أقلام وأراء

الإثنين 09 مارس 2026 2:48 مساءً - بتوقيت القدس

ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيران

تشهد المنطقة تداعيات عسكرية ملموسة جراء العدوان الصهيوأمريكي المستمر على إيران، حيث تتركز التغطيات الإعلامية على الآثار المادية للحرب. وتشمل هذه الآثار الضربات المتبادلة التي طالت القواعد الأمريكية في الخليج، والعمق الصهيوني، وصولاً إلى التوترات في مضيق هرمز ولبنان، وهي نتائج تُصنف ضمن المترتبات التقليدية للحروب في عصر ثورة الاتصالات.

إلى جانب المشهد العسكري، تبرز تداعيات أخرى يراها المراقبون جديرة بالرصد والتحليل، وهي 'انفجارات' المعارك الاصطفافية التي تظهر بوضوح عندما تكون إيران طرفاً في الصراع. ويتجلى الخطر في خروج قطاع واسع من الجمهور والنخبة عن سياق التحليل المادي للأهداف الاستعمارية أو التحررية، نحو الانغماس في صراعات تاريخية قديمة.

تتحول التحليلات السياسية في كثير من الأحيان إلى حفريات ماضوية تبحث في جذور الخلافات الإسلامية المبكرة التي نشأت لأسباب سياسية بحتة. ويؤدي هذا التنقيب في المعتقدات والنوايا إلى تنشيط آلة الاتهام والتخوين، بل والوصول في حالات متطرفة إلى التكفير واللعن، مما يحرف النقاش عن مساره الموضوعي.

من الطبيعي أن تفجر الأحداث الكبرى حيوية فكرية ومعارك نقاشية بين المتخصصين والجمهور بدافع الغيرة على قضايا الأمة والشأن العام. ولا تكمن المشكلة في أصل الحوار، بل في مدى التزام المشاركين فيه بالمناهج العلمية والقيم الأخلاقية التي تهدف للبحث عن الحقيقة لا الانتصار للذات أو خدمة مشاريع خارجية.

يلاحظ في السجالات الراهنة عودة مكثفة إلى مرحلة الفتنة الكبرى بين معاوية والحسين، واستخدام تلك الأحداث كغطاء ديني لمعارك سياسية معاصرة. ويتم تكريس تسميات 'سنة' و'شيعة' كضداد مذهبية، رغم أن الإسلام في أصله واحد ونصوصه التأسيسية تحتمل التأويل والاجتهاد ضمن مقاصد الشريعة.

ينقسم الشارع الافتراضي بين فريق يُعلي من شأن أطراف المقاومة الحالية باعتبارهم امتداداً لتاريخ معين، وفريق آخر يهاجمهم مستحضراً تاريخ الفرس والصفويين. هذا الاستدعاء التاريخي لا يهدف للفهم، بل يُستخدم كأداة في الصراع السياسي الراهن لتعميق الفجوة بين مكونات الأمة الواحدة.

تلقي الحالة السورية بظلالها الثقيلة على هذه النقاشات، حيث يُستحضر تدخل إيران وحزب الله في مواجهة المعارضة السورية كدليل في السجال المذهبي. وتختلط في هذا السياق مطالب الحرية والديمقراطية المشروعة مع التعقيدات الجيوسياسية التي تهدف لقطع جسور إمداد المقاومة في مواجهة الكيان الغاصب.

لقد تحول التناول الإعلامي والشعبي للحرب من تدارس تاريخي بارد إلى عملية استدعاء عاطفي لحوادث الماضي وتحريكها لتشعل نار الفتنة اليوم. وينطلق المتحمسون من خلف شاشاتهم لممارسة عنف لفظي وتخويني، مستغلين الفضاء الافتراضي كجبهة نزال بديلة تفتقر لآداب الحوار والمسؤولية الوطنية.

إن خطورة هذا النهج تكمن في استبدال العدو الوجودي الحقيقي بمنافسين من داخل الهوية الحضارية الواحدة، مما يشتت الجهود ويضعف الجبهة الداخلية. فالمواجهة الحقيقية يجب أن تظل موجهة نحو من يستهدفون الدين والأوطان والثروات والهوية الكلية للأمة دون تمييز بين طوائفها.

في هذه المرحلة الحساسة، يبرز دور المفكرين والإعلاميين وعلماء الشريعة كضرورة ملحة لتعديل المزاج العام وتهدئة الأنفس المشحونة. ويقع على عاتقهم توجيه البوصلة نحو وجهتها الصحيحة، بعيداً عن الانزلاق في صراعات مذهبية لا تخدم سوى القوى التي تسعى لتفتيت المنطقة.

إن المعارك الفكرية حين تفتقر للمنهج الأخلاقي تتحول إلى أدوات هدم بدلاً من أن تكون حيوية فكرية نافعة للمجتمعات. ويجب الحذر من الانجرار خلف الروايات التي تمليها القوى المتحكمة في مصائر الشعوب، والتي تسعى دائماً لتأجيج الصراعات البينية لإدامة سيطرتها.

يبقى الوعي بمرتكزات الإيمان المشتركة وقواعد الدين الجامعة هو الحصن المنيع ضد محاولات التمزيق المذهبي التي تتبع كل مواجهة عسكرية. فالاجتهاد في فهم الواقع يجب أن ينطلق من مقاصد الشريعة التي تعلي من شأن وحدة الأمة في مواجهة التهديدات الخارجية الكبرى.

إن استهداف الوجود بكل مقوماته، من دين وأرض وثروات، يتطلب تجاوز الخلافات الباطنية والتركيز على الكينونة الجسدية والحضارية للأمة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بوقف آلة التحريض المذهبي التي تتغذى على جراح الماضي لتسميم حاضر الأجيال القادمة ومستقبلها.

ختاماً، فإن الحرب العسكرية رغم قسوتها وتكاليفها المادية، تظل أقل خطراً من الحرب الفكرية التي تمزق النسيج الاجتماعي والروحي. إن استعادة التوازن في الخطاب الإعلامي والديني هو الخطوة الأولى نحو تحصين الأمة وضمان عدم ضياع بوصلتها في زحام المعارك الجانبية.

دلالات

شارك برأيك

ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.