التعليم في إطاره السياسي الحقيقي
ينطلق هذا المقال من فرضية غالبًا ما تُهمَّش في النقاش العام: (أن المنظومة الاستعمارية، بطبيعتها، لا تحمي هوية الشعوب التي تُخضعها، لأنها تقوم على نفي حقهم في السيادة، لا الاعتراف به)، وعليه، فإن ما يبدو اليوم في القدس كأنه (ملء فراغ) في قطاع التعليم لا يمثّل مسارًا طبيعيًا ولا حياديًا، بل عملية استيعاب داخل منظومة استعمارية يُعاد فيها تعريف المقدسي بوصفه أقلية خاضعة تُدار شؤونها، لا جماعة صاحبة حق تاريخي وسياسي في المدينة ومؤسساتها التعليمية، هذا التحوّل لا يحدث دفعة واحدة، بل يتشكّل عبر تراكمات صامتة، تبدأ من التنظيم الإداري وآليات الإشراف والتمويل، ولا تنتهي عند إعادة تشكيل الوعي وحدود الممكن والمسموح في الفضاء التعليمي المقدسي.
وهم الحياد في السياسات التعليمية
تُقدَّم السياسات التعليمية المفروضة في القدس بلغة مدنية ناعمة، عبر مفاهيم تنموية خادعة مثل (تحسين البنية التحتية، تطوير الجودة، توسيع الفرص، تقليص الفجوات، وربط التعليم بسوق العمل)، غير أن هذا الخطاب، في سياق استعماري، لا يمكن فصله عن غايته السياسية، فالحديث عن (جودة التعليم) بمعزل عن سؤال المرجعية، وعن (فرص مستقبلية) دون مساءلة الجهة التي تُعرّف هذا المستقبل، يحوّل الحياد إلى وهم، هنا لا يعود التعليم مجالًا محايدًا، بل أداة لإعادة تشكيل الوعي، وتطبيع علاقة غير متكافئة مع القوة المسيطرة، تُدار فيها الحقوق بوصفها امتيازات مدنية مشروطة، لا استحقاقات سياسية طبيعية.
الفارق بين الحاجة المدنية والفعل السياسي
يُصرّ المقال على التمييز بين القضايا المدنية بوصفها احتياجات حياتية يومية لا غنى عنها، وبين القضايا السياسية بوصفها متصلة بالهوية والوجود والسيادة الرمزية، هذا التمييز ليس تنظيرًا، بل شرط لفهم الخطر القائم، فلا يمكن لقوة استعمارية أن تقدّم سياساتها على أنها (خدمات محايدة)، لأن هذا التقديم بحد ذاته فعل سياسي يهدف إلى تفريغ المواجهة من مضمونها، وتحويلها من مواجهة على الحق إلى ملف إداري قابل للإدارة والتكييف.
واقع التعليم بالأرقام
تشير البيانات الإحصائية المتعلّقة بالتعليم في القدس خلال العام الدراسي 2025– 2026 إلى أن عدد الطلبة المقدسيين ضمن سن التعليم (3–18 عامًا) يبلغ نحو 139,877 طالبًا/ة، ويتوزّعون بين 38.1% في التعليم العربي الخاضع لإدارة بلدية الاحتلال ووزارة المعارف، و38.7% في مدارس خاصة أو أهلية تعمل تحت إشراف وتمويل إسرائيليين بدرجات متفاوتة، في المقابل، تبلغ نسبة الطلبة خارج الأطر الرسمية الإسرائيلية 23.2%، وتشمل مدارس غير مرخّصة لا تتلقى مخصّصات من الجهات الإسرائيلية، من بينها مدارس الأوقاف الإسلامية، كما لا تعكس هذه الأرقام بدقة أثر إغلاق مدارس الأونروا وتحويل طلبتها قسرًا إلى أطر أخرى، مما رفع مستويات الاكتظاظ والتسرّب، في ظل نقص يزيد على 1,400 غرفة صفية في قطاع التعليم العربي بالقدس.
مخاطر تحويل الاستيعاب إلى المسار الوحيد
يُميّز المقال بين تفهّم سعي المقدسي إلى الاستمرار، وبين التحذير من تحويل الاستيعاب داخل المنظومة الاستعمارية إلى المسار الوحيد المتاح، فحين يُحاصَر الفلسطيني بخيار واحد، لا يعود التعليم مساحة اختيار، بل يتحوّل إلى أداة لإعادة تشكيل الهوية، وتفكيك المرجعية الوطنية، وتهميش اللغة، عبر الاعتياد اليومي لا القسر المباشر، والحاجة المعيشية لا الإكراه الصريح، ضمن سياق تعليمي مُدار سياسيًا.
تفريغ التعليم من مضمونه الثقافي والوطني
يُقدَّم التعليم في القدس اليوم بوصفه وسيلة للحصول على شهادة أو فرصة عمل، لا كمساحة للتعلّم الحقيقي، وبناء الوعي، والهوية والانتماء، هذا الاختزال المتعمّد يُفرغ المدرسة من دورها الثقافي والوطني، ويحوّلها إلى مكان بلا مرجعية واضحة. فلا يعود السؤال: ماذا نتعلّم؟ ولماذا؟ بل كيف ننجح فقط، ومع تغييب هذه الأسئلة، تُهمَّش قضايا المنهج والقيم ومعنى المعرفة، ويغدو التعليم أداة للتكيّف والاحتواء بدل أن يكون مساحة لفهم الواقع ونقده وبناء وعي جمعي يحمي الهوية ويمنح الطلبة القدرة على مساءلة ما يُفرض عليهم لا التعايش معه فقط.
أزمة التعليم في ظل غياب سياسة فلسطينية للقدس
لا يمكن قراءة أزمة التعليم بمعزل عن غياب سياسة تعليمية فلسطينية خاصة بالقدس، تُبنى على فهم خصوصية المدينة القانونية والسياسية، فالتشتت المؤسسي، وتجزئة الجهود، وارتهان التمويل لشروط خارجية، وغياب جسم تنسيقي جامع، كلها عوامل تترك الميدان فارغًا أمام سياسات جاهزة تُفرض بوصفها (حلولًا)، الفراغ هنا لا يبقى فراغًا، بل يُملأ بمنطق القوة المسيطرة، التي تُعيد تنظيم القطاع بما يخدم أهدافها الاستعمارية بعيدة المدى.
بدائل واقعية لحماية ما تبقّى من قطاع التعليم
لا يدعو هذا المقال إلى الشجب والرفض اللفظي ولا إلى إنكار الواقع أو التكيّف السلبي معه، بل إلى تفكيكه وبناء بدائل ملموسة تمنع تحويل الصمود إلى عبء فردي تتحمّله العائلات وحدها، فالفراغ لا يبقى فراغًا، وغياب البديل يعني تكريس المسار المفروض بوصفه الخيار (الطبيعي)، ومن هنا، تبرز الحاجة إلى خطوات عملية تبدأ بتأسيس مرجعية تعليمية فلسطينية خاصة بالقدس تُنسّق بين المدارس والمؤسسات وتضع خطة سنوية بأهداف قابلة للقياس، وتوجيه التمويل نحو سدّ الفجوات البنيوية عبر دعم الرسوم وتقليل التسرب وتوفير الإرشاد والدعم النفسي، والاستثمار الجاد في المعلّم المقدسي باعتباره خط الدفاع الأول، إلى جانب إشراك الأهالي كشركاء حقيقيين في القرار عبر لجان متابعة شفافة تواجه التطبيع بالبديل لا بالتخوين.
إعادة الاعتبار للسؤال المركزي
لا يتوقّف هذا المقال عند توصيف أزمة التعليم في القدس، بل عند إعادة ترتيب أسئلتها الرئيسية، فالقضية ليست لماذا يختار المقدسي مسارًا تعليميًا بعينه، بل لماذا يُحاصر ضمن مسارات محدودة تُقدَّم بوصفها (الخيارات المتاحة)، فالتعليم هنا ليس شأنًا خدماتيًا، بل فضاء سياسي وثقافي تتقاطع فيه الهوية واللغة والمرجعية، وأي فراغ يُترك فيه لا يُملأ بالحياد، بل بمنطق القوة، مما يجعل تحويل التعليم من ملف إدارة إلى مجال سياسة شرطًا لحماية معنى القدس عمليًا لا خطابيًا.
أقلام وأراء
الأحد 15 فبراير 2026 9:25 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
التعليم في القدس: كيف تُدار الأزمة؟ ولماذا يُترك الميدان بلا سياسة؟