تتكشف يوماً بعد آخر ملامح المخطط الإسرائيلي الرامي إلى إعادة رسم خارطة التحالفات في المنطقة، حيث أعلن بنيامين نتنياهو صراحة عن مساعيه لتشكيل محور إقليمي جديد. يضم هذا المحور كلاً من إسرائيل والهند واليونان وقبرص، ويهدف بشكل أساسي إلى مواجهة ما يصفه بالمحاور المتطرفة، سواء كانت شيعية أو سنية.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه لا يستهدف إيران وحلفاءها فحسب، بل يمتد ليشمل تحجيم القوى الإقليمية السنية وفي مقدمتها تركيا وسوريا. ويتم ذلك عبر تعزيز التحالفات العسكرية والسياسية مع اليونان وقبرص لفرض طوق جيوسياسي يخدم المصالح الصهيونية في حوض المتوسط.
إن المقارنة بين الذرائع الحالية للحرب على إيران وبين مبررات غزو العراق عام 2003 تبدو متطابقة إلى حد كبير. فالمزاعم حول السلاح النووي، ودعم الإرهاب، والرغبة في نشر الديمقراطية، هي ذاتها الأسطوانة التي استُخدمت لتدمير العراق ويُعاد تدويرها اليوم ضد طهران.
تاريخياً، استفادت الولايات المتحدة من استنزاف القوى الإقليمية لبعضها البعض، كما حدث في حرب الخليج الأولى التي دامت ثماني سنوات. تلك الحرب التي خلفت دماراً اقتصادياً هائلاً ومليون قتيل، كانت تدار بذكاء لضمان إنهاك الطرفين العراقي والإيراني معاً.
ولم تتوقف السياسة الأمريكية عند حدود الاستنزاف، بل امتدت لاستدراج القوى العربية إلى صراعات بينية، كما حدث في غزو الكويت عام 1990. حينها أعطت واشنطن ضوءاً أخضر مبطناً لصدام حسين، لتسارع بعدها بتشكيل تحالف دولي دمر مقدرات العراق العسكرية والاقتصادية.
وفي المشهد السوري، يظهر الاستهداف الإسرائيلي بوضوح من خلال تكثيف الغارات والتوغلات البرية التي تجاوزت ألف غارة ومئات العمليات الميدانية. ولم تكتفِ إسرائيل بضم الجولان والمنطقة العازلة، بل وصلت استهدافاتها إلى قلب دمشق ومراكز القرار السيادي في يوليو 2025.
إن الانهيار المتسارع في الجبهات العربية يخدم بشكل مباشر المشروع الصهيوني التوسعي الذي لا يعترف بحدود. فالتوغلات الإسرائيلية في حوض اليرموك وريف درعا والسويداء تأتي بذريعة حماية الأقليات، بينما الهدف الحقيقي هو تفتيت الدولة السورية ومنع أي قدرة على المقاومة.
إن سقوط إيران يعني الاستفحال الصهيوني واستكمال مشروعه بلا عوائق في المنطقة برمتها.
أما في لبنان، فإن محاولات نزع سلاح المقاومة وحظر حزب الله تأتي في سياق الاستجابة للمطالب الأمريكية والإسرائيلية. ويتناسى البعض أن الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا واجتياح بيروت عام 1982 سبقا وجود الحزب بسنوات طويلة، مما يؤكد أن العدوان هو الأصل.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إسرائيل لا تزال تحتل نقاطاً عسكرية استراتيجية في جنوب لبنان، مثل كفر كلا والعديسة ومارون الراس. وتواصل طائرات الاحتلال خرق الهدنة الموقعة عام 2024 عبر قصف يومي يستهدف الضاحية الجنوبية ومناطق البقاع والجنوب.
ويرتبط هذا التصعيد العسكري بعقيدة سياسية ودينية متجذرة في الإدارة الأمريكية الحالية، تُعرف بالصهيونية المسيحية. هذه العقيدة يتبناها مسؤولون بارزون مثل ماركو روبيو وبيت هيغسيث، وتعتبر الصراع في المنطقة جزءاً من حرب صليبية معاصرة ضد العالم الإسلامي.
ويعكس كتاب 'الحروب الصليبية الأمريكية' لوزير الدفاع بيت هيغسيث هذا التوجه المتطرف، حيث يدعو لاستعادة روح الصليبيين الأوائل. كما أن الرموز والوشوم التي يحملها هؤلاء المسؤولون، مثل عبارة 'الرب يريده'، تؤكد أن المحرك للسياسة الخارجية ليس المصالح فحسب بل الأيديولوجيا الدينية.
إن التماهي مع المطالب الصهيونية من قبل بعض الأطراف الإقليمية يتجاوز حدود الانبطاح السياسي إلى المشاركة في تصفية القضية الفلسطينية. فالمطالبة بتجريد المقاومة من سلاحها في لبنان وفلسطين هي الضمانة الوحيدة التي تطلبها إسرائيل لاستكمال مشروع 'إسرائيل الكبرى'.
ويظل السؤال المطروح أمام الشعوب العربية والإسلامية هو متى يتم الاستفاقة من هذه التجاذبات الطائفية التي تغذيها القوى الخارجية؟ فالصراع الحقيقي ليس بين سنة وشيعة، بل هو صراع وجودي بين مشروع استعماري يسعى للهيمنة وشعوب تتطلع للحرية والسيادة.
في الختام إن ما يجري في غزة ولبنان وسوريا وإيران هو حلقات متصلة في جنزير واحد يهدف إلى إخضاع المنطقة بالكامل. ولا يمكن مواجهة هذا 'الفعل الفاضح' إلا بوعي سياسي يدرك أبعاد العقيدة الصهيونية المسيحية التي تدير دفة الحروب في واشنطن وتل أبيب.





شارك برأيك
المشروع الصهيوني الجديد: قراءة في أبعاد المواجهة بين المحاور الإقليمية وعقيدة 'الحروب الصليبية' المعاصرة