تتصاعد حدة الخطاب الدبلوماسي والعسكري بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تتبنى واشنطن استراتيجية مركبة تدمج بين الضغط الميداني وتقديم الفرص الاقتصادية. ومع انطلاق المهلة التي حددها الرئيس دونالد ترمب، كشفت مصادر مطلعة عن وصول التخطيط العسكري الأمريكي لمراحل متقدمة، مما يحول القوة العسكرية إلى أداة ضغط أساسية في مسار التفاهمات المحتملة.
ويرى مراقبون أن الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة لا تهدف بالضرورة إلى شن هجوم وشيك، بل تعمل كرافعة سياسية لفرض صفقة بشروط موسعة. وتقوم هذه المعادلة على دفع طهران نحو التنازل في ملفات حساسة مقابل تجنب الكلفة القصوى التي قد تترتب على أي صدام مباشر مع القوات الأمريكية.
في المقابل، تحاول طهران الحفاظ على توازن دقيق في خطابها الرسمي، حيث تظهر صلابة في حماية برنامجها النووي ورفض المساس بعمليات التخصيب. ومع ذلك، تبدي إيران انفتاحاً محسوباً من خلال طرح إمكانية التعاون مع الشركات الأمريكية في قطاعي النفط والغاز، في محاولة لإدخال عنصر المصالح المشتركة كضمانة لأي اتفاق.
هذا التحول في أدوات التفاوض الإيرانية يشير إلى رغبة في تحويل الملف الاقتصادي من مجرد تفصيل عابر إلى ركيزة أساسية للاستقرار. وتسعى طهران من خلال هذا الطرح إلى إغراء الإدارة الأمريكية بفرص استثمارية ضخمة قد تساهم في تغيير قواعد الاشتباك التقليدية بين البلدين.
وعلى الصعيد الداخلي، يركز الخطاب الإيراني على تعزيز الجبهة الداخلية لمواجهة ما تصفه بالحرب النفسية، بينما تخاطب في الخارج المؤسسات الدولية. وتؤكد طهران في رسائلها للأمم المتحدة على حقها في الدفاع المشروع، محذرة في الوقت ذاته من رد واسع النطاق على أي عدوان قد تتعرض له.
وأوضح ميد رضا دهقاني، المساعد السابق لوزير الخارجية الإيراني أن بلاده تواجه ما وصفه بالغطرسة الأمريكية في ظل تراجع فعالية القانون الدولي. وأشار دهقاني في تصريحات لمصادر إعلامية إلى أن طهران مستعدة تماماً للمفاوضات، لكنها في الوقت ذاته تملك الجاهزية الكاملة للتصدي لأي تحرك عسكري.
وأضاف المسؤول الإيراني السابق أن بلاده تمتلك تجربة مريرة مع المفاوضات السابقة التي تزامنت مع ضغوط عسكرية، وهو ما يدفعها اليوم للحذر. وأكد أن الرغبة في التوصل إلى تسوية سلمية لا تعني الضعف، بل هي محاولة لتجنيب المنطقة ويلات صراع مدمر قد لا تحمد عقباه.
إيران جاهزة للجلوس والبحث في كثير من الأمور مع الأميركيين، والعمل من أجل التوصل إلى تسوية بدلًا من خيار الحرب.
من جهة أخرى، يبرز الموقف الأمريكي المشكك في النوايا الإيرانية، حيث يرى محللون سياسيون في واشنطن أن طهران لم تلتزم بقواعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويسود اعتقاد لدى دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة بأن البرنامج النووي الإيراني يفتقر للرقابة الكافية التي تضمن سلميته المطلقة.
ويشير المحلل السياسي جيدين هورين إلى أن واشنطن لا يمكنها الاكتفاء بالضمانات الشفهية التي تقدمها طهران في ظل الانتهاكات السابقة للقواعد الدولية. وهذا التشكيك يفسر التحرك الأمريكي الحازم لمنع تطور البرنامج النووي الإيراني، وضمان عدم وصوله إلى مراحل التسلح النووي تحت أي ظرف.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يرى خبراء أن قطاع الطاقة الإيراني يمثل 'جزرة' استثمارية قد تجذب اهتمام إدارة ترمب المعروفة بتركيزها على الصفقات الكبرى. وتحتاج البنية التحتية للنفط والغاز في إيران إلى استثمارات تقدر بنحو 200 مليار دولار لتحديثها ورفع كفاءة الإنتاج والتصدير لمستويات تنافسية.
ولا يتوقف الطموح الاستثماري عند قطاع الطاقة، بل يمتد ليشمل قطاع التعدين والرغبة الإيرانية في تحديث أسطولها الجوي عبر شراء طائرات مدنية أمريكية. وتقدر القيمة الإجمالية للفرص الاستثمارية المتاحة في السوق الإيرانية بنحو 400 مليار دولار، وهو رقم ضخم قد يغير حسابات الربح والخسارة في واشنطن.
ويعتقد الخبير الاقتصادي نهاد إسماعيل أن الرئيس ترمب قد ينظر بعناية لهذه الفرص، شرط الحصول على إشارات واضحة بتقديم تنازلات في الملف النووي. فالاستثمار في دولة غنية بالموارد مثل إيران يمثل مكسباً اقتصادياً كبيراً، لكنه يظل رهيناً بالتقدم في المسار السياسي والأمني المتعثر.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن إيران نقلت عبر الوساطة العُمانية رسائل تبدي فيها استعداداً لتجميد جزئي لبرنامج التخصيب لمدة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات. هذا العرض يهدف إلى كسر الجمود الحالي وفتح ثغرة في جدار العقوبات الاقتصادية المشددة التي تنهك الاقتصاد الإيراني منذ سنوات.
في نهاية المطاف، تبدو المواجهة الحالية محكومة بسياسة 'العصا والجزرة' من الطرفين، حيث تلوح واشنطن بالقوة العسكرية بينما تعرض طهران صفقات اقتصادية. ويبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كانت المصالح المالية والنفطية ستنجح في إخماد فتيل الحرب، أم أن الحشود العسكرية ستسبق طاولة المفاوضات.





شارك برأيك
بين لغة السلاح وفرص الاستثمار.. هل تنجح معادلة 'النفط مقابل التهدئة' بين واشنطن وطهران؟