اقتصاد

السّبت 28 فبراير 2026 5:49 مساءً - بتوقيت القدس

غموض يلف مصير السيولة الجديدة في سوريا: لماذا تغيب العملة المحدثة عن الأسواق؟

تتصاعد التساؤلات في الأوساط الاقتصادية السورية حول مصير الكميات الضخمة من العملة الوطنية الجديدة التي أعلن مصرف سوريا المركزي عن طرحها. ورغم مرور نحو شهرين على بدء التداول الرسمي، إلا أن الأسواق لا تزال تعاني من شح ملحوظ في الفئات النقدية المحدثة، مما أثار حيرة التجار والمواطنين على حد سواء.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، إلى أن عملية الاستبدال شملت حتى الآن نحو 35 في المئة من إجمالي الكتلة النقدية القديمة. وتقدر هذه النسبة بنحو 13 تريليون ليرة سورية من أصل كتلة إجمالية كانت تبلغ 42 تريليون ليرة قبل بدء إجراءات التغيير النقدي الأخيرة.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي فراس شعبو أن هناك حالة من الخلل البنيوي في توزيع العملة الجديدة داخل الأسواق المحلية. وأوضح في تصريحات صحفية أن عدم شعور السوق بالإشباع رغم استبدال ثلث الكتلة النقدية يضع علامات استفهام كبرى حول الوجهة التي ذهبت إليها تلك الأموال المطبوعة حديثاً.

ويرجح شعبو أن تكون الكميات المستبدلة قد تركزت في يد فئة محدودة من كبار المودعين وأصحاب المليارات، وهو ما يفسر عدم تدفقها الطبيعي في الدورة الاقتصادية اليومية. هذا الاحتكار للسيولة الجديدة أدى إلى استمرار معاناة القطاعات التجارية الصغيرة والمتوسطة في الحصول على فئات نقدية صالحة للتعامل.

وفي ظل هذا التعثر، طالب خبراء بضرورة تسريع وتيرة ضخ العملة وتوسيع نقاط الاستبدال لتشمل كافة الشرائح المجتمعية. وحذر مختصون من أن البطء الحالي قد يؤدي إلى اضطرابات إضافية في سعر صرف الليرة، مما ينعكس سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين التي تعاني أصلاً من تضخم حاد.

وعلى صعيد متصل، يشكك الباحث الاقتصادي يونس الكريم في دقة الأرقام المعلنة من قبل المصرف المركزي، واصفاً إياها بأنها قد تكون محاولة لتضليل الرأي العام. ويرى الكريم أن هناك فجوة عميقة بين عدد القطع النقدية المطبوعة وبين القيمة الفعلية للسيولة التي يسمح بتداولها في القنوات الرسمية وغير الرسمية.

ويعتقد الكريم أن سياسة المصرف المركزي تتجاوز مجرد استبدال الأوراق التالفة، لتصل إلى محاولة تقييد السيولة بشكل متعمد للسيطرة على التضخم. هذه الاستراتيجية الضبابية، بحسب وصفه، تزيد من تعقيد التعاملات المالية وتحد من قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات النقدية المتسارعة التي تشهدها البلاد.

وفي جولة داخل الأسواق السورية، يظهر بوضوح أن الليرة القديمة لا تزال هي السيد الموقف في عمليات البيع والشراء اليومية. ورغم تهالك الأوراق النقدية القديمة وفقدانها للكثير من ميزاتها الفنية، إلا أن غياب البديل الكافي أجبر السكان على الاستمرار في استخدامها رغم الصعوبات التقنية والقانونية.

ويعزو تجار في مدينة حلب هذا التمسك بالعملة القديمة إلى غياب جدول زمني نهائي وواضح لسحبها من التداول بشكل كامل. ويؤكد عاملون في القطاع التجاري أن الناس لن يتوجهوا للاستبدال الشامل إلا إذا أعلنت السلطات عن موعد نهائي تصبح فيه الأوراق القديمة غير قانونية أو عديمة القيمة.

وكانت الحكومة السورية قد طرحت العملة الجديدة في أواخر عام 2025، في خطوة تضمنت حذف صفرين من العملة لتبسيط الحسابات المالية. وأكدت الرئاسة السورية حينها أن التصميم الجديد يبتعد عن الرموز الشخصية ويركز على الهوية الوطنية والجغرافيا السورية، في محاولة لتعزيز الثقة بالعملة الوطنية.

إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن الرمزية الجديدة لم تترجم بعد إلى استقرار نقدي ملموس في حياة المواطن السوري. فالفجوة بين القرارات المركزية وحاجة السوق اليومية لا تزال تتسع، مما يضع المصرف المركزي أمام تحدي إثبات قدرته على إدارة الكتلة النقدية بكفاءة وشفافية.

ويتوقع مراقبون أن يضطر المصرف المركزي إلى تمديد المهلة الممنوحة لاستبدال العملة، والتي كانت محددة بـ 90 يوماً، نظراً لضعف الإقبال والتعقيدات الإدارية. فبدون ضخ سيولة كافية في المصارف التجارية والصرافات الآلية، سيبقى التحول نحو العملة الجديدة مجرد حبر على ورق في السجلات الرسمية.

وتشير مصادر اقتصادية إلى أن استقرار الأسعار هو المعيار الوحيد الذي سيحدد نجاح أو فشل هذه التجربة النقدية الطموحة. فإذا استمر شح العملة، فإن السوق السوداء قد تجد طريقاً لفرض عمولات على استبدال العملة، مما سيزيد من الأعباء المالية على السكان المنهكين اقتصادياً.

ختاماً، تبقى السياسة النقدية السورية في مرحلة اختبار حقيقي أمام مطالب الشارع بضرورة توفير السيولة وتسهيل المعاملات. ومع استمرار صمت المصرف المركزي عن تقديم توضيحات مفصلة حول آليات التوزيع، تظل المخاوف قائمة من تحول أزمة العملة إلى أزمة ثقة شاملة في النظام المصرفي السوري.

دلالات

شارك برأيك

غموض يلف مصير السيولة الجديدة في سوريا: لماذا تغيب العملة المحدثة عن الأسواق؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.