يعيش العالم المعاصر حالة من الذهول أمام مشهد سياسي يبدو وكأنه مستل من أفلام الخيال الغرائبي، حيث تداخلت الحقائق السياسية مع الأساطير التاريخية التي تعود لآلاف السنين. يظهر هذا جلياً في سلوكيات قادة دوليين يمزجون بين إدارة الدولة والطقوس الدينية المثيرة للجدل في مراكز صنع القرار العالمي.
في تل أبيب، يبرز بنيامين نتنياهو كشخصية تلاحقها المحاكم الدولية، لكنه في الوقت ذاته يروج لنفسه كقائد مكلف بمهمة إلهية مقدسة. يزعم نتنياهو أن رسالته تكمن في رفع شأن الأمة اليهودية، حتى لو تطلب ذلك القضاء على كل من يقف في طريق هذا المخطط الذي يصفه بالمقدس.
لا تقتصر هذه الظاهرة على الجانب الإسرائيلي، بل تمتد لتشمل مفاصل الإدارة الأمريكية التي يبدو بعض قادتها مسكونين بفكرة 'نهاية الزمان'. وتفيد تقارير بأن هناك توجيهات لجنود بالاستعداد لعودة المسيح، معتبرين الصراع مع إيران جزءاً من معركة 'هرمجدون' التوراتية.
داخل أروقة البيت الأبيض، تشير مصادر إلى أن وزير الحرب الأمريكي يعقد اجتماعات دورية مخصصة لدراسة الإنجيل من منظور متطرف. هذا التوجه يعكس رغبة في صبغ التحركات العسكرية بصبغة دينية تبرر التدخلات العنيفة في منطقة الشرق الأوسط تحت غطاء النبوءات.
لقد ذهب السفير الأمريكي في إسرائيل إلى أبعد من ذلك حين صرح بأن الرئيس ترامب يتلقى رسائل إلهية لقيادة حرب حتمية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شملت ادعاءاته أحقية اليهود في أراضٍ مقدسة تشمل مكة والمدينة وجبل سيناء ضمن مشروع 'إسرائيل الكبرى'.
من جانبه، حلل الدكتور فوزي البدوي، أستاذ الدراسات اليهودية، الدلالات الدينية لاختيار توقيت الهجمات العسكرية على إيران واغتيال قياداتها. وأوضح أن هذه التواريخ ترتبط بـ 'ذكرى السبت' العبرية، التي ترمز تاريخياً لتخلص اليهود من الحكم الفارسي القديم.
هذه النزعة الأسطورية لا تقتصر على التيارات الدينية المتطرفة في إسرائيل، بل تمتد لتشمل القوى التي توصف بالعلمانية. فقد أكد يائير لابيد، زعيم المعارضة أن بقاء اليهود في فلسطين يستند إلى نصوص 'سفر التكوين' التي تمنحهم ملكية أبدية لأرض كنعان.
العالم دخل فعلاً المرحلة العبرية من الباب الكبير، وأي تهاون في التصدي لهذه الأساطير ستكون نتيجته ضياع الأوطان وسفك الدماء.
إن خطورة هذا المشهد تكمن في دخول العالم 'المرحلة العبرية' من أوسع أبوابها، حيث يتم إحلال الأساطير محل القانون الدولي. ويحذر مراقبون من أن التهاون في مواجهة هذه الادعاءات سيؤدي حتماً إلى ضياع الأوطان العربية واستباحة دماء شعوبها.
في المقابل، انخرطت أطراف عربية وإسلامية في هذا المناخ الأسطوري عبر استحضار موروثات تراثية لمواجهة السردية الصهيونية. فالشيعة ينتظرون ظهور المهدي لتحقيق العدالة المطلقة، بينما تستحضر أدبيات أهل السنة معتقدات حول المسيح الدجال وعودة عيسى عليه السلام.
هذا الانغماس في الفضاء الافتراضي للمعتقدات يؤدي إلى إسقاط النبوءات على الواقع الراهن بشخوصه وأحداثه. ويخشى محللون أن يتحول الصراع السياسي إلى حتميات قدرية مرسومة مسبقاً، مما يعطل العقل عن فهم الأسباب الحقيقية للأزمات.
إن الهدف الجوهري من وراء ترويج هذه السرديات هو تغيير الخرائط الجغرافية للمنطقة العربية ونهب ثرواتها الطبيعية. كما تهدف هذه المخططات إلى إخضاع الأجيال القادمة لتبعية اقتصادية وسياسية مطلقة لعدو يُمنع حتى التفكير في مقاومته.
ما كان يُطرح في الغرف المغلقة من خطط لتفتيت المنطقة أصبح اليوم يُعلن جهاراً دون مواربة أو خجل. ويبدو أن هذه المخططات التي وُضعت قبل أكثر من قرن ونصف بدأت تؤتي ثمارها في ظل غياب رؤية عربية موحدة للمواجهة.
تتسم ردود الفعل العربية والإسلامية في الغالب بالعشوائية، حيث تشبه 'الكرات الضائعة' التي قد تسجل أهدافاً في مرمى أصحابها. هذا الضعف في الأداء السياسي والاستراتيجي يمنح الفرصة للمشاريع الاستيطانية للتمدد والترسخ على حساب الحقوق التاريخية.
في نهاية المطاف، يبقى علم نهاية الزمان عند الله وحده، لكن المسؤولية البشرية تقتضي الحفاظ على كيان الدول واستقرارها. إن التحدي الأكبر اليوم هو منع خروج الأمة العربية من سياق التاريخ والجغرافيا تحت وطأة الأساطير الموظفة سياسياً.





شارك برأيك
توظيف الأساطير التلمودية في الصراعات الكبرى: هل دخل العالم 'المرحلة العبرية'؟