أقلام وأراء

الخميس 26 فبراير 2026 10:41 صباحًا - بتوقيت القدس

دور المجتمع المقدسي في حماية مؤسساته عبر المساءلة


ابدأ من السؤال الذي يُراد له أن يبقى مؤجّلًا في القدس: من يحمي مؤسسات المجتمع المدني حتى لا تسقط فجأة، ولكيلا تُستنزف ببطء من الداخل؟ فالمفارقة القاسية أن هذه المؤسسات وُلدت للدفاع عن الناس، لكن كثيرًا منها يُدار اليوم بمنطق يطالب الناس بالدفاع عنها دون أن يمنحهم حق مساءلتها، في هذا الفراغ، تتحول قضية دور المجتمع المقدسي من قضية جامعة إلى شعار فارغ، ويُختزل العمل الأهلي في خطاب نبيل يخفي تآكلًا بنيويًا صامتًا، المجتمع المدني هنا ليس جمهورًا محايدًا ولا صورة أخلاقية، بل هو مصدر الشرعية وشرط الاستمرار وخط الدفاع الأول، وحين تختفي هذه العلاقة، تتحول المؤسسة من أداة صمود إلى عبء صامت، يُدار باسم القدس دون أن يُسأل باسمها.
- العلاقة بين المجتمع المدني ومؤسساته بوصفها شراكة رقابية
تُعرّف العلاقة بين المجتمع المدني ومؤسساته باعتبارها شراكة تقوم على الحق في السؤال قبل واجب الحماية. فالمؤسسة ليست كيانًا مقدسًا، ولا ملكًا لإدارتها، ولا امتدادًا حصريًا لسير ذاتية أو تاريخ نضالي، هي تعبير تنظيمي عن مجتمع حيّ يمنحها الشرعية مقابل التزامها بالشفافية والتمثيل والمساءلة، في سياق القدس، وربما في معظم المدن الفلسطينية، حيث تُدار مؤسسات تعليمية وثقافية في ظروف استثنائية، يصبح تحويل المؤسسة إلى رمز لا يُمس خطرًا مضاعفًا، إذ يعزلها عن ناسها ويجعل أي خلل داخلي قابلًا للتضخم حتى الانفجار، سواء في مدرسة أهلية تُدار دون مساءلة أولياء الأمور، أو مركز ثقافي تُغلق فيه دوائر القرار أمام جمهوره.
- المساءلة باعتبارها شرط بقاء في مدينة مُستهدفة
تُوصَف المساءلة بوصفها أداة حماية للمؤسسة لا عبئًا عليها، ففي القدس، حيث تتقاطع الضغوط السياسية والمالية والقانونية، تصبح المساءلة المنتظمة صمام أمان يمنع الشخصنة واحتكار القرار، المساءلة هنا ليست حملات تشهير، بل أسئلة مهنية واضحة: كيف يُتخذ القرار؟ من يقرّر الأولويات؟ كيف تُدار الموارد؟ ولماذا تُغلق بعض الأبواب أمام المجتمع؟ حين تُؤجَّل الانتخابات الداخلية في المؤسسة بذريعة ضرورات المرحلة، أو تُدار البرامج التعليمية والثقافية بمنطق العلاقات لا الحاجة المجتمعية، فإن كل قرار غير مبرَّر يتحول إلى ثغرة، وكل ثغرة تصبح قابلة للاستثمار داخليًا أو خارجيًا.
- استنزاف المؤسسات
لا يبدأ استنزاف المؤسسات بفساد فاضح أو خرق قانوني صريح، بل بممارسات ناعمة تُقدَّم بوصفها واقعية. مثل تهميش الهيئات العامة، واختزال القرار في دائرة ضيقة، وتمرير خيارات استراتيجية بذريعة التمويل أو الظرف الأمني، في سياق القدس الخاص، حيث تعاني المدارس الأهلية من ضغوط المنهاج والتمويل، وتعاني المؤسسات الثقافية من التضييق وشح الموارد، يصبح هذا النمط أكثر خطورة، فهو يخلق مؤسسات مُنهَكة من الداخل قبل أن تُستهدف من الخارج، ومهيأة للابتزاز أو التفكيك عند أول اختبار.
- الشفافية من خطاب إنجازات إلى مكاشفة مسؤولة
يُختزل مفهوم الشفافية في كثير من الأحيان في صور وتقارير موجهة للمانحين، بينما تعني الشفافية الحقيقية المكاشفة عن القيود، مثل شروط التمويل وحدود العمل والمخاطر القانونية وتضارب المصالح، حين تُغلق المؤسسة المقدسية أي نقاش عام حول أولوياتها بحجة الحساسية السياسية، أو ترفض مدرسة أهلية شرح معايير اختيار برامجها وأنشطتها، فإن الصمت لا يحميها، بل يفتح باب الشائعات ويحوّل النقد إلى خصومة. المؤسسة التي تشرح خياراتها قبل أن تُتهم، وتعلن سياساتها بدل إخفائها، تبني ثقة تحميها حين تُحاصر.
- الحذر من تخوين النقد باسم القدس
يحذّر هذا المقال من أخطر الانزلاقات في العمل الأهلي المقدسي، وهو إسكات النقد باسم القدس أو بذريعة الخوف على المؤسسة، فكل خطاب يربط بين المساءلة والإضرار بالمؤسسة يعيد إنتاج منطق السيطرة ذاته الذي نواجهه خارجيًا، النقد المنضبط ليس خيانة، بل فعل حماية، والخوف على السمعة لا يبرر إغلاق الملفات، بل يستدعي فتحها، المؤسسة التي تخشى السؤال اليوم، ستعجز عن الدفاع عن نفسها غدًا، خصوصًا حين تُستهدف إداريًا أو قانونيًا.
- الضغط والمناصرة كأدوات تصويب لا هدم
وُجد الضغط المجتمعي ليكون فعلًا منظمًا يهدف إلى التصويب لا الهدم، فالضغط الذكي في سياق حساسية القدس لا يحرق المؤسسة، بل يرفع كلفة الخطأ على من يتسبب به، والرسائل المهنية من الأهالي، والنقاشات المفتوحة مع الجمهور، والمتابعة الإعلامية المسؤولة، جميعها أدوات تضبط المسار دون تحويل الخلاف إلى انقسام، أما المناصرة، فهي نقل قضية المؤسسة من العزلة إلى الفضاء العام عبر رواية دقيقة تحمي الناس ولا تستخدمهم وقودًا.

- التحالفات المجتمعية كشبكة أمان مقدسية
تُوصَف التحالفات المجتمعية بأنها شبكة أمان حقيقية لا صورة تنظيمية فقط، ففي سياق القدس، لا تستطيع أي مؤسسة الصمود وحدها، التنسيق بين الجمعيات التعليمية، والمبادرات الثقافية، والأطر الشبابية، يقلل التنافس غير الصحي، ويمنع تكرار الخدمات، ويخلق جبهة مدنية قادرة على مواجهة الاستفراد وحماية الفضاء العام من التفكيك.
- حين تتحول المؤسسة إلى دائرة مغلقة
حين تتحول المؤسسة إلى دائرة مغلقة، ويغيب الدور الرقابي المجتمعي، لا يكون الأمر حادثًا مفاجئًا، بل مسار تآكل تدريجي، تآكل في الشرعية، وتفكك في القاعدة الشعبية، وتحول التمويل إلى أداة تطويع، واستفراد الاحتلال بالفضاء المدني، مؤسسة بلا مساءلة تصبح دائرة مغلقة، وبلا تحالفات تتحول إلى هدف سهل، وبلا جمهور واعٍ تفقد معناها قبل أن تفقد وجودها.
- استعادة التوازن عبر مساءلة تحمي ولا تهدم
إن استعادة التوازن ليست مسؤولية طرف واحد، وعلى المجتمع المدني المقدسي أن يمارس حقه في السؤال بلا تردد، وأن يحمي النقد من التخوين، وأن يجعل الإعلام أداة مساءلة لا تصفية حسابات، وعلى مؤسسات المجتمع المدني أن تعيد ترتيب بيتها الداخلي عبر حوكمة فعلية، وشفافية مفهومة، وإدارة واعية للتمويل، وقنوات تواصل تحترم الناس ولا تستخدمهم، عند هذا الحد فقط، تتحول المساءلة من عبء إلى درع، ويستعيد المجتمع المقدسي قدرته على حماية مؤسساته، لا بصمت لا مبالٍ ومهزوم، بل بشراكة واعية ومسؤولة.

دلالات

شارك برأيك

دور المجتمع المقدسي في حماية مؤسساته عبر المساءلة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.