عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 9:56 مساءً - بتوقيت القدس

بوادر انفراجة دبلوماسية: الجزائر وباريس تستأنفان التعاون الأمني والاستخباراتي

شهدت العاصمة الجزائرية تحركاً دبلوماسياً وأمنياً مكثفاً يومي الاثنين والثلاثاء، حيث أفضت المباحثات بين المسؤولين الجزائريين ونظرائهم الفرنسيين إلى اتفاق رسمي يقضي بإعادة تفعيل التعاون الأمني والاستخباراتي. وتأتي هذه الخطوة كأول إشارة ملموسة على انفراج الأزمة الثنائية الحادة التي عصفت بالعلاقات بين البلدين منذ صيف عام 2024.

وأكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز، في ختام زيارته، أنه توصل إلى تفاهمات مع نظيره الجزائري سعيد سعيود تهدف إلى استئناف علاقات أمنية طبيعية وتعزيزها. وأوضح نونييز أن هذا التعاون سيمتد ليشمل قطاعات القضاء والشرطة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، معرباً عن ارتياحه الكبير لهذه النتائج.

واستقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الوزير الفرنسي في لقاء رفيع المستوى، حضره كبار المسؤولين الأمنيين والدبلوماسيين في الدولة. وكان من بين الحاضرين اللواء عبد القادر آيت وعرابي، المدير العام للأمن الداخلي، وعمار عبة مستشار الشؤون الدبلوماسية، مما يعكس الثقل الأمني والسياسي لهذه الزيارة.

من الجانب الفرنسي، برزت مشاركة سيلين بيرتون، المديرة العامة للأمن الداخلي الفرنسي، التي انخرطت في جلسات عمل تقنية مع المسؤولين الجزائريين. ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن حضور القيادات الاستخباراتية من الطرفين يعكس رغبة جادة في تجاوز الخلافات العميقة التي جمدت التنسيق الميداني لعدة أشهر.

وذكر نونييز أن الرئيس تبون أصدر توجيهات واضحة للأجهزة الجزائرية بضرورة العمل المشترك مع الجانب الفرنسي لتحقيق تحسن ملموس في الملفات العالقة. وتتصدر هذه الملفات قضايا التعاون الشرطي والقضائي، بالإضافة إلى ملف 'إعادة القبول' المتعلق بالجزائريين الصادر بحقهم قرارات ترحيل من الأراضي الفرنسية.

وأشار الوزير الفرنسي إلى أن تنفيذ هذه الاتفاقات سيبدأ في أقرب الآجال الممكنة، مشدداً على أهمية عودة التنسيق في مجالات الهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة. واعتبرت أوساط سياسية أن هذه الزيارة، التي تأخرت لعدة أشهر، تمثل تتويجاً لجهود الحوار المستمر خلف الكواليس لإعادة بناء الثقة المفقودة.

وكانت أجندة المباحثات قد شملت قضايا أمنية حساسة تتجاوز الحدود الثنائية، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل وتهريب المخدرات. وأفادت مصادر بأن الطرفين يدركان أن استمرار القطيعة الأمنية يضر بمصالح البلدين في ظل التحديات الإقليمية المتزايدة التي تواجه حوض البحر الأبيض المتوسط.

وتعود جذور الأزمة الدبلوماسية إلى صيف عام 2024، حين اتخذت باريس موقفاً مؤيداً لخطة الحكم الذاتي المغربية في قضية الصحراء الغربية. هذا الموقف أثار غضب الجزائر التي تدعم جبهة البوليساريو، مما أدى إلى سحب السفير الجزائري وتجميد العديد من مسارات التعاون الثنائي.

وتفاقم التوتر خلال العام الماضي بسلسلة من الحوادث، كان أبرزها قضية الناشط المعارض أمير بوخرص وتوقيف الكاتب بوعلام صنصال. ووصل التصعيد ذروته في أبريل 2025 عندما اتهمت الجزائر موظفاً قنصلياً بالضلوع في أعمال غير قانونية، مما أدى لطرد 12 موظفاً من السفارة الفرنسية.

ورغم هذا التاريخ الحافل بالصدام، بدأت ملامح التهدئة تظهر في يناير الماضي عقب زيارة قامت بها الوزيرة الفرنسية السابقة سيغولين رويال. رويال، التي حظيت باستقبال خاص، وصفت إعادة بناء العلاقات بأنها 'واجب'، ونجحت في الحصول على تسهيلات تتعلق بوضعية السجين الفرنسي كريستوف غليز.

ويقضي الصحفي الفرنسي كريستوف غليز حكماً بالسجن لمدة سبع سنوات بعد إدانته بتهم تتعلق بتمجيد الإرهاب في منطقة القبائل. ولم يفصح الوزير نونييز عما إذا كان ملف غليز قد طُرح بشكل مباشر خلال مباحثاته الأخيرة، إلا أن نقل السجين إلى العاصمة اعتُبر بادرة حسن نية من الجانب الجزائري.

ويرى مراقبون أن عودة التعاون الأمني لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات السياسية الجوهرية، خاصة فيما يتعلق بملفات الذاكرة والقضايا الإقليمية. ومع ذلك، فإن استئناف التنسيق الاستخباراتي يمثل 'صمام أمان' يمنع انزلاق العلاقات نحو قطيعة كاملة قد تضر بالأمن القومي لكلا الطرفين.

وتواجه السلطات في البلدين ضغوطاً داخلية وخارجية لضبط ملف الهجرة غير النظامية، وهو ملف لا يمكن معالجته دون تنسيق وثيق بين وزارتي الداخلية. ويبدو أن الطرفين قررا 'تحييد' الملف الأمني عن التجاذبات السياسية لضمان استقرار المصالح الحيوية المشتركة في هذه المرحلة الحساسة.

وفي ختام الزيارة، سادت أجواء من التفاؤل الحذر في الأوساط الدبلوماسية، حيث يُنتظر أن تتبع هذه الخطوة زيارات متبادلة لمسؤولين في قطاعات اقتصادية وثقافية. وتبقى الأيام المقبلة كفيلة باختبار مدى صمود هذا الاتفاق الأمني أمام أي هزات سياسية قد تطرأ على محور الجزائر-باريس.

دلالات

شارك برأيك

بوادر انفراجة دبلوماسية: الجزائر وباريس تستأنفان التعاون الأمني والاستخباراتي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.