أقلام وأراء

الإثنين 09 مارس 2026 3:33 مساءً - بتوقيت القدس

صراع السلحفاة والأرنب: قراءة في استراتيجيات البقاء بين طهران وواشنطن

في قراءة فلسفية للتاريخ السياسي، يبرز مصطلح 'المنتصِران' ليشير إلى قوتين عالميتين هما الفرس والأمريكيون، حيث يرى مراقبون أنهما أمتان عصيتان على الهزيمة التقليدية رغم تعاقب الأزمات. الولايات المتحدة، منذ استقلالها عام 1776، اعتادت خوض غمار الحروب بمعدل مواجهة عسكرية كل ثلاثة عشر عاماً، مما جعل القوة الصلبة جزءاً أصيلاً من هويتها القومية.

الرئيس الأمريكي السابق والساعي للعودة، دونالد ترامب، الذي طالما تغنى بإنهاء الحروب والسعي لنيل جائزة نوبل للسلام، وجد نفسه منخرطاً في عمليات عسكرية خاطفة كما حدث في فنزويلا مؤخراً. ويرى محللون أن التحركات العسكرية الأمريكية غالباً ما تكون مدفوعة بضغوط داخلية أو محاولات للهروب من فضائح سياسية وشخصية تلاحق صناع القرار في واشنطن.

تاريخ الحروب الأمريكية يمتد من حرب الاستقلال والحرب الأهلية وصولاً إلى التدخلات الكبرى في القرن العشرين مثل فيتنام وكوريا. ورغم الانتصارات المدوية في الحربين العالميتين، إلا أن واشنطن تعثرت في صراعات استنزافية طويلة الأمد، مما يطرح تساؤلات حول جدوى القوة العسكرية المفرطة في تحقيق استقرار سياسي دائم.

على الجانب الآخر، تتبنى إيران استراتيجية 'الأمة الباطنية' التي تفضل العمل في الظل بعيداً عن الاستعراضات السينمائية التي تهواها هوليوود. فبعد حربها الطويلة مع العراق في الثمانينيات، تعلمت طهران درساً قاسياً دفعها لتجنب المواجهة المباشرة والاعتماد بشكل كلي على شبكة معقدة من الوكلاء الإقليميين لتنفيذ أجندتها.

استطاعت إيران عبر أذرعها العسكرية والسياسية بسط نفوذها على أربع عواصم عربية هي دمشق وبغداد وصنعاء وبيروت دون الحاجة لتحريك جيشها النظامي. هذا التمدد الهادئ مكنها من تحقيق مكاسب استراتيجية كبرى، مستغلة الفراغات التي خلفتها التدخلات الأمريكية المتعاقبة في المنطقة، وخاصة بعد غزو العراق عام 2003.

رغم الضربات القاسية التي تلقتها إيران وحلفاؤها، وآخرها الهجمات التقنية التي استهدفت أجهزة الاتصال في لبنان، إلا أن الخطاب الرسمي الإيراني يصر على تحويل الانكسارات إلى ملاحم صمود. تعتمد طهران في ذلك على مخزون ثقافي وديني يربط بين المظلومية والانتظار التاريخي للمخلص، مما يمنحها قدرة فريدة على امتصاص الصدمات.

هناك قاسم مشترك يجمع بين واشنطن وطهران رغم التناقض الظاهري، وهو الرغبة الجامحة في التمدد الاستعماري والاعتماد على رؤى غيبية لتبرير السياسات التوسعية. فبينما تنتظر النخب اليمينية في أمريكا عودة المسيح، تترقب القيادة الإيرانية ظهور المهدي المنتظر، وكلاهما يسخر الموارد المادية والبشرية لخدمة هذه التصورات.

الولايات المتحدة تمتلك فائضاً من القوة الإعلامية التي تمكنها من تصوير الانسحابات المذلة، كما حدث في أفغانستان، على أنها انتصارات لوجستية أو ملاحم إنسانية. فرغم خسارة تريليونات الدولارات وآلاف الجنود، لا تزال واشنطن قادرة على الابتسام للكاميرات وإقناع العالم بأنها لا تزال القوة المهيمنة التي لا تقهر.

التصريحات الأخيرة حول الرغبة في العودة إلى قاعدة باغرام الجوية تعكس ندم واشنطن على التخلي عن مواقع استراتيجية كانت ستخدمها في صراعها المستقبلي مع الصين. هذا التخبط في القرارات الاستراتيجية يظهر الفجوة بين طموحات القادة السياسيين والواقع الجيوسياسي المعقد الذي تفرضه القوى الصاعدة في آسيا.

في المقابل، تبرع إيران في لعبة 'الشطرنج السياسي' حيث الصبر الطويل والقدرة على التحمل هي المفاتيح الأساسية للنجاح. فبينما يتصرف الأرنب الأمريكي بسرعة وتسرع، تتحرك السلحفاة الإيرانية ببطء وثبات، مراهنة على عامل الزمن الذي قد ينهك القوى العظمى ويجبرها على التراجع.

المحللون السياسيون ينقسمون في توقعاتهم لمستقبل هذا الصراع؛ فمنهم من يرى أن أمريكا قد تلجأ للخيار النووي إذا شعرت بالحصارة، ومنهم من يعتقد أن الدولة العميقة هي المحرك الفعلي للأحداث. لكن الحقيقة تظل غائبة في دهاليز 'السرداب الأمريكي' حيث تدار المصالح الكبرى بعيداً عن صناديق الاقتراع.

ثمة رؤية تشير إلى أن الغرض النهائي من التصعيد الحالي هو تفكيك الجغرافيا الإيرانية لفتح ممرات تجارية نحو وسط آسيا ومحاصرة النفوذ الصيني المتنامي. وفي خضم هذه الحسابات الكبرى، تظل الشعوب العربية والإقليمية هي الضحية الأولى التي تدفع ثمن صراع الإمبراطوريات القديمة والمتجددة.

الديمقراطية الأمريكية، التي توصف بأنها الأعظم عالمياً، تواجه انتقادات حادة بسبب تعقيداتها وشبهات التدخل في شؤونها، فضلاً عن دورها في تنصيب قادة في دول نفطية لضمان تدفق الثروات. هذا التناقض بين الشعارات والممارسة يضعف الموقف الأخلاقي لواشنطن في مواجهة خصومها الذين يستخدمون ذات الأساليب.

في نهاية المطاف، يبدو أن الصراع بين 'الفرس والروم' بنسخته الحديثة سيستمر طالما بقيت المصالح الاستعمارية هي المحرك الأساسي للسياسة الدولية. وبين سرعة الأرنب الأمريكي وصبر السلحفاة الإيرانية، تظل المنطقة العربية ساحة لتصفية الحسابات وانتظار المجهول الذي قد يغير وجه التاريخ.

دلالات

شارك برأيك

صراع السلحفاة والأرنب: قراءة في استراتيجيات البقاء بين طهران وواشنطن

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.