أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 6:41 مساءً - بتوقيت القدس

إبستين ليس مجرد اسم.. قراءة في منظومة الحصانة وتزاوج الثروة والسلطة

تندلع بين الحين والآخر فضائح تهز الرأي العام العالمي لأسابيع ثم تتلاشى في زحام الأحداث المتلاحقة، لكن قضية جيفري إبستين تظل استثناءً لا يمكن تجاوزه. هذه القضية لم تكن مجرد كشف لخطأ فردي، بل فتحت نافذة مظلمة على عالم خفي من الامتيازات المطلقة التي تتجاوز حدود المنطق. إنها تفضح خللاً عميقاً في بنية النظام الذي يسمح للمال بأن يشتري الحصانة من المساءلة القانونية والأخلاقية.

من السهل جداً اختزال القصة في سيرة رجل منحرف استغل ثروته لإشباع نزواته الخاصة، فهذا التبسيط مريح من الناحية الأخلاقية لأنه يسمح بإلقاء اللوم على فرد واحد ثم طي الصفحة. لكن الحقيقة الأكثر إزعاجاً هي أن إبستين لم يكن مجرد حالة شاذة، بل كان تجلياً صارخاً لمنظومة تمنح القوة المطلقة لمن يملك الثروة. إن التركيز على الفرد يغفل البيئة التي سمحت له بالنمو والاستمرار لسنوات طويلة.

تجسد هذه القضية ما يمكن وصفه بـ 'طغيان ما بعد الرفاه'، وهي المرحلة التي يتجاوز فيها الثراء حدود الحاجة ليصبح أداة للهيمنة المباشرة على البشر. حينما يبلغ المال مستويات فلكية، يفقد صاحبه الاحتكاك بالقيود الاجتماعية أو القانونية المعتادة، ويتحول إلى سلطة موازية تعيد تعريف الممكن والممنوع. في هذا السياق، لا يعود القانون سقفاً للسلوك، بل مجرد تفصيل إجرائي يمكن الالتفاف عليه أو شراؤه.

من الناحية النفسية والاجتماعية، لا ينتج هذا الثراء الفاحش استقراراً، بل قد يولد شعوراً مرضياً بالتفوق والقدرة على الإفلات الدائم من العقاب. تتآكل في هذه البيئة الحدود الفاصلة بين الإنسان والسلعة، حيث يتحول الآخرون إلى مجرد أدوات للمتعة أو أوراق ضغط في صراعات القوى. هذه المناخات المغلقة هي التربة الخصبة لنشوء شبكات نفوذ تتبادل الأسرار والخدمات وتحمي بعضها بتبادل المصالح.

لم تكن 'ملفات إبستين' مجرد وثائق قانونية، بل كانت مرآة تعكس العلاقات الملتبسة بين المال والسياسة والإعلام العالمي. ورغم الضجيج الإعلامي الواسع، إلا أن الكثير من الحقائق ضاعت بين نظريات المؤامرة والمبالغات المتعمدة التي شوهت الصورة الحقيقية. الأسئلة الجوهرية التي يجب أن تُطرح تتعلق بكيفية سماح المؤسسات لهذه الشبكات بالعمل لسنوات دون رقيب أو حسيب.

إن التركيز على الجوانب المثيرة والفضيحة يحول القضية إلى حدث عابر في ذاكرة الشعوب، بينما المطلوب هو قراءة أعمق ترى في إبستين نموذجاً متكرراً بأسماء مختلفة. المشكلة الحقيقية تكمن في الثقافة التي تمنح حصانة غير مكتوبة لطبقة معينة، وفي النظام الاقتصادي الذي يجعل النفوذ المطلق مرادفاً آلياً للثروة الهائلة. العدالة تبدو دائماً مترددة وبطيئة عندما تصطدم بمراكز القوى الحقيقية.

إبستين، الذي انتهت حياته بشكل غامض داخل زنزانته، يترك وراءه تساؤلات حول مستقبل النخبة العالمية ومدى قدرتها على إصلاح نفسها. ما لم يتم فتح نقاش حقيقي حول العلاقة المختلة بين السلطة والمساءلة، فإننا سنشهد ظهور أسماء جديدة وملفات مشابهة في المستقبل. الدهشة المتكررة عند كل فضيحة ليست سوى دليل على تجاهلنا للجذور البنيوية للمشكلة التي أنتجت مثل هؤلاء الأفراد.

السؤال الأهم الذي يجب أن يواجهه المجتمع الدولي اليوم ليس كيف سقط إبستين، بل كم شخصاً مثله يعيشون بيننا اليوم محتمين بذات المنظومة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي ما يفصل بين التعامل مع الفضيحة كحدث عابر، وبين الوصول إلى لحظة وعي حقيقية بضرورة إعادة النظر في قيم العدالة والمساواة أمام القانون. إن محاكمة الأفراد لا تكفي ما دامت البنية التي أنتجتهم قائمة ومستمرة.

دلالات

شارك برأيك

إبستين ليس مجرد اسم.. قراءة في منظومة الحصانة وتزاوج الثروة والسلطة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.