تشهد منصات التواصل الاجتماعي والشارع العربي حالة من الجدل الصاخب والمتكرر كلما غيب الموت شخصية عامة أثرت في حياة الناس، سواء كان الراحل رئيساً أو قاضياً أو إعلامياً. هذا السجال يضعنا أمام تيارين؛ أحدهما يصر على ضرورة تقييم إرث هؤلاء باعتبارهم شخصيات عامة، بينما يتمسك الآخر بمنظور ديني يرى أن الموت يستوجب الرحمة للجميع بغض النظر عن أفعالهم.
إن لعنات المظلومين تطارد هؤلاء المسؤولين في حياتهم وبعد مماتهم، خاصة عندما يظل الضحايا يعانون من آثار قراراتهم الجائرة. وفي كثير من الأحيان، يتحمل ذوو هؤلاء الطغاة كلفة باهظة من السخط الشعبي والكراهية التي تلاحقهم، وهو ثمن لم يدركه المسؤولون حينما كانوا في أوج جبروتهم وسلطانهم.
يطرح الواقع تساؤلات أخلاقية صعبة حول كيفية إقناع من سُجن ظلماً بالتجاوز عن القاضي الذي أصدر الحكم بحقه دون إنصاف. فمن الصعب مطالبة ذوي القتلى بالتغاضي عن دماء سفكت عدواناً، أو إقناع شعب كامل بنسيان سنوات من القهر والكبت بمجرد رحيل الحاكم الذي تسبب في معاناتهم.
لا يمكن مطالبة الأمهات الثكالى والأرامل بالترحم على من كان سبباً مباشراً في شقائهن وضياع مستقبلهن لسنوات طويلة. إن المشاعر الإنسانية تجاه من تسبب في الضنك والضيق لا يمكن تبديلها بقرارات فوقية، بل تظل محفورة في الذاكرة الجماعية للمظلومين الذين ينتظرون لحظة الخلاص.
من المنظور الديني، يمكن الاستناد إلى القاعدة النبوية 'أنتم شهداء الله في الأرض' كمرجعية لتقييم أثر الإنسان في مجتمعه. أما من الناحية الاجتماعية، فإن توعية الناس بحقوقهم ومسؤولياتهم تعد ضرورة إنسانية مشتركة تهدف إلى ترسيخ قيم العدالة والنهي عن المنكر في الفضاء العام.
سياسياً، يفترض أن يتم تقويم أولي الأمر من خلال قراءة تاريخ من سبقوهم ومدى الرضا الجماهيري عن أدائهم. لكن المشكلة تكمن في أن هذا الحوار المجتمعي غالباً ما يكون غائباً أو مقموعاً في حياة المسؤول، مما يجعل الوفاة هي الفرصة الوحيدة المتاحة للناس للتعبير عن آرائهم الحقيقية.
في مجتمعات العالم الثالث، تفتقر الشعوب لآليات المحاسبة والتقييم العلني للمسؤولين أثناء ممارستهم لمهامهم. هذا الحرمان من حرية التعبير يولد حالة من الانفجار النفسي والسياسي تظهر بوضوح عند رحيل أي شخصية كانت جزءاً من منظومة القمع أو الفساد.
إن حوارات التقييم في مجتمعات العالم الثالث ليست متاحة في حياة المسؤولين، فيصبح من الطبيعي 'الفضفضة' والابتهاج بعد رحيلهم نتيجة سنوات الكبت والذل.
تتحول عملية 'الفضفضة' بعد وفاة المسؤول إلى آفاق أوسع تشمل الشماتة والابتهاج، وهي ردة فعل طبيعية لسنوات من الكبت. إن ما نراه اليوم على 'السوشيال ميديا' هو بمثابة محكمة شعبية تحاول استرداد حق معنوي ضاع في دهاليز المؤسسات الرسمية المسلوبة.
شهدت الساحة المصرية مؤخراً نماذج متعددة لهذا الانقسام، حيث تباينت ردود الفعل بين الدعاء بالمغفرة لبعض الراحلين وصب اللعنات على آخرين. هذا التباين يعكس وعي الشارع وقدرته على التمييز بين القاضي العادل والظالم، وبين الإعلامي المنافق والسياسي المخلص لشعبه.
لا تقتصر هذه الظاهرة على الشأن المحلي، بل تمتد للمحيط العربي حيث يراقب الناس بقلق وسخط صحة بعض الحكام. ويرتبط هذا السخط بحجم الكوارث السياسية والدماء التي تسفك في عدة أوطان نتيجة سياسات غير مسؤولة دعمت الفوضى والمليشيات.
هناك اتهامات واضحة لبعض القوى الإقليمية باستخدام المال والسلاح لتنفيذ مخططات خارجية تهدف لإثارة القلاقل في المنطقة. وفي الوقت الذي تعاني فيه شعوب من الحروب والفقر، تنشغل عواصم الجهات الداعمة بمظاهر البذخ والفساد، مما يعمق فجوة الكراهية الشعبية تجاههم.
إن السيطرة على المشاعر الإنسانية ومنع المواطن من الفرح أو الحزن بقرار سيادي هو أمر مستحيل وغير منطقي. فالفرح برحيل من عاث في الأرض فساداً وتسبب في سقوط آلاف القتلى والجرحى هو تعبير عفوي عن الرغبة في العدالة الكونية التي غابت على الأرض.
سوف يستمر الناس في الابتهاج والاحتفال برحيل الطغاة والمجرمين كل بطريقته الخاصة، طالما لم يجدوا عدالة تنصفهم في حياتهم. لا توجد شريعة أو قانون يحرم الإنسان من الشعور بالراحة عند زوال مصدر ظلمه، فالخونة والعملاء لا حق لهم في مودة الشعوب التي استنزفوها.
يجب أن يدرك الحكام الحاليون أن التاريخ لا يرحم، وأن العظة والعبرة يجب أن تُستخلص من مصائر من سبقوهم. إن الابتهاج بموت الظالم هو رسالة للأجيال القادمة بأن الظلم مهما طال أمده، فإن نهايته ستكون محملة بسخط الناس ولعنات التاريخ.





شارك برأيك
جدل 'الشماتة' برحيل المسؤولين: انعكاس لغياب العدالة وكبت الحريات في العالم العربي