بينما كان العالم يترقب تفاصيل الخبر الذي أعلنه الرئيس الأوكراني زيلينسكي حول 'الصفقة الروسية' الكبرى بقيمة 12 تريليون دولار، بدا المشهد العربي غارقاً في انقساماته المعتادة. هذه الصفقة التي تهدف لكسر الجليد مع واشنطن وفك الارتباط الاقتصادي مع بكين، لم تكن مجرد مناورة سياسية بقدر ما كانت كاشفة لعجز الوعي الجمعي لدينا.
إن انشغالنا الدائم بالسؤال العاطفي حول من يقف معنا ومن ضدنا، يمثل هروباً مستمراً من مواجهة السؤال العقلاني الصعب حول أسباب إدارة شؤوننا فوق رؤوسنا. الحقيقة المرة تشير إلى أننا لسنا متأخرين بسبب مؤامرات العالم فحسب، بل لأننا لم نتقن بعد لغة المصالح التي تحكم العلاقات الدولية المعاصرة.
يحلو للكثيرين في منطقتنا العيش في جلباب الضحية، وإلقاء اللوم كاملاً على القوى الاستعمارية أو الانتهازية الدولية، سواء كانت أمريكا أو روسيا أو الصين. ورغم أن هذا التوصيف يحمل جزءاً من الحقيقة، إلا أن النصف الآخر الأكثر قسوة يتمثل في كوننا شركاء في هذه الهزيمة التاريخية بصمتنا وسلبيتنا.
النظام العالمي الحالي لا يقيم وزناً للمفاهيم الأخلاقية المجردة، بل يعترف فقط بموازين القوى والمصالح المتبادلة. واشنطن لا تدعم الأنظمة حباً فيها، وبكين لا تستثمر كرماً، وموسكو لا تتدخل لنصرة المظلومين، بل يتحرك الجميع وفق معادلات الربح والتوسع والنفوذ السياسي.
نحن عالقون اليوم في دائرة مفرغة من الخضوع، حيث ينتج الخوف حكاماً يستمدون شرعيتهم من حماية القوى الخارجية بدلاً من شعوبهم. هذه الهندسة المعقدة للصمت جعلت من الحاكم مجرد أداة مطيعة في يد القوى الكبرى، بينما يظل الشعب مغيباً عن دائرة الفعل وصناعة القرار.
العرب في حقيقتهم ليسوا ضعفاء، فهم يمتلكون مقومات القوة من نفط وجغرافيا استراتيجية وكتلة بشرية هائلة ورؤوس أموال ضخمة. لكن هذه المقومات تظل معطلة بسبب غياب الإرادة السياسية، مما يجعلنا نبدو كعملاق قوي الجسد لكنه مكسور الروح ومسلوب الإرادة أمام التحديات.
يعود صمت الشعوب العربية إلى استنزافها في البحث عن رغيف الخبز اليومي، وترهيبها بقبضة أمنية حديدية، وتفكيك نسيجها بصراعات وهمية وجانبية. نحن نقاتل بعضنا البعض في معارك عبثية، بينما نترك الساحة مفتوحة لمن ينهب ثرواتنا ويتحكم في مستقبل أجيالنا القادمة.
النظام العالمي لا يعترف بالخير والشر، بل بالوزن والقوة؛ والاحترام لا يُمنح إلا للاعب، أما الساحة فلا بواكي لها.
تنظر القوى الكبرى مثل روسيا والصين والولايات المتحدة إلى المنطقة العربية باعتبارها مجرد 'ساحة' لا 'لاعباً' في المسرح الدولي. بالنسبة لهم، نحن مجرد قواعد عسكرية ومحطات وقود وأسواق استهلاكية لتصريف منتجاتهم، ولا أحد في هذا العالم يحترم الساحات التي لا تملك قرارها.
فشل الغضب الشعبي في مراحل سابقة لأن الصراخ كان بلا وعي حقيقي، حيث تم التركيز على تغيير الوجوه مع الإبقاء على المنظومة العميقة كما هي. الثورة الحقيقية يجب أن تبدأ من العقل أولاً، عبر رفض الأكاذيب والتحرر من الخوف وإدراك أن السياسة هي فن انتزاع المصالح.
لن يخشى العالم منا إلا عندما نتحول إلى شعوب واعية ومنظمة وموحدة تدرك قيمتها الحقيقية وتصبر على تحقيق أهدافها. التاريخ يؤكد دائماً أن القوى الكبرى تخشى الشعوب الواعية أكثر من خشيتها من الجيوش النظامية، لأن الوعي هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن كسره.
نحن نعيش حالياً في 'منطقة رمادية' باردة، فلا نحن مستعمرون بشكل مباشر ولا نحن أحرار نملك زمام أمرنا بالكامل. هذه المنطقة تمثل فرصة ضائعة نهدرها كل يوم ونحن في كامل وعينا، بدلاً من السعي الجاد نحو النضج السياسي الذي يجبر العالم على احترامنا.
الخيار أمامنا واضح ولا يقبل القسمة على اثنين: إما أن نتحول إلى شعوب ناضجة تفرض إرادتها، أو نظل قبائل متناحرة تُدار حياتها بـ 'الريموت كنترول'. المشكلة الحقيقية ليست في واشنطن أو موسكو، بل في المواطن الذي يدرك الحقيقة ويختار الصمت بدلاً من المواجهة.
عندما يتحدث المواطن العربي بوعي ومسؤولية، ستتوقف صفقات التريليونات عن تهميش دورنا في صياغة مستقبل المنطقة والعالم. التغيير يبدأ من الداخل، وأول خطوة في طريق الحرية هي التوقف عن انتظار المنقذ الخارجي، والبدء في عملية إنقاذ ذاتية شاملة.
في نهاية المطاف، نحن المنقذ الوحيد لأنفسنا، ولا يمكن لأي قوة خارجية أن تمنحنا الحرية أو الكرامة ما لم ننتزعها بوعينا وعملنا. إن استعادة دورنا كلاعبين في النظام العالمي تتطلب ثورة فكرية تعيد ترتيب الأولويات وتضع مصلحة الشعوب فوق كل اعتبار سياسي ضيق.





شارك برأيك
شركاء في الهزيمة: لماذا يتقن العرب دور المتفرج في صفقات القوى الكبرى؟