أقلام وأراء

الخميس 19 فبراير 2026 2:56 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة رؤية الهلال: صراع الفقه والسياسة في مواجهة الوحدة الإسلامية

تتجدد مع حلول المواسم الدينية في كل عام معارك كلامية وحالة من البلبلة تتعلق برؤية أهلة شهور رمضان وشوال وذو الحجة. ورغم المحاولات المضنية التي تبذلها جهات علمية وفقهية لتقليل فجوة الخلاف، إلا أن هذه الانقسامات لا تزال تطل برأسها داخل المجتمع الواحد، وتتفاقم حدتها بشكل ملحوظ في مجتمعات المسلمين المقيمين في الدول الأوروبية والغربية.

تتلقى المؤسسات الدينية عشرات الاستفسارات من مسلمين في الغرب يتساءلون بحيرة عن الجهة التي يجب اتباعها في الصيام عند اختلاف الرؤى بين الدول العربية. ويكمن جوهر المشكلة في تعلق الكثيرين بممارسات بلدانهم الأصلية، وهو ما يراه مختصون أمراً لا يستقيم شرعاً ولا واقعاً، إذ إن لكل زمان ومكان فقهه الخاص وأحكامه المرتبطة بظروفه الجغرافية.

إن غياب فقه المكان والزمان في بعض مساجد الغرب أدى إلى تبعية عمياء لرؤى دول لا يربطها بالبلدان الغربية مطلع جغرافي واحد. فمن غير المنطقي أن يلتزم المسلم بمواقيت الصلاة والإفطار حسب مدينته الأوروبية، ثم يربط بداية شهره ونهايته برؤية بلد يبعد عنه آلاف الأميال، مما يخلق تشرذماً في إحياء الشعائر الدينية.

لقد ارتبط الخلاف الفقهي حول الحساب الفلكي قديماً بشكوك حول علم الفلك وخلطه بالتنجيم، إلا أن العلم الحديث بلغ شأناً من الدقة لا يمكن تجاهله. وتتجه الكثير من المجامع الفقهية اليوم للاعتداد بالحساب الفلكي، على الأقل في حالة 'النفي'، فإذا استحال رؤية الهلال علمياً فلا ينبغي قبول أي ادعاء برؤيته بالعين المجردة.

إن الاستشهاد بحديث 'نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب' لمنع الأخذ بالعلم هو استدلال في غير محله، فالحديث يصف واقعاً تاريخياً للأمة حينها ولا يفرض الأمية كمنهج دائم. وقد تحول حال الأمة الإسلامية منذ قرون إلى الكتابة والحساب، مما يوجب استثمار هذه الأدوات العلمية في تنظيم العبادات وتوحيد كلمة المسلمين.

في سياق البحث عن حلول، تأسس المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء برئاسة الراحل الشيخ يوسف القرضاوي، بهدف تقديم اجتهادات تنبع من واقع المسلمين في الغرب. كما نشأ في أمريكا مجلس مشابه يسعى لتحقيق معادلة التمسك بالدين دون انغلاق، والانفتاح على المجتمع دون ذوبان، لضمان استقرار الجاليات المسلمة.

رغم وجود هذه المرجعيات المؤسسية، إلا أن الانفتاح الهائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي زاد من حيرة الناس وتأثرهم بالآراء المتضاربة. وكان من المفترض أن ينهي وجود المجلس الأوروبي مؤونة السؤال، حيث إن اتباع رأي مؤسسي موحد في المسائل الاجتهادية يحقق مصالح كبرى، أهمها وحدة المظهر الإسلامي أمام المجتمعات الغربية.

يتطلب الواقع الحالي زيادة الوعي بالقضايا الفقهية المعاصرة بين المسلمين في أوروبا، وهو دور يقع على عاتق المجالس المعنية والمراكز الإسلامية. يجب تكثيف الجهود عبر المنصات الرقمية لنشر الفتاوى التي تراعي واقع الاغتراب، وتدعو إلى الالتزام بالرأي الجماعي للمؤسسات المعتمدة في بلد الإقامة بدلاً من الاجتهادات الفردية.

إن التزام الفرد برؤية بلد معين في خاصة نفسه قد يكون مقبولاً، لكنه يصبح معضلة عندما يؤدي إلى انقسام المساجد والمراكز في المدينة الواحدة. فالتشرذم الذي نراه في إقامة صلوات العيد في أيام مختلفة داخل الحي الواحد يعكس غياب التنسيق، ويزيد من ضعف التأثير الإسلامي في تلك المجتمعات.

لقد قرر الفقهاء سابقاً أن من رأى الهلال وحده ولم تعتمده السلطة الرسمية، فإن رؤيته تلزمه في خاصة نفسه دون إعلان، تجنباً للفتنة. فكيف بمن لا يملك أدوات الرؤية أصلاً وينقل عن دول أخرى قد تتداخل في قراراتها أهواء سياسية أو حسابات غير علمية، مما يزيد من تعقيد المشهد الديني السنوي.

شهدت العقود الماضية محاولات جادة لتوحيد الرؤية، مثل مبادرة الدكتور نصر فريد واصل لإنشاء مرصد إسلامي موحد، والمؤتمرات الفقهية التي احتضنتها تركيا. ومع ذلك، غالباً ما تصطدم هذه الجهود بالعقبات السياسية التي تحول دون الوصول إلى اتفاق شامل ينهي حالة الانقسام التاريخية حول مطالع الشهور.

من المفارقات العجيبة أن الدول قد تتحد في تبادل المعلومات الأمنية رغم العداء، وتتوحد دول خاضت حروباً طاحنة في اتحادات اقتصادية وعملات موحدة. وفي المقابل، تعجز الأمة الإسلامية عن توحيد يوم صومها وفطرها، وهو ما يستدعي وقفة جادة لمراجعة آليات اتخاذ القرار الديني بعيداً عن التجاذبات السياسية.

إذا تعذر التوافق بين الحكومات والدول العربية، فليس أقل من أن يتوافق المسلمون في المجتمعات الغربية على صيغة تقرب الرؤى وتوحد الصفوف. إن بناء القرارات على أسس علمية وفقهية رصينة بعيداً عن الأمزجة الشخصية هو السبيل الوحيد لإنهاء حالة البلبلة التي ترهق الجاليات المسلمة كل عام.

ختاماً، يبقى الأمل معقوداً على الوصول إلى 'فقه الائتلاف' الذي يجمع القلوب ويوحد الشعائر، خاصة في بلاد الغربة حيث تمثل الوحدة قوة للمسلمين. إن الوعي والمسؤولية الجماعية هما المفتاح لتجاوز الخلافات الهامشية والتركيز على المقاصد العليا للعبادات التي تهدف إلى جمع الأمة لا تفرقتها.

دلالات

شارك برأيك

أزمة رؤية الهلال: صراع الفقه والسياسة في مواجهة الوحدة الإسلامية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.