عربي ودولي

الخميس 19 فبراير 2026 6:26 صباحًا - بتوقيت القدس

روبيو في ميونخ: دعوة صريحة لإحياء عصر الإمبراطوريات والاستعمار القديم

شهد مؤتمر ميونخ للأمن تحولاً دراماتيكياً في الخطاب السياسي الأمريكي، حيث قدم وزير الخارجية ماركو روبيو مرافعة تاريخية أمام نخبة من صناع القرار الدوليين. وقد قوبلت كلمات الوزير بتصفيق حار من الحضور الذين يمثلون وزراء الدفاع والخارجية وكبار رجال الأمن في المنظومة الأطلسية، مما يعكس قبولاً ضمنياً لتوجهات واشنطن الجديدة. هذا المؤتمر الذي تأسس في عام 1963، بات اليوم منصة لإعادة صياغة مفاهيم الأمن والدفاع الأوروبي وفق رؤية أمريكية مغايرة تماماً لما عهده العالم في العقود الأخيرة.

اتسم خطاب روبيو بالصراحة المطلقة والمباشرة الصادمة، حيث دعا صراحة إلى استحضار عصر الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى وإعادة إحيائه في القرن الحادي والعشرين. وأثنى الوزير الأمريكي على الحقبة الاستعمارية التي شهدت استيطان قارات وبناء إمبراطوريات شاسعة، معتبراً إياها نموذجاً للقوة والسيادة. ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يمثل قطيعة مع الخطاب الدبلوماسي التقليدي الذي كان يتجنب تمجيد الحقبات الاستعمارية السابقة.

وفي خطوة أثارت الكثير من التساؤلات، شن روبيو هجوماً حاداً على حركات التحرر الوطني التي ناضلت ضد الاستعمار في القرن الماضي، واصفاً إياها بأنها مجرد ثورات شيوعية وملحدة. واعتبر أن تلك الانتفاضات المناهضة للاستعمار كانت خروجاً عن المسار الحضاري الذي رسمته القوى الغربية. وتعكس هذه الأفكار جوهر الفكر اليميني المتطرف الذي بدأ يتغلغل في مفاصل الإدارة الأمريكية الحالية، متبنياً رؤى عنصرية تتسق مع توجهات اليمين الأوروبي المتشدد.

يسعى روبيو من خلال طروحاته إلى إعادة اللحمة بين ضفتي المحيط الأطلسي، ولكن على أسس جديدة تقوم على الفكر الاستعماري العنصري المشترك. ويرى الوزير أن قوة التحالف بين أمريكا وأوروبا تكمن في العودة إلى الجذور القومية التي تهدف إلى قيادة العالم وفرض الهيمنة الغربية. هذا التوجه يمثل انقلاباً صريحاً على مبادئ الليبرالية الغربية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، واستبدالها بعقيدة تفتخر بالماضي الاستعماري.

الوزير الأمريكي، الذي ينحدر من أصول كوبية، قدم ما يشبه الخطاب الانتقامي ضد دول الجنوب والعالم الثالث، محاولاً فرض وصاية جديدة تتجاوز القوانين الدولية المعاصرة. وتتضمن مقاربة روبيو دعوة للعودة إلى مفاهيم القرن التاسع عشر، حيث كانت القوة العسكرية هي المعيار الوحيد للسيادة والشرعية. ويشدد الخطاب على ضرورة إنقاذ الحضارة الغربية من المنافسين الصاعدين، حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة المفرطة لفرض الإرادة الأمريكية والأوروبية.

إن الدعوة إلى اتباع أجندة قومية متطرفة لقيادة العالم تضع المجتمع الدولي أمام تحديات وجودية، خاصة بالنسبة للشعوب التي عانت ويلات الاستعمار القديم. ويطرح هذا التحول تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقات الدولية في ظل إدارة أمريكية ترى في الاستعمار نموذجاً يحتذى به. ويبدو أن واشنطن تسعى لإعادة رسم خارطة النفوذ العالمي بناءً على تقسيمات حضارية وعرقية تعيد إنتاج صراعات الماضي بشكل أكثر حدة.

أمام هذه الرؤية الأمريكية الجديدة، تجد دول العالم نفسها في مواجهة زمن يدعو علانية لعودة الاستعمار، مما يفرض ضرورة مراجعة السياسات الدفاعية والأمنية للدول النامية. إن خطاب روبيو في ميونخ لم يكن مجرد كلمات عابرة، بل هو إعلان عن استراتيجية شاملة تهدف إلى استعادة الهيمنة الغربية المطلقة. ومع استمرار التصفيق لهذا الفكر في المحافل الدولية، تزداد المخاوف من انزلاق العالم نحو حقبة جديدة من الصراعات الإمبراطورية التي قد تطيح بما تبقى من استقرار دولي.

دلالات

شارك برأيك

روبيو في ميونخ: دعوة صريحة لإحياء عصر الإمبراطوريات والاستعمار القديم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.