، مما يهدد بتحويل النزاع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تستنزف موارد الجميع.
في نهاية المطاف، يظهر المشهد الحالي أن الغطرسة السياسية قد تقود إلى كوارث تاريخية عندما يتم تجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ لصالح صفقات سريعة. إن الشرق الأوسط الذي يغلي على صفيح ساخن يحتاج إلى رؤية تتجاوز لغة الصواريخ والاغتيالات، خاصة وأن 'سيناريوهات القيامة' باتت مطروحة على الطاولة. وإذا لم يتغير المزاج الحربي في واشنطن، فإن المنطقة مقبلة على تحولات كبرى ستعيد رسم الخارطة السياسية بدمار غير مسبوق.





شارك برأيك
نتنياهو وترامب ومقامرة 'قطع الرأس': كيف انزلقت واشنطن نحو المواجهة مع طهران؟