استحضر الكاتب ذاكرة الصحافة الذهبية من خلال تجربة الصحافي الفرنسي الراحل هرفي بورج، الذي كان يرى في الجرائد إدماناً لا يمكن الفكاك منه، تماماً كالموسيقى أو الرياضة. وقد كانت القراءة في تلك العقود طقساً يومياً مقدساً يتجاوز الروايات ليشمل الفلسفة والسياسة والاقتصاد، حيث ارتبطت قراءة الصحيفة بعادات الصباح في المقاهي ووسائل النقل العام، وهو مشهد بات نادراً اليوم خاصة في المنطقة العربية التي شهدت تراجعاً حاداً في أعداد مدمني الصحافة الورقية.
يرتبط سحر الصحافة قديماً بذلك العقد الأخلاقي والثقافي بين القارئ وكبار الكتاب وأصحاب الأعمدة الرصينة الذين صاغوا الوعي العام. ففي الصحافة الأمريكية والبريطانية، برزت أسماء مثل وليام بفاف وبيتر جنكنز وهيوغو يانغ، الذين منحوا مؤسساتهم الصحفية ثقلاً فكرياً جعل من مقالاتهم أحداثاً ينتظرها الجمهور بشغف، نظراً لعمق صلتهم بالتكوين الفكري الأوروبي وقدرتهم على تقديم رؤى نيرة تتجاوز مجرد نقل الخبر.
وفي سياق التحولات الكبرى، أعلن المعلق الشهير ديفيد بروكس ترجله عن صهوة الكتابة في 'نيويورك تايمز' بعد مسيرة بدأت عام 2003، معبراً بأسلوب ساخر عن خيبة أمله في المسار الذي اتخذته السياسة الأمريكية. بروكس الذي سعى لترسيخ فكر محافظ معتدل، وجد نفسه أمام واقع مغاير تماماً لما طمح إليه، حيث يرى أن العالم تغير بشكل دراماتيكي نحو الأسوأ منذ انضمامه للصحيفة، مما دفعه للتفرغ لمشاريع التأليف والبحث.
ما ترامب إلا العدمية متشخصة في رجل، بزعمه أن الأخلاق لا تلزم إلا المغفلين وأن الحياة لا تعني سوى السلطة والقوة والتجبر.
يشير التحليل إلى حالة من فقدان الثقة الجماعي أصابت المجتمع الأمريكي، حيث لم تعد الخيبة مقتصرة على الجانب الديني بل امتدت لتشمل المؤسسات السياسية والاقتصادية. فقد ساهمت حرب العراق في تحطيم الثقة بالقوة العسكرية، بينما أجهزت الأزمة المالية على الإيمان بالرأسمالية المطلقة، وصولاً إلى الإنترنت الذي تحول من أداة للتواصل إلى منصة لتفاقم الكراهية والعزلة الاجتماعية، مما جعل الخطاب العام أكثر سلبية منذ قرن ونصف.
تتجسد ذروة هذه التحولات في صعود الظاهرة الترامبية التي يصفها بروكس بأنها 'عدمية متجسدة'، حيث تقوم على مبدأ أن القوة والتجبر هما المحركان الوحيدان للحياة بعيداً عن أي ضوابط أخلاقية. ومع وصول نسبة الأمريكيين الذين لا يؤمنون بـ 'الحلم الأمريكي' إلى 69%، يبدو أن الولايات المتحدة تسير في طريق وعر قد ينتهي بها لتكون بمثابة 'الذئبة المسعورة' في الساحة الدولية، مدفوعة برغبة في الإيذاء وفرض السلطة المطلقة.





شارك برأيك
أمريكا في عهد ترامب: تحولات العدمية وصعود 'الذئبة المسعورة' بين الأمم