يحل شهر رمضان المبارك كفرصة سنوية لتعزيز قيم التكافل الاجتماعي، حيث يحرص المسلمون على إخراج زكاة أموالهم وصدقاتهم في هذا الشهر الفضيل. وتؤكد تقارير دولية حديثة أن فريضة الزكاة تمثل الأداة الاقتصادية الأكثر فاعلية لمعالجة أزمة الفقر المتفاقمة، شريطة تحويلها من جهد فردي إلى عمل مؤسسي منظم.
تشير البيانات الصادرة عن منظمة التعاون الإسلامي لعام 2022 إلى وجود نحو 322 مليون فقير في 57 دولة إسلامية، يعيشون بدخل لا يتجاوز 1.25 دولار يومياً. وفي المقابل، تظهر الحسابات الاقتصادية أن القيمة التقديرية لزكاة أموال المسلمين سنوياً تصل إلى نحو 3.37 تريليون دولار، وهو رقم ضخم يفوق احتياجات المعوزين بمراحل.
إن المقارنة بين أعداد الفقراء عالمياً وحجم الزكاة المفترضة تكشف عن قدرة هذه الفريضة على إنهاء العوز تماماً، حيث يبلغ عدد من يتقاضون أقل من 1.5 دولار يومياً نحو 702 مليون شخص. وهذا يعني أن أموال الزكاة لا تكفي فقط لسد حاجة فقراء المسلمين، بل تمتد لتشمل القضاء على الفقر في مختلف قارات العالم.
بالنظر إلى تفاصيل الثروات، تصل استثمارات الدول الإسلامية في الخارج إلى تريليون ونصف المليار دولار، وهو ما يولد زكاة سنوية تقدر بـ 37.5 مليار دولار. هذه المبالغ وحدها قادرة على إحداث نهضة تنموية في المجتمعات الأكثر احتياجاً إذا ما وجهت عبر قنوات رسمية ومدروسة.
وفي منطقة الخليج العربي، تشير التقديرات إلى أن زكاة أموال المسلمين هناك تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً، مما يعكس حجم الكتلة النقدية المتاحة للتنمية. كما أن ثروات أثرياء العرب، وفقاً لقائمة فوربس لعام 2022، تساهم بنحو 1.3 مليار دولار من الزكاة السنوية المفروضة على أصولهم.
وتمتد هذه الثروات لتشمل صناديق الثروة السيادية للدول العربية والإسلامية، والتي تبلغ أصولها أكثر من 2.6 تريليون دولار وفق إحصاءات رسمية. وتقدر قيمة الزكاة المستحقة على هذه الأصول بنحو 65 مليار دولار سنوياً، وهي مبالغ كفيلة بتغيير الخارطة الاقتصادية للعديد من الدول النامية.
الزكاة هي الحل الأنجع لمشكلة الفقر في العالم، ولو تم مأسستها بطريقة سليمة لما بقي هناك فقير على وجه الأرض.
على صعيد الدول المنفردة، تبرز باكستان كنموذج لحجم التدفقات المالية، حيث يدفع المسلمون هناك أكثر من 1.7 مليار جنيه إسترليني سنوياً كزكاة. هذه الأرقام تؤكد أن المشكلة ليست في ندرة الموارد المالية، بل في غياب الآليات المؤسسية التي تضمن وصول هذه الأموال لمستحقيها بشكل مستدام.
وتدعم دراسات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هذا التوجه، مشيرة إلى أن إجمالي الزكاة المحتملة من البورصات والترتيبات المالية العالمية قد تتجاوز 2.7 تريليون دولار. وحتى في أدنى التقديرات المبنية على الأصول المالية والإنتاج الزراعي، فإن المبلغ القابل للتحصيل لا يقل عن 300 مليار دولار سنوياً.
إن المحصلة النهائية لهذه الأرقام تشير إلى أن ثروات العالم الإسلامي، بمختلف صورها النقدية والعينية، قادرة على حل معضلة الفقر عالمياً. ويتطلب ذلك إنشاء صندوق عالمي للزكاة يعمل وفق معايير الحوكمة الحديثة لضمان الشفافية والعدالة في التوزيع والتحصيل.
ولا يقتصر دور صناديق الزكاة المقترحة على تقديم المساعدات المباشرة، بل يمتد ليشمل تمويل مشاريع إنتاجية كبرى تخلق فرص عمل مستدامة. إن تحويل الفقراء من مستهلكين للمساعدات إلى منتجين في الدورة الاقتصادية هو الهدف الأسمى لمأسسة العمل الخيري والزكوي.
ورغم نشاط العديد من الجمعيات الخيرية والجهات الرسمية في الوقت الراهن، إلا أن الحاجة تظل ملحة لتنظيم أوسع يتجاوز المبادرات الموسمية. إن مأسسة الزكاة ستكون أكثر جدوى ونفعاً للاقتصادات الوطنية، حيث تساهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي الشامل.





شارك برأيك
دراسات اقتصادية: مأسسة الزكاة قادرة على إنهاء الفقر عالمياً