سيطرت حالة من الترقب والحذر على التعاملات في الأسواق العالمية، حيث تأثرت توجهات المستثمرين بمزيج من التوترات الجيوسياسية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران وانتظار بيانات اقتصادية أمريكية حاسمة. وانعكست هذه العوامل بشكل مباشر على تحركات الذهب والنفط والأسهم الأوروبية، وسط تساؤلات حول مسار السياسة النقدية واحتمالات اتساع رقعة المواجهة في منطقة الشرق الأوسط.
وشهدت أسعار الذهب تذبذباً ملحوظاً في التعاملات المبكرة ليوم الخميس، حيث تراجعت في البداية مع ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي، قبل أن تعاود الصعود بدعم من الطلب على الملاذات الآمنة. وسجل المعدن النفيس في المعاملات الفورية مستويات تقارب 5004 دولارات للأوقية، بعد أن كان قد فقد جزءاً من مكاسبه في وقت سابق من الجلسة نتيجة ضغوط العملة الأمريكية.
وفي سوق العملات، حقق الدولار أعلى مستوى له في أكثر من أسبوع، مما زاد من تكلفة الذهب لحائزي العملات الأخرى وأدى إلى تراجع العقود الآجلة الأمريكية. وتزامن هذا النشاط مع إغلاق عدد من الأسواق الآسيوية الكبرى بمناسبة عطلات رأس السنة القمرية، وهو ما أسهم في تقليص أحجام التداول وزيادة وتيرة التقلبات السعرية وفق ما أفادت به مصادر مطلعة.
وتتجه أنظار المستثمرين حالياً نحو التقارير الاقتصادية الأمريكية، وتحديداً بيانات طلبات إعانة البطالة ومؤشر الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الذي يعد المقياس المفضل للتضخم لدى مجلس الاحتياطي الاتحادي. وستلعب هذه البيانات دوراً محورياً في تحديد الموعد المرتقب لبدء خفض أسعار الفائدة، وسط توقعات تشير إلى إمكانية إجراء ثلاثة تخفيضات خلال العام الجاري.
وعلى صعيد الطاقة، سجلت أسعار النفط ارتفاعاً ملموساً مع تصاعد حدة التوتر بين واشنطن وطهران، رغم استمرار المحادثات الدبلوماسية في جنيف بشأن الملف النووي. وصعدت العقود الآجلة لخام برنت لتتجاوز حاجز 70 دولاراً للبرميل، مدفوعة بمخاوف من تأثر إمدادات النفط العالمية وتدفقات الشحن عبر مضيق هرمز الاستراتيجي.
وأبدى محللون اقتصاديون قلقهم من تداعيات أي إجراءات عسكرية أو عقوبات إضافية قد تستهدف قطاع الطاقة الإيراني، خاصة مع تقارير عن إغلاق مؤقت للملاحة في مضيق هرمز. ويمر عبر هذا الممر المائي نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، مما يجعل أي اضطراب فيه سبباً مباشراً لقفزات سعرية حادة في الأسواق الدولية.
وفي سياق التحركات العسكرية، أصدرت طهران إشعاراً للملاحة الجوية يتعلق بتجارب صاروخية في مناطق جنوبية، بينما قامت الولايات المتحدة بنشر سفن حربية في المنطقة. وصرحت الإدارة الأمريكية بأنها تدرس كافة الخيارات المتاحة، بما في ذلك المسار الدبلوماسي أو اللجوء إلى بدائل أخرى في حال فشل المفاوضات الجارية.
احتمال نشوب صراع في الشرق الأوسط يعزز الطلب على الملاذات الآمنة في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على المستثمرين.
وبالرغم من هذه التوترات، أشار خبراء في أمن الطاقة إلى أن اندلاع نزاع مسلح شامل لا يزال مستبعداً حتى اللحظة، حيث يفضل الأطراف نهج الترقب والضغط المتبادل. ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية لا ترغب في رؤية ارتفاعات جنونية بأسعار الوقود، مما قد يجعل أي رد فعل عسكري محدوداً ومحسوباً بدقة لتجنب أزمة طاقة عالمية.
أما في القارة الأوروبية، فقد سجلت الأسهم تراجعاً طفيفاً، حيث انخفض المؤشر ستوكس 600 بعد وصوله لمستويات قياسية في الجلسة السابقة. وتأثرت معنويات المستثمرين في أوروبا بالأنشطة العسكرية المكثفة في الشرق الأوسط، رغم وجود بعض الإشارات الإيجابية حول تقدم طفيف في محادثات جنيف الدبلوماسية.
وفي قطاع الشركات، تصدر سهم شركة إيرباص قائمة التراجعات بعد إعلانها عن خفض أهداف إنتاج الطائرات النفاثة، مما أثار مخاوف بشأن سلاسل التوريد. وفي المقابل، حقق سهم شركة نستله مكاسب جيدة بعد إعلان نتائج مالية فاقت التوقعات وخطط استراتيجية لبيع بعض وحداتها غير الأساسية لتعزيز الربحية.
كما شهد قطاع التعدين ضغوطاً بيعية أدت إلى انخفاض سهم شركة ريو تنتينو، إحدى كبريات شركات التعدين عالمياً، بسبب تراجع أسعار الحديد الخام. وأثرت هذه النتائج على المؤشر العام لقطاع التعدين، الذي سجل انخفاضاً واضحاً يعكس تباطؤ الطلب الصناعي في بعض الأسواق العالمية الكبرى.
وبالعودة إلى البيانات الأمريكية، أظهرت تقارير معهد البترول انخفاضاً غير متوقع في مخزونات الخام والبنزين، مما وفر دعماً إضافياً لأسعار النفط خلال تعاملات اليوم. وتنتظر الأسواق الآن التقرير الرسمي الصادر عن إدارة معلومات الطاقة لتأكيد هذه الأرقام التي تعكس حالة التوازن بين العرض والطلب في أكبر مستهلك للنفط بالعالم.
وفي أسواق المعادن الأخرى، شهدت الفضة والبلاتين والبلاديوم تحركات متباينة، حيث بدأت الجلسة على انخفاض قبل أن تسترد بعض عافيتها تماشياً مع حركة الذهب. وتعكس هذه التحركات حالة عدم اليقين العام، حيث يسعى المستثمرون لتنويع محافظهم بين الأصول الخطرة والملاذات الآمنة بانتظار وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية.
ختاماً، تبقى الأسواق العالمية رهينة للتطورات الميدانية في الشرق الأوسط والبيانات القادمة من واشنطن، حيث يشكل التضخم والتوتر الجيوسياسي المحركين الأساسيين للأسعار. ومن المتوقع أن تستمر موجة التقلبات الحالية حتى تظهر مؤشرات أكثر وضوحاً بشأن قرارات البنك المركزي الأمريكي القادمة ونتائج الجهود الدبلوماسية الدولية.





شارك برأيك
تقلبات حادة تضرب الأسواق العالمية وسط ترقب لبيانات التضخم وتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران