تشهد منطقة الشرق الأوسط حالياً سباقاً محموماً بين لغة الطائرات والتحركات الدبلوماسية المتعثرة، حيث عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري بأضخم حشد جوي وبحري منذ غزو العراق عام 2003. تهدف هذه الخطوة لممارسة أقصى درجات الضغط على طهران بشأن ملفاتها النووية والعسكرية، وسط مؤشرات على استعداد واشنطن لسيناريو مواجهة مستدامة في حال فشل المسار السياسي.
انعكس هذا التصعيد الميداني مباشرة على أسواق الطاقة، حيث شهدت أسعار الخام تقلبات حادة تزامنت مع تعثر الجولة الثانية من المحادثات غير المباشرة بين الطرفين في 17 فبراير الجاري. ورغم استقرار خام برنت عند حدود 67 دولاراً، إلا أن الأسواق لا تزال مسكونة بهواجس الانقطاع المفاجئ للإمدادات، متجاوزة التوقعات المتفائلة لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.
يتمسك الرئيس دونالد ترمب بخيارات عسكرية قاسية ما لم تقبل طهران بشروطه الثلاثية المتمثلة في التخلي التام عن تخصيب اليورانيوم، وتقييد الترسانة الصاروخية، ووقف دعم الأذرع الإقليمية. وتضع واشنطن قائمة أهداف محتملة تتراوح بين ضربات محدودة تستهدف المؤسسات العسكرية، أو تدمير البنية التحتية النووية، وصولاً إلى استهداف القيادة السياسية بشكل مباشر.
في المقابل، تشير تقديرات مراكز الدراسات الاستراتيجية إلى أن إيران لن تتردد في استخدام ورقة النفط كتهديد وجودي مضاد في حال تعرضها للهجوم. وبما أن ست دول منتجة للنفط في الخليج تعتمد كلياً على مضيق هرمز، فإن أي تعطيل لهذا الممر الملاحي الحيوي سيؤدي إلى شلل فوري في شريان الاقتصاد العالمي وتصاعد جنوني في الأسعار.
أحد السيناريوهات المطروحة يتضمن فرض حصار أمريكي على جزيرة خارك، وهي المنشأة الرئيسية لتحميل النفط الإيراني، مما قد يحرم السوق من 1.6 مليون برميل يومياً. هذا الإجراء قد يدفع الصين للبحث عن بدائل عاجلة، ما يرفع السعر العالمي بمعدل يتراوح بين 10 إلى 12 دولاراً للبرميل الواحد بشكل فوري.
السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في محاولة إيران عرقلة حركة النقل في مضيق هرمز باستخدام الزوارق السريعة أو الطائرات المسيرة والألغام البحرية. هذا الفعل قد يؤدي لإيقاف ما يصل إلى 18 مليون برميل يومياً من النفط الخام غير الإيراني، مما قد يدفع الأسعار لتجاوز حاجز 90 دولاراً للبرميل ويرفع كلفة الوقود داخل الولايات المتحدة.
قد تلجأ القوات الأميركية أيضاً إلى تدمير معدات التحميل وخطوط الأنابيب تحت سطح البحر في جزيرة خارك، مما يتسبب في انقطاع طويل الأمد للإمدادات. وفي حال حدوث ضرر دائم في البنية التحتية الإيرانية، يتوقع المحللون أن تحلق الأسعار فوق حاجز 100 دولار للبرميل نتيجة النقص الحاد في المعروض العالمي.
إيران رقم صعب لا يمكن التنبؤ بردود فعله، وأي عبث بمضيق هرمز يعني شللاً في شريان الاقتصاد العالمي.
أما السيناريو الرابع والأكثر قسوة، فهو اندلاع حرب شاملة تطال حقول الإنتاج ومراكز المعالجة في دول الخليج العربي كافة. في هذه الحالة، ستكون صادرات المنطقة البالغة 18 مليون برميل يومياً في خطر داهم، مما قد يؤدي إلى ارتفاع تاريخي يتجاوز 130 دولاراً للبرميل، وهو الرقم الذي سُجل عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.
تبدو قدرة دول المنطقة على إيجاد بدائل لمضيق هرمز محدودة تقنياً في الوقت الراهن، حيث لا تستوعب طرق التصدير البديلة سوى جزء ضئيل من الإنتاج. فخط أنابيب أرامكو السعودية الذي يربط الشرق بالغرب يمتلك طاقة احتياطية تبلغ 2.4 مليون برميل يومياً فقط، وهو ما يمثل أقل من نصف صادرات المملكة المعتادة عبر الخليج.
بالنسبة لدولة الإمارات، يمكنها تحويل نحو نصف صادراتها عبر خط أنابيب إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، لكن الثلث المتبقي سيبقى عالقاً في حال إغلاق المضيق. أما دول مثل العراق والكويت والبحرين وقطر، فهي تفتقر تماماً لأي منافذ بديلة، مما يجعل اقتصادياتها رهينة لاستقرار الملاحة في مضيق هرمز.
تواجه إدارة ترمب معضلة حقيقية في الموازنة بين 'دبلوماسية القوة' وتجنب التسبب في أزمة طاقة عالمية قد تؤلب الرأي العام الداخلي ضده. فبينما نجحت خياراته العسكرية سابقة المخاطر في مناطق أخرى، تظل إيران رقماً صعباً لا يمكن التنبؤ بردود فعله العسكرية أو الاقتصادية في حال حشرها في الزاوية.
رغم هذا الحشد العسكري الضخم، لا يزال باب الدبلوماسية موارباً مع ترقب الجولة الثالثة والحاسمة من المحادثات المقررة في 26 فبراير الحالي. ويرى مراقبون أن هناك فرصة للتوصل لاتفاق يقضي بتجميد تخصيب اليورانيوم مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، وهو ما قد ينزع فتيل الانفجار الوشيك في المنطقة.
يدرك المخططون العسكريون في واشنطن أن كلفة القتال الواسع ستكون باهظة جداً على دافع الضرائب الأميركي وعلى جاهزية القوات في مناطق أخرى من العالم. فقد أظهرت تجربة مواجهة يونيو 2025 أن استنزاف المخزون الاستراتيجي من الصواريخ الاعتراضية مثل 'ثاد' يتم بسرعة تفوق قدرة المصانع على التعويض، مما يضعف الموقف الدفاعي الشامل.
في نهاية المطاف، يبقى قطاع النفط هو المحرك الأساسي والضحية الأولى لأي صدام عسكري مباشر بين واشنطن وطهران. وبينما تستعد الجيوش لأسوأ الاحتمالات، تترقب الأسواق العالمية ما ستسفر عنه الأيام القادمة، آملة في أن تنجح الدبلوماسية في تجنب كارثة اقتصادية قد تعيد صياغة النظام المالي العالمي.





شارك برأيك
سيناريوهات المواجهة في الخليج: هل يدفع قطاع النفط ثمن التصعيد الأميركي الإيراني؟